العدد 1628 - الإثنين 19 فبراير 2007م الموافق 01 صفر 1428هـ

الكتائب اللبنانية... وسيكولوجية الطوائف (1)

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

أقدمت مجموعة مجهولة في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي على اغتيال النائب والوزير الشاب بيار أمين الجميل حفيد مؤسس حزب الكتائب اللبنانية الشيخ بيار الجميل. شكل حادث الاغتيال صدمة كبيرة للعائلة وقوى «14 آذار» ووالده رئيس الجمهورية السابق أمين الجميل.

جريمة الاغتيال ليست الأولى التي تتعرض لها عائلة الجميل. فهناك حوادث كثيرة سابقة من بينها حادث التفجير الذي أودى بحياة رئيس الجمهورية المنتخب بشير الجميل (شقيق أمين وعم بيار) في العام 1982 إبان الاجتياح الإسرائيلي للبنان.

استهداف عائلة الجميل ليس مستغربا. فهذه الأسرة لعبت دورا مهما في صوغ شخصية لبنان السياسية وكان لها موقعها الخاص في تشكيل تلك القوة الميدانية المنظمة في قيادة التحركات الشعبية في الشارع المسيحي أو في اتخاذ المبادرات في تحريك الناس والتصدي للفئات المناوئة ايديولوجيا للفكر الكتائبي. وبسبب خطورة هذه الوظيفة وموقع الصدارة لعائلة الجميل في لعب أدوار التحدي والتصدي، تلقت هذه الأسرة السياسية ضربات قوية لزعزعة المكانة التي اكتسبتها في حياتها الحزبية وصولا إلى قيادة الشارع المسيحي عموما والماروني خصوصا.

بدأ انخراط أسرة الجميل في العمل السياسي المباشر في عهد الانتداب الفرنسي. آنذاك كان الشيخ بيار يهتم كثيرا بالنشاط الرياضي (كرة القدم). وبحكم موقعه الاجتماعي العام (من مشايخ المتن الشمالي) ومهنته (صيدلي)، ترأس الشيخ بيار أندية رياضية كان لها اتصالها الجماهيري بالناس. وهذا الموقع متعدد الأوجه أتاح له التحرك في وسط الشارع المسيحي حين قرر الانتقال إلى النشاط الحزبي. فالعائلة تتميز بموقع اجتماعي خاص (لقب المشيخة) تعزز بالأعمال التجارية الحرة وما تتطلبه من علاقات عامة وتوسط ونقل واتصالات. كذلك نجحت الأسرة في تلقي بعض العلوم والدراسات الجامعية والمهنية؛ ما فتح أمامها باب الاتصالات بالشريحة المتعلمة من الطائفة المارونية وخصوصا تلك الأسر التي دأبت على التحدث باللغة الفرنسية والاحتكاك بالجامعات الفرنسية في باريس أو بيروت (اليسوعية).

كل هذه الخصائص اجتمعت في شخصية الشيخ بيار الجد الذي قرر الانتقال إلى العمل السياسي حين أسس بالتعاون مع شخصيات مسيحية بارزة حزب الكتائب اللبنانية في العام 1936. في تلك الفترة كان الشارع المسيحي تتحكم في إدارة مصالحه عائلات سياسية عريقة توزع نفوذها على مختلف المناطق في الشمال وجبل لبنان مثل آل فرنجية في زغرتا وآل حرب في البترون وآل اده في جبيل وآل الخازن في كسروان وآل لحود في المتن الشمالي وآل شمعون في الشوف وآل سرسق في بيروت وغيرها من العائلات التي كانت تتقاسم النفوذ في المناطق والحصص في مجلس النواب والمناصب في أجهزة الدولة وإداراتها. فحال الطوائف المسيحية آنذاك كانت تشبه أحوال الطوائف المسلمة (السنية والشيعية والدرزية) التي كانت العائلات السياسية تدير شئونها وتتوزع حصصها ومناصبها.

عائلة الجميل في فترة الثلاثينات كانت خارج هذه التوزيعات الأسرية وتلك المنظومة الاجتماعية السائدة في دولة حديثة العهد والتكوين. فلبنان في شكله المعاصر كان مضى على إعلانه رسميا نحو 16 عاما وهذه الفترة لم تكن كافية لترسيخ الفكرة اللبنانية وجعلها مقبولة سياسيا وخصوصا عند المسلمين. المسلمون في تلك الفترة تعاملوا مع الفكرة اللبنانية بتردد وحذر. حتى إن بعض شرائح الطوائف المسيحية تعاطت مع الفكرة كإطار سياسي يحدد هوية الدولة الجديدة أكثر من كونها هوية قومية أو وطنية جامعة. فلبنان كان فكرة مبهمة واللبناني لم تكن تعني الشيء الكثير سوى أنها مجرد ورقة (وثيقة نفوس أو جواز سفر) للتنقل أو التعريف الشخصي.

الفكرة اللبنانية في تلك الفترة كانت جديدة كهوية ثقافية وطنية جامعة وشكل إعلانها كدولة رسمية نقطة توتر بين الطوائف. المسيحيون أخذوا بها لكونها تشكل حصانة سياسية وحماية دولية للأقليات المشرقية. المسلمون وافقوا عليها بعد تردد وكانت بالنسبة إليهم فكرة مسيحية اخترعها الفرنسيون والهدف منها عزل لبنان عن محيطه العربي وتأسيس كيان مستقل عن الدول العربية المسلمة.

في هذا الفضاء المضطرب ثقافيا وسياسيا تأسس حزب الكتائب اللبنانية بتشجيع من فرنسا. فالدولة المنتدبة في تلك الفترة كانت بحاجة إلى حزب حديث ومنظم يتحرك بفاعلية في الشارع وخارج مظلة العائلات السياسية التقليدية. كذلك كان الانتداب يتخوف من أنشطة حزب الشعب (الشيوعي) الذي أخذ يكسب الكادرات المنظمة والمتعلمة في الريف المسيحي لمصلحة قوة دولية منافسة (الاتحاد السوفياتي). كذلك أضاف تأسيس أنطون خليل سعادة الحزب السوري القومي مشكلة جديدة في الشارع المسيحي؛ لأن سعادة رفع شعارات تعارض الفكرة اللبنانية وتدعو إلى وحدة قومية تجمع دول بلاد الشام تحت هوية ثقافية واحدة.

جاء تأسيس «الكتائب» في الوقت المناسب فهو حمل وظيفة مباشرة تلبي حاجة سياسية نضالية تدافع عن فكرة جديدة وتحاول نشرها في مختلف الأوساط والطوائف اللبنانية لكونها البديل الموضوعي عن ايديولوجيات سياسية تقليدية أو قوميات سورية أو عربية أو إسلامية. وبهذا المعنى المحدد زمنيا لعب حزب الكتائب ذاك الدور المزدوج فهو من جهة شكل حركة «تقدمية» في الوسط الماروني لأنه تحول إلى منافس للعائلات السياسية التي تتحكم في مصادر القرار المسيحي في مناطقها وهو من جهة مثل وجهة نظر مضادة للشارع المسلم الذي انقسم بداية على الفكرة اللبنانية وتوزع بين مؤيد أو معارض لها.

تحرك حزب الكتائب بداية في الأوساط الشعبية واشتغل على كسب تلك الأسر المسيحية الفقيرة والمهمشة في البلدات والقرى المارونية التي تتحكم في إرادتها العائلات الإقطاعية. ورويدا رويدا تسلل هذا الحزب الحديث الذي نظمه الشيخ بيار الجميل - وفق النموذج الكتائبي الإسباني (الفالانج) بقيادة الجنرال فرانكو - إلى الريف المسيحي - الماروني واكتسب شعبية في وسط الفقراء والأسر الضعيفة والمهمشة وبات يشكل قوة سياسية انتخابية تنافس تلك العائلات المسيحية الإقطاعية.

لم يكن بيار الجميل ايديولوجيا على غرار أنطون سعادة. فالأخير جاء من طبقة وسطى احترفت العلم والكتابة والصحافة والترجمة عن اللغات الأجنبية. فوالد أنطون (خليل سعادة) كان طبيبا ويعمل أحيانا في قطاع الصحافة والكتابة والترجمة. كذلك كان والده متمردا على الكنيسة ويؤمن بالفكرة السورية. فهو مثلا ترجم كتاب «إنجيل برنابا» إلى العربية وهو الإنجيل المحرم تداوله كنسيا. وهذا يعني أن والد أنطون سعادة كان يحمل بذرة التمرد ويميل نحو العلمانية الأمر الذي نجح ابنه في تطويرها وتحديثها في كتاباته السياسية والاجتماعية والأدبية قبل تأسيس الحزب وبعده.

الشيخ بيار كان يميل نحو البراغماتية والتعامل الواقعي مع مشاعر الناس وأحساسيهم؛ لذلك أكسب خطابه تلك الصفة الشعبوية فأطلق شعارات بسيطة تخاطب وجدان الناس وتتجانس مع تربيتهم الدينية المتواضعة. فالشيخ بيار كان مع الكنيسة وليس ضدها ومال إلى تبني تلك الأفكار العامة من دون الدخول في الفلسفة وعلم الاجتماع كما كانت حال غريمه أنطون سعادة. ومن اختلاف شعارات الحزبين يمكن أن نفهم الكثير من ذاك التعارض بين «الكتائب» و «القومي». فـ «القومي» قال إنه يريد بناء أمة جديدة وإنسان جديد ونظام جديد لتحقيق «الخير والحق والجمال». «الكتائب» كانت أكثر تواضعا فهي طرحت الفكرة اللبنانية كهوية تجمع الطوائف ضمن صيغة مشاركة تجمع المسلمين والمسيحيين في دولة واحدة تعيش تحت شعارات ثلاثة: الله، الوطن، العائلة.

الاختلاف بين شعارات «القومي» الفلسفية الإغريقية والبيزنطية وشعارات «الكتائب» البسيطة والمتواضعة يعكس ذاك التوجه بين الطرفين. «القومي» ايديولوجي يريد التغيير من خلال ترويج أفكار متمردة على الواقع. والكتائبي براغماتي يتعامل مع الواقع ويتصالح مع الناس انطلاقا من إعادة إنتاج أفكارها البسيطة والمتواضعة.

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 1628 - الإثنين 19 فبراير 2007م الموافق 01 صفر 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً