العدد 1631 - الخميس 22 فبراير 2007م الموافق 04 صفر 1428هـ

النخبة تعاني من أزمة هوية ومطلع عصر الاستعمار المباشر

بلاد الشام تدخل عصر الطوائف (11)

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

عانت النخبة العربية (الإسلامية) في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كثيرا من المتغيرات الدولية والإقليمية وانعكاساتها السلبية على السلطنة العثمانية والسلطات الإدارية التابعة لها أو المستقلة عنها. ووجهت تلك المنعطفات السريعة سلسلة ضربات لوعي تلك النخبة فانقسمت وانشطرت ايديولوجيا وأهليا وعاشت لحظات ارتباك وضياع. كانت النخبة أشبه بالمثقف التائه الذي لا يعرف من أين يغرف المعرفة وكيف يتعامل معها أو يستخدمها. وبسبب عدم وجود وظيفة مباشرة لإدراكه المعرفي استطرد في قراءة النصوص وبدأ بالانتقال من فكرة إلى أخرى وأحيانا من دين إلى آخر أو من وطن إلى وطن.

هذا النمط البدوي في التفكير المعاصر استحكم بتلك الآليات التي أربكت وعي النخبة العربية فتحول عقلها إلى نوع من الوعاء الذي تصب فيه النظريات وتتضارب بداخله. وأحدث التضارب سلسلة ارتدادات عبرت عنه كتابات قلقة وخائفة من نهضة أوروبا، وكتابات مندهشة من تلك النهضة، وكتابات حاولت التوليف بين ثقافة موروثة وثقافة مستوردة (مقتبسة ومنقولة ومستنسخة).

أسهم هذا التذبذب المعرفي في تشكيل انكسارات معرفية غير قادرة على الرؤية. والتشويش لا تتحمل مسئوليته النخبة العربية المعاصرة وحدها. فهو كان أيضا نتاج تلك المتغيرات العنيفة التي عصفت بالمنطقة من مغربها إلى مشرقها. وبسبب تلك التقلبات التي أصابت السلطنة وأطرافها وضفافها الجغرافية تاهت النخبة ولم تعد قادرة على التقاط المفارقات الدولية والاقليمية في فترة انتقالية كبرى.

هذه الانعطافات يمكن ملاحظتها من سيرة حياة تلك النخبة وكذلك من مجموعة كتابات حملت تعارضات تعكس أزمة داخلية وعدم قدرة على الربط بين أفكار متقدمة وواقع متخلف، أو بين مفاهيم أوروبية تدعو إلى العدالة والمساواة والإنسانية وسياسة أوروبية استعمارية ترتكب المجازر وتحتل الدول وتسقط محاولات إصلاحية في تونس أو مصر مثلا.

مثل هذه المفارقات انعكست سلبا على تطور فكر النخبة العربية (الإسلامية) في تلك الحقبة المصيرية. فالنخبة ارتبكت وتاهت في خياراتها بين نظريات معاصرة تدعو إلى الحرية والعدالة بينما تمارس الدول الأوروبية سياسة معاكسة وعدوانية. ونتيجة هذا الارتباك ظهرت في الكتابات النهضوية اتجاهات ضائعة تبحث عن قومية جامعة أو ثقافة بديلة أو تصورات مختلفة لمفهوم الدولة والنظام والدستور... وأيضا جغرافية الهوية.

البستاني مثلا أطلق على صحيفته اسم «نفير سورية». وسورية آنذاك كانت تعني تلك المساحة الجغرافية التي تشمل سورية ولبنان وفلسطين والأردن (بلاد الشام). وكل هذه المنطقة كانت لاتزال تابعة اداريا للسلطنة العثمانية بينما لبنان في شكله الحالي لم يكن موجودا بعد على الخريطة السياسية. تسمية لبنان آنذاك كانت تقتصر على الجبل. وجبل لبنان لم يكن دولة أو هوية وانما دلالة على موقع جغرافي. والبستاني كان في المعنى المذكور عثمانيا - سوريا من مواليد جبل لبنان. وحين عصفت الحرب الطائفية بين سكان الجبل قرر البستاني (المثقف والاستاذ) الوقوف على الحياد ودعوة الناس الى التعايش تحت سقف «الوطنية». وبما ان الوطنية كانت فكرة مستحدثة وغير مفهومة ولاتدل على هوية يمكن الوقوف عليها تعرضت لاحقا الى سلسلة تعريفات نصوصية غير واضحة حين اخذ كل فريق يعطيها اللون الذي يتناسب مع موروثه الطائفي والمذهبي والديني.

ازمة الهوية عند البستاني لم تكن مشكلة خاصة به، وانما كانت مشلكة عامة تعرض لها الكثير من المثقفين والادباء والشعراء. وهوية لبنان كانت واحدة من مشكلات كثيرة طرأت على المجموعات الأهلية في السلطنة حين بدأت تنهار وتنحصر وينكمش نفوذها الى ان تفككت واختفت عن الخريطة. وازمة الهوية (الانتماء القومي أو الوطني) شكلت لاحقا نقطة توتر وقلق بسبب عدم وضوح الرؤية. حتى جبران خليل جبران نجد انه يستخدم هويات مختلفة للتعريف بنفسه أو لتحديد ذاك الإطار الجغرافي للانتماء. فجبران ولد في بشري (جبل لبنان الشمالي) ولكنه استمر يستخدم مجموعة هويات من عربي أو سوري الى لبناني للدلالة على الانتماء. كذلك نجد الأمر نفسه عند الأديبة مي زيادة فهي ضاعت في تحديد هوية نهائية لمشروع الانتماء الوطني.

هذا المزيج من الهويات يعكس في العمق ازمة الانتماء وضياع النخبة في تحديد التعريف الأخير لمسألة الوطنية او القومية. والتخبط المذكور نجده ايضا في انشطة السفراء والقناصل والشركات والارساليات والمعاهد وحتى كتابات المستشرقين والرحالة. مثلا حملت الجامعة الأميركية في بيروت التي تأسست قبل 150 سنة اسم «الكلية الانجيلية السورية» ثم استبدل اسمها بعد دخول المشرق العربي في المزيد من التشرذم والتفكك.

أزمة الهوية البديلة والجامعة لم تكن الوحيدة التي عانت منها النخبة العربية (الإسلامية) في القرن التاسع عشر. فهناك مجموعة ازمات شكلت كلها ذاك الضغط النفسي - الثقافي على نخبة تبحث عن نمط متطور ينقذ الأمة من الانهيار. وبسبب التفاوت بين طموح النخبة وظروف الواقع والفضاءات الدولية التي عصفت بالمنطقة أصيب «رواد النهضة» العربية بإحباطات زادت من تشويش الرؤية.

البستاني الذي كان يعتمد على الخديوي إسماعيل لتمويل إصدار موسوعته انصدم حين انقلب عليه الخديوي توفيق في العام 1879 بإيعاز من بريطانيا التي أخذت تضغط على القاهرة لتسديد ديونها.

خير الدين التونسي الذي جاهد وتعاون مع «باي» تونس لتحديث الدولة وتطوير الدستور ونقل المعارف الأوروبية الى العربية احبط بدوره حين اجتاحت فرنسا تونس واحتلتها في العام 1881 بموافقة بريطانيا وألمانيا.

مصر التي كانت قبلة النخبة العربية (الإسلامية) ومركز التنوير للكثير من رواد النهضة ومحط انظار للكتاب والصحافيين والمفكرين تعرضت بدورها الى اجتياح بريطاني انتهى بإلحاق أرض الكنانة بدائرة الاستعمار الأوروبي في العام 1882.

أحدثت هذه التحولات العنيفة صدمة في وعي النخبة في تلك الفترة ودفعت بالكثير من الشرائح الى إعادة النظر في بعض تصوراتها. فهناك من صمت على الاحتلال وتعاون مع الاستعمار، وهناك من انتقد أوروبا ورأى انها تخالف مفاهيمها، وهناك من وفق بين الموروث والحديث، وهناك من اتجه نحو المعارضة والمقاومة دفاعا عن الهوية والتراث والحرية والاستقلال.

الانقسامات هذه التي تولدت كردة فعل على التحولات الدولية اسست لاحقا اختلافات عميقة الجذور بين شرائح النخبة العربية وكرست وجهات نظر ايديولوجية تتعامل مع الغرب من مستويات مختلفة.

المشكلة إذا لم تكن في وعي البستاني والشدياق والتونسي فقط. فهذه الارتباكات التي عصفت بأفكارهم جاءت في إطار تحولات كبرى عنيفة لم تستطع النخبة العربية آنذاك إدراكها أو تفسيرها أو فهم خلفياتها. ففي الوقت الذي كان البستاني يفكر في نقل المعارف الأوروبية وتعريف الناس بالحضارة واسسها ومنطلقاتها في موسوعته احتلت فرنسا تونس وثم استولت بريطانيا على مصر قبل سنة على وفاته. الأمر نفسه حصل للشدياق والتونسي. فالأول تعرض لصدمات كثيرة بحكم تنقلاته ورحلاته ونشاطه الثقافي بين لبنان ومصر ومالطا وأوروبا وتونس واسطنبول ثم القاهرة التي زارها قبل الاحتلال وبعده. والثاني أيضا عايش الأزمة نفسها حين تنقل بين اسطنبول وتونس وأوروبا وثم تونس واسطنبول ليتكشف أخيرا ان كل دعوات التحديث والإصلاح ستصاب بضربة قاتلة من الاستعمار الفرنسي.

المشكلة في وعي النخبة آنذاك انها تأخرت في التقاط ذاك الاختلاف بين اسس النهضة الأوروبية ودور الدولة القومية التوسعي خارج القارة. فآنذاك كانت اوروبا استكملت نموها داخل السوق القومية وبدأت دولها تتنافس على اسواق العالم الثالث فاتجهت الى التنسيق وتوزيع الحصص والغنائم انطلاقا من تلك الاتفاقات التي جرى توقيعها في مؤتمر برلين في العالم 1878.

هذا النقص في المعلومات زاد من معاناة النخبة العربية (الإسلامية) التي ستمر في محطات مختلفة بسبب تلك التحولات السريعة والقسرية التي ضغطت على السلطنة والسلطات المحلية. فالتحولات الناجمة عن المتغيرات الدولية والإقليمية أسهمت في رفع نسبة القلق في وعي النخبة التي وجدت نفسها منعزلة وتائهة ومن دون غطاء محلي في مطلع عصر الاستعمار المباشر.

أزمة الهوية الجامعة المضافة الى أزمة الدولة البديلة ازدادت توترا بعد ان بدأت أوروبا تجتاح المنطقة العربية وتستولي عليها خطوة خطوة. وشكلت مسألة الاستعمار وأسلوب التعامل معها نقطة خلافية جديدة بين شرائح المثقفين سيكون لها وقعها الايديولوجي الخاص في كتابات النخبة التي ستأتي بعد مرحلة البستاني والشدياق والتونسي. فهؤلاء الثلاثة سيعاصرون بدايات الاحتلال الأجنبي لا نتائجه وسيكون تعاملهم هامشيا بسبب وفاة الأول المبكر ودفاع الثاني والثالث عن السلطنة بحكم وجودهما في اسطنبول.

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 1631 - الخميس 22 فبراير 2007م الموافق 04 صفر 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً