العدد 2208 - الأحد 21 سبتمبر 2008م الموافق 20 رمضان 1429هـ

تأملات حائرة بين دعوة القرضاوي وطرابيشي! (1)

خالد المطوع comments [at] alwasatnews.com

لا أدري لماذا استغرب بعض الزملاء الأفاضل من تلك التصريحات المؤسفة والمنسوبة إلى الداعية الكبير والعلامة فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي رئيس «الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين» الذي لطالما عرف بوسطيته ومواقفه المعتدلة وتسامحه الديني، وتعرض بسببهم جميعا لأحقر أنواع الشتم والإقصاء والتكفير، وهي تلك التصريحات التي جاءت محذرة ومنذرة من تصاعد ازدياد ونفوذ «المد الشيعي» عالميا وتغلغل رياح هذا المد ما بين المفاصل العريقة لـ «الدول السنية» مثل مصر وغيرها، كما وصف فيها الأشقاء الشيعة بـ «المبتدعة» ولكنهم مسلمون؟!

إنها والله لتصريحات طائفية - مذهبية وطبيعة متوقعة من رجل دين سواء أكان الشيخ يوسف القرضاوي أو حتى لو كانت قد أتت من سماحة السيدحسين فضل الله أو حتى من الأسقف الجنوب إفريقي ديزموند توتو ضد الطرف الآخر ويستثنى منها في جميع الحالات أخونا «الواعظ المودرن»، فمن الصعب والمكلف جدا لرجل الدين أيا كان حجم استنارته وعلو مناقبه وعميق وعيه أن ينزع عن ذاته العلمائية في النهاية كامل ثوب الجماعة والطائفة، ولو استعاض عنه بألف غلالة وغلالة تسامحية وانفتاحية وتقريبية بين المذاهب ضمن الدين ذاته والنسق الأممي المشترك تاريخيا!

إن مثل ذلك الاعتقاد الجازم في نظري ومعه تصريحات القرضاوي مثالا والتي رد عليها العلامة حسين فضل الله ردا لاذعا وقويا في «الرأي» لم يخلُ من إشارات إقصائية معتادة للتحذير من «اختراق العلمانيين والملاحدة» ومساءلة القرضاوي عن تقاعسه في هذا الجانب، وإنما هي ردود تأتي في النهاية لتؤكد ما طرحناه في مقالنا السابق «أنت رجل دين أنت طائفي حتى تثبت براءتك!» المنشور بتاريخ 18 مارس/ آذار 2008، وكنا حينها قد ذكرنا موقفين متضادين أحدهما ليوسف القرضاوي وكتبنا بشأنه:

«خذ على سبيل المثال المواقف المشرفة لأحد رموز الاعتدال والوسطية الإسلامية وهو العلامة الجليل فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي وهو ما جعل منه هدفا محبذا لسهام الموتورين والمتطرفين والطائفيين في كل المناسبات، وكيف أن مثل هذه المواقف المشرفة التي لا تنسى لشيخنا الجليل لم تعصمه ذات يوم في أحد المؤتمرات الإسلامية الجامعة حينما شن هجوما حادا على حملات «التشييع» في بعض «المناطق السنية»، فأصبحنا بذلك نتعامل مع بعضنا بعضا رغم شهاداتنا التوحيدية المعلنة كما لو أننا أصحاب حملات تبشيرية متصادمة في الميدان ذاته؟!»

والآخر لحسين فضل الله وكتبنا عنه:

«وخذ أيضا كمثال آخر موقف رمز آخر من رموز الاعتدال الوسطي والصفاء والوضوح المبدئي في عالمنا الإسلامي ألا وهو العلامة المجاهد والمرجع آية الله حسين فضل الله الذي لطالما عرف بالاجتهادات التقدمية وسعيه المخلص والمجتهد للتقريب بين المذاهب الإسلامية ما أهله بجدارة لأن يلاقي من صنوف التجريح والشتم من قبل المتطرفين والطائفيين فيما لا يقل عما واجهه أخوه الشيخ يوسف القرضاوي، إلا أنه ورغم التراث المسنود حاضرا للعلامة فضل الله من تلك الوقفات البطولية النيرة بما فيها فتواه الأخيرة ضد سب الصحابة «رضوان الله عليهم جميعا» إلا أنها لم تقيه وتحصنه في النهاية من أن يكون مبهما ومترددا وغير واضح من الإجابة بحزم على أسئلة أحد مقدمي البرامج الفضائية حينما سأله عن حكم أن يتحول الشيعي من مذهبه إلى سني وذلك رغم اعتراف الأزهر بالمذهب الجعفري!».

وربما مع ازدياد نفوذ التيارات والجماعات الدينية - السياسية السنية والشيعية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا في مختلف أقطار المنطقة فإنه يبدو كما لو أننا نعاصر زمنا نرى من خلاله أنفسنا وقد حورنا وأعدنا قراءة مصطلحات «الغزو الثقافي» و «التلوث الثقافي» وتم تصميمها وحشوها وإعرابها على وزن وأساس طائفي بدلا من أن يكون مرتبطا بالغزو العولمي الغربي الجارف، ليكون في المحصلة «غزوا ثقافيا سنيا» و «غزوا ثقافيا شيعيا»، وبالتالي على الأب السني أن ينتبه إلى ابنه إذا ما ألفاه ذات يوم وعلى جبينه بقعة داكنة حتى ولو كانت رضة أو قرصة وأن يفحص فمه ليتأكد إن لم يكن بداخله «عيش الحسين»، وبالمثل على الأب الشيعي أن ينتبه إلى ابنه إذا ما ذكر اسم «عمر» في سياق إيجابي حتى لو كان يتحدث عن صديقه، أو إذا ارتدى ثوبا قصيرا بالخطأ أو أطال لحيته حتى ولو أراد أن يكون «هيبيا»، ففي جميع الأحوال تلك علامات «غزو ثقافي شيعي» أو «تلوث ثقافي سني» منذرة بعظائم الأمور «الإسلامية»!

وفيما يتعلق بـ «المد الشيعي» فإننا لا ننكر أن هنالك حركة تشيع سياسي ثوري واضحة في مصر وسورية ومختلف دول المنطقة على وجه التحديد مع انبهار قوي ببطولات «حزب الله» في لبنان وبكاريزما السيدحسن نصر الله لا بمساومات الحكومة العراقية!

كما أن دخول حركة «حماس» في فلك «الممانعة» الاستراتيجية، وتحميل «الدول السنية» كمصر والسعودية مسئولية التركة الثقيلة لما آل عليه الوضع الحالي على مدى عقود، وإشادة بتصريحات وخطابات الرئيس الإيراني أحمدي نجاد في مقابل إحباطهم المزمن من العمالة المزرية لأنظمة الغنيمة العربية وعروش البؤس الراهن المسنودة بفتاوى «طاعة ولي الأمر» زاد من تلك الظاهرة.

ولكننا وفي رأي الخاص ومع ثورة الاتصالات فإنه من حق الجميع أن يدعو لدينه ومذهبه وايديولوجيته وفكرته في أي وقت وزمان طالما أنه لم يلجأ في ذلك إلى أي من وسائل الإرغام والإكراه والاستغلال المادي كما حصل في بعض الحقب التاريخية ويحصل حاليا، فما بالنا إن كنا نقر لبعضنا بعضا أننا مسلمون ونحترم بعضنا بعضا ونعمل على التقارب ومع ذلك نعتبر حراك أي منا بمثابة غزو وتلوث وجب التصدي له والتطهر منه.

ألا يجدر بنا أن نعمل على تقريب المصائر السياسية والاستراتيجية رغم وحدة المصير التاريخية بدلا من الكلام عن التقريب ما بين المذاهب وخصوصا أن شغلتنا الدعوة المذهبية تشييعا وتسنينا عن تلبية رسالتنا الأممية؟!

فإن كنت أتفق مع ما طرحه القرضاوي في رده على منتقديه من أن «هناك خطوطا حمراء يجب أن ترعى ولا تتجاوز، منها: سب الصحابة» كما جاء في بيان له نشرته «الجزيرة .نت» إلا أنني أختلف معه في «نشر المذهب في البلاد السنية الخالصة» للأسباب السالفة الذكر كما أنني أجد في التصريحات المنسوبة له ولغيره من علماء سنة وشيعة في هذه المرحلة الحرجة وإن كانت طبيعية إلا أنها خارجة عن حس المسئولية الاجتماعية والأممية، وما زاد بؤس الطين غالونات من البلل التعيس هو ذلك الرد المتردي واللاأخلاقي واللاعاقل من وكالة «مهر» الإيرانية الفاقد لمختلف صنوف اللياقة الأدبية، والذي سيسعد مشايخ التكفير الصحراوي ويطرد النعاس من أعينهم لليالٍ عدة!

ولكن حتى ينتهي علماؤنا المعتدلون والمتسامحون من تراشقاتهم الضارية بشتى أنواعها، لربما هو خليق بنا أن نعيد نقد ومساءلة ما ذكره القرضاوي في كتابه «الدين والسياسة» بخصوص العلاقة ما بين الدين والدولة في الإسلام خصوصا ونحن أمام دعوات لا تنتهي من القرضاوي وأخوته لتمكين «الإسلاميين» ونبذ العلمانيين، إذ كتب: «نحن في الإسلام ليست لدينا كنيسة، ولا سلطة دينية كهنوتية، ولا كاهن يتحكم في ضمائر الناس، ويحتكر الوساطة بيننا وبين ربنا، بل ليست عندنا طبقة كهنوتية تسمى (رجال الدِّين) يجب أن نذهب إليهم إذا أذنبنا، ونعترف لهم بما اقترفنا، ونلتمس منهم الغفران لخطايانا، وإلا هلكنا! بل المقرَّر عندنا أن كل الناس رجال لدينهم. عندنا فقط علماء يخدمون الدِّين بما تعلموه وفقهوه»!

فلعمري إن مثل تلك تلك الأسطوانة المثالية وإن كانت صحيحة نظريا إلا أنها تخفق في ميادين التجارب العملية والحالات الحية في إيران والسعودية أبرز قوتين إسلاميتين معاصرتين التي يتجلى فيهما نموذج كهنوت سياسي معصرن له سماته الشرقية المميزة وتخضع فيه إرادة الناس إما لوصاية «طاعة ولي الأمر» ولـ «هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» أو لسلطة «مرشد الثورة» و «وصي الإمام الغائب» وميليشيا «الباسيج» و «الثورة الإسلامية الثالثة»!

فلا أظن أن مثل تلك المظاهر المهيمنة والمسكوت عنها والتي تختفي في جنباتها آلام وظلمات ودماء بشرية بمعزل عن نظر شيخنا وعالمنا الجليل يوسف القرضاوي، والتي تشكل تراجعا انتحاريا فكريا عن الثورة الإسلامية التقدمية التي أفرزت نموذجا للحياة المدنية متقدما في عصرها عن سائر النماذج التاريخية، ولا أظن أن الأقليات سنية وشيعية سيكون بالتالي وضعها آمنا في حال تم تمكين التيارات السياسية «الإسلامية»، فهل سيكون قسطا من العلمنة السياسية ترياقا ضروريا لتجميد وإيقاف إثارة الخلافات والتكفيرات الطائفية بين المسلمين؟!

نعد القارئ العزيز أن نلقي المزيد من الضوء في المقال القادم حول مسألة العلمانية والصراع المذهبي من خلال ما طرحه المفكر جورج طرابيشي في كتابه الجدير بالمناقشة «هرطقات 2»

إقرأ أيضا لـ "خالد المطوع"

العدد 2208 - الأحد 21 سبتمبر 2008م الموافق 20 رمضان 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً