العدد 242 - الإثنين 05 مايو 2003م الموافق 03 ربيع الاول 1424هـ

كم من «الصحَّافيين» يرتعون بين المحيط والخليج؟

نح على نفسك يا «إعلام» إن كنت تنوح!

قاسم حسين Kassim.Hussain [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

من المؤسف أن يرتبط اسم الصحّاف في لغتنا العربية رمزيا بالصحافة، ومن المؤسف أكثر أن تتحول واحدة من اكبر نكباتنا المعاصرة إلى أكبر مهزلة في تاريخ الحروب. وبفعل أداء هذا الوزير «الأراجوز»... من الطبيعي أن يستقر في وعي المواطن العربي العادي ويترسخ ان دور وزير الإعلام ينحصر في تزييف الواقع ولعق أحذية الطغاة وتسويق الأكاذيب وخداع الرأي العام. وكم من المحزن أن تخرج الشعوب من النكبات والحروب بالعبر والدروس ونعود نحن العرب بهذا النتاج «الصحّافي»الفكاهي الهزيل الذي يكاد ينسينا ما وقع، حتى غطّت تصريحاته وأداؤه المشين لمدة عشرين يوما على كل فظائع الحرب وأهوالها.

ولكن...لنكن واقعيين وصريحين مع أنفسنا: الصحّاف ليس فردا، انه ظاهرة متغلغلة في أعماق حياتنا العربية، ونتاج مسار سياسي تعيشه الشعوب على امتداد العالم العربي. وإذا كان الصحاف أبرز مسئول في النظام العراقي أوكلت إليه إدارة الجبهة الأكثر حساسية في الحرب، فإنه أخذ يتفنن في خداع الرأي العام العربي ويقود أكبر عملية تضليل، على طريقة الأحمق الذي يرى الثور الأسود فيصر على حلبه!

الصحاف انتهي بهروبه واختفائه، فلم يكن له من قيمة بعد التضليل غير تلك الكلمات الغريبة على الآذان والأذواق، والتي ورّطت المترجمين في العثور على مرادفاتها: من «جحوش» و«طراطير» و«أوغاد». ولن يبقى منه بعد اليوم غير ذلك الأداء الذي زعم بوش انه كان يحرص على متابعته من باب الفرجة و«الطماشة»! ولكن التساؤل الأكبر الذي تحدى به الإعلام العربي الرسمي كله: «هل لك أن تثبت انك لست نسخة أخرى مني؟» وهل يستطيع وزير الإعلام العربي الرسمي التعامل مع الشعب على انه أحد الشعوب التي خلقها الله بيديه تحت سمائه، وليس قطعانا من الماشية؟ وهل يعامل أصحاب الرأي والكتاب والصحافيين على انهم ليسوا ذبابا أو مجرمين ينظر إليهم بعين الريبة ويدينهم بالتآمر قبل أن يتفوّهوا بكلمة، فإذا نطقوا ساقهم إلى أقبية التحقيق أو مقصلة الإعدام؟

الصحاف واعظا ودرويشا!

إن من اكبر «دروس» الحرب الراهنة أن يتحول الصحّاف إلى مادة غنية للسخرية والاستهزاء، بعد أن كان وزيرا تحف به جموع المراسلين. فموضوع «الصحّاف» حريٌ بأن يكون مفتاحا لتناول الملفات المغلقة ومراجعة الذات، وليس مادة للسخرية والتهريج. وعندما أقف على نكتة أو اقرأ شيئا «طريفا» عن هذا الوزير البائس، سرعان ما يخامرني شعور بالمرارة بعد أن تتبخر الابتسامة، وأعود أسائل نفسي: أليس هذا هو حال وزير الإعلام العربي عموما؟! ألا تحس ان الشاعر العباسي البغدادي أبو العتاهية كان يخاطب واقع الإعلام العربي حين قال: «نح على نفسك يا مسكين إن كنت تنوح»؟

الصحّاف ليس إلا خلاصة هذا الوضع الجامد عبر القرون... وهو مجرد نمطٍ لسلوكٍ رسمي اعتادته الشعوب العربية إلى درجة الإدمان، بل قيل ان الشعب الوحيد الذي لم يكن يتابع مسرحيات الصحاف ويطرب لها هو الشعب العراقي الذي كان عجنه وخبزه ولاكه ورماه، ولم يصدقه إلا من كان يستمع إلى إعلام صوت الجماهير أو وقع تحت تخدير المجلات العربية الخمسين في مشرق الوطن ومغربه والمهجر، التي كان «يتصدّق» عليها الرئيس التقي الورع صدام بالعطايا والهبات!.

الصحّاف... عاشقا!

والصحّاف نموذج للشخصية الرسمية حين تبلغ ذروة العطاء فتتألق، مثل شخصيات الكاتب الفرنسي موليير... ولكن يجب ألا ننسى انه ليس وحيدا. فهناك «صحّافيون» آخرون أقل شهرة وأكثر «طرطرة»، لم تصنع لهم عجلة الإنتاج الأميركية دمى تباع بمئات الدولارات، وهم يقومون بالدور نفسه، وبأداء كاريكاتوري أكثر فظاعة وإمعانا في الكذب والدجل و«الطرطرة»، بل والتزييف وتشويه الحقائق، والتحريض لاستعداء الحكام على شعوبهم، كأنهم متخصّصون في هذا المجال القذر يمارسونه طوال عقود دون كلل أو ملل.

هؤلاء «الصحّافيون» يكرهون فتح النوافذ لئلا يتجدد الهواء، ويسرّهم أن تبقى الأبواب موصدة اقتداء بـ «سنّة» القائد المجاهد صدام. هؤلاء أعداء الهواء الطلق وأعداء كل إصلاح وضياء. تعوّدوا على العتمة والظلام عقودا بعد عقود، فلما تسرّب ضوء النهار تراهم يجزعون كالخفافيش خوفا على الظلام الذي ولى إلى غير رجعة إن شاء الله.

دينهم وديدنهم التسلل بين الخرائب كالغربان السود والبحث عن العظام الطائفية البالية، والعزف على أوتار الخلافات المذهبيةالبغيضة، والتغنّي في كل مناسبة بقانون «أمن الدولة» الذي لم ينتج عنه إلا اضطراب البلد واهتزاز الاستقرار، وعيش المواطن في خوفٍ على نفسه وحياته ولقمة عيشه ومستقبل أبنائه... وطوابير طويلة من السجناء والمهجّرين، ومسلسل طويل من الأوجاع والآلام. ويعجب المرء ما الذي يجعلهم يعشقون هذا القانون إلى هذه الدرجة من الهيام؟

ورثة صداّم الشرعيون

يستغلون كل مناسبة لإيغار الصدور، فكلما زعق زاعق أو صرخ مراهق ارتفعت نوائحهم على طريقة هند بنت عتبة: «هذه هي نتيجة الحرية الزائدة»! تعوّدوا على منظر السوط والكرباج يلعبان على ظهور االكادحين، لا يتحرك لهم ضمير، و«تهتز دكّة غسل الموتى وما تهتز لهم قصبة» كما يقول الشاعر العراقي مظفر نواب. ويقينا لو أعيد العمل بقانون أمن الدولة لكانوا أول المصفقين. لا يرضيهم أن تسود علاقة حب وتقارب بين الناس، أوعلاقة صلح ووفاق بين الحاكم والمحكوم، عاشوا على تلقيح نار الفتنة والنفخ في كير الأحقاد وبث الشقاق بين ابناء الوطن الواحد. طائفيون حتى النخاع، مسكونون موبوؤن مهووسون!

عقليتهم وذكاؤهم وأدمغتهم التي عصفت بها الكيماويات، لم توصلهم إلى أخذ العبرة مما جرى على مرمى حجرٍ منا، وأنّى لقصار النظر أن يبصروا ما هو أبعد من زعانفهم؟ وبدل إسداء النصح والعمل على الوحدة في مواجهة الفتن المظلمة المقبلة كقطع الليل المظلم على أمة محمد (ص)، إذا بهم يواصلون نهج طراطير الإعلام العراقي البائد، العالم كله أدرك مخازي صدام إلا هؤلاء، البقية الباقية من أزلامه والورثة الشرعيين لتركة صدام «العظيم». نظلمهم إذا طلبنا منهم أن يخرجوا من جلودهم وعقدهم واضطراباتهم النفسية. فهم ببساطة لم يجيدوا في حياتهم غير لعب هذا الدورالوبيء، ولم يدركوا أن العالم تغيّر، وأن المنامة ليست بيروت 74، وان جيوش الأميركان تجثم على صدور دولنا على رغم أنوف جميع الشعوب. هؤلاء العمي لم ولن يستوعبوا ما جرى من زلزال، ولذلك يعرضون علينا بين كل يومين «فوبياهم» وهلوساتهم و«أفكارهم الناضجة جدا إلى درجة الاحتراق!».

في البداية صفّق بعضهم لقانون «أمن الصحافة» الجديد عندما أعلن عن صدوره قبل عدة أشهر، ونشروا تهنئتهم لنا -معاشر الصحافيين - على صدور القانون العظيم! وأعلنوا موافقتهم عليه منذ اليوم الأول لصدوره من دون أن يقرأوه، فهم لم يعتادوا على التمحيص والنقد والمراجعة، وكل ما يجيدونه هو التطبيل جريا على مفهوم البيعة المقدسة والتسليم المطلق. فهل مثل هذه الشريحة يمكن ائتمانها على مستقبل صحافة بلدٍ يرغب بالسير على طريق الديمقراطية إذا كانت «حرية التعبير» و«حرية الرأي» عندها بمثل هذه الضعة والهوان؟!

نزار قباني كان يقول: «ان الحرية الموجودة في كل العالم العربي لا تكفي لعصفور واحد»، وهؤلاء يقولون : «كفاية حرية»، «جرعة الحرية زادت ثم فاضت»، و«الحرية أكبر عدو يمكن أن يهلك الحرث والنسل».

أوروبا لم تتقدم عندما كانت محاكم التفتيش تفرض تصوراتها على الأحرار والمثقفين وأصحاب الرأي، بل والمواطن العادي البسيط، الذي تحصد أضلاعه طاحونة الحروب وعلى أشلائه تشيّد أعمدة الأصنام. أوروبا لم تتقدم إلا بعد ان حفظت للرأي احترامه، وللحرية قدسيتها، وللإنسان مكانته السامية. وطريق التقدم ورقي الشعوب أبعد ما يكون عن قوانين أمن الدول وأقبية السجون والتشريد والتعذيب. نحن جرّبنا القبضة الحديدية والسجون وتشويه سمعة البلد وتشريد المواطن، آلاف دخلوا المعتقلات وآلاف تشرّدوا حتى وصل البحريني إلى كندا واستراليا والدول الاسكندنافية... فلنجرّب الحرية التي رفعت سمعة البحرين ووضعت بلدنا على بداية الدرب الصحيح.

الطموحات - أصارحكم - أكبر بكثير مما تحقّق، ولست أسوّق لأحدٍ أو لطرفٍ أو لمشروعٍ هنا، وإنما يهمني البحرين ومستقبلها لئلا نعود إلى الوراء، بفعل هذه الأصوات النشاز التي لا تجيد غير العزف على الأوتار الطائفية البغيضة والبحث عن العظام البالية والتلذذ بآلام المحرومين تحت السياط والرقص على جثث الشعوب

إقرأ أيضا لـ "قاسم حسين"

العدد 242 - الإثنين 05 مايو 2003م الموافق 03 ربيع الاول 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً