العدد 1634 - الأحد 25 فبراير 2007م الموافق 07 صفر 1428هـ

الحريات والأمن... هل من وفاق؟

خالد المطوع comments [at] alwasatnews.com

ظلت ولاتزال الأسئلة المتعلقة بأشكال العلاقات التواصلية بين مستوى الحريات العامة والخاصة وسلطة الأمن وغيرها من أدوات ضبط مؤسساتي عليا، تثير المزيد من الجدل عالميا بين مختلف الأنظمة والمجتمعات والثقافات بغض النظر عما بها من فروقات وتنوعات جوهرية.

فهل لازدياد مستوى كفاءة وجاهزية وفاعلية عناصر المؤسسة الأمنية أثر سلبي - بالضرورة - على مستوى الحريات العامة والخاصة في المنطقة؟

من الجهة المقابلة، هل يعد ارتفاع مؤشرات الحريات العامة والخاصة في مجتمع من المجتمعات ودولة من الدول عاملا رئيسيا وحاسما في توهين وتعجيز سلطة وإرادة الأجهزة الأمنية الداخلية حتى سلطة المؤسسات العسكرية؟

جميع تلك الملاحظات التي يطلقها المراقبون لم تأتِ من عبثٍ، بل لها شواهد واقعية وملموسة في الولايات المتحدة الأميركية بعد حوادث 11 سبتمبر/أيلول من العام 2001 الأليمة وما تلاها من انخفاض ملحوظ في الحريات الديمقراطية، وكذلك الحال مع دول عربية تستند إلى قوانين طوارئ منذ أكثر من عقدين، وأخرى لم تضع حتى الآن دستورها!

بخصوص الواقع المحلي المعاش، فإنه يظل مشروعا حتى هذه اللحظة أن يتساءل أي مراقب عن انتظار نبوغ صيغة تحفظ العلاقات المثالية وتعالج الثقة بين سلطة الأمن بما لها من مكانة مهمة وأولوية قصوى والمطالب الشعبية والمواطنية بنصيب محترم وحق مكفول دستوريا وتعاقديا من الحريات العامة والخاصة؟

مما لاشك فيه أن ما يحسم النقاش الدائر حول اختلاف المقامات والمكانة والدرجات الوضعية بين مطلب الأمن من جهة ومطالب الحريات العامة والخاصة من جهات أخرى، أسبقية وأهمية مطلب الأمن والاستقرار إنسانيا عن غيره من مطالب حريات عامة وخاصة، فيظل وجود رجل أمن واحد يحمي «عمارة» سكنية أكثر أهمية عملية وجدوى واقعيا من وجود مئات النشطاء السياسيين والنشطاء الحقوقيين حولها صارخين ورافعين مطالب الحرية والعيش الكريم مهما قيل أو اختلف معنا أي طرح سياسي معارض في ذلك، فشعارات «الأمن ثم الأمن ثم الأمن» و «الأمن أولا» مهما اختلفت الظروف التي أُطلِقت فيها والنوايا التي تقف وراءها لا يمكن بالتالي التنكر لحساسيتها ولأهميتها للفرد البشري قبل غيرها من مطالب أخرى!

ولكن ما إن تكتمل الصورة الحقيقية ويبلغ المشهد منتهاه حتى يتضح عجز مطلب الأمن والاستقرار عن تبوؤ مقامه الأعلى من دون سائر المطالب الإنسانية الأخرى إذا ما كان ذلك الاعتلاء والترفع للسلطة المعنية بفرض الأمن والاستقرار على حساب الحرية والتعددية والانفتاح، وإذا ما تخلى الأمن عن دوره الوقائي والضابط والمنظم لصالح جوانب القمع والإقصاء والتدمير، بل إنه يصبح في موقع خطرٍ جارفٍ وتحسبٍ دائمٍ بعد أن يتخلى عن أسمى مضامينه وقيمه الإنسانية فيقع فريسة التخبط والتلاعب بأعواد الكبريت، ولنا في ذلك أمثلة حية عن نماذج دول ومجتمعات يسودها عدم الاستقرار والتضعضع على رغم تماسك أنظمتها الأمنية السلطوية وشدة بأسها وكفاءتها العالية!

هذا من ناحية ما يتعلق بالعلاقة الندية المعاشة بين مطالب الأمن والاستقرار ومطالب الحريات والانفتاح على رغم كونهما مدرجتين ضمن نطاق المطالب الإنسانية الأولية، أما بخصوص حال هذه العلاقة الجدلية في واقعنا المحلي فإننا مازلنا نعايش تفاعلات تلك العلاقة التاريخية والحاشدة بالانتظار والترقب والترصد بين المتصدرين لكلا الجانبين، وإن كان لا يوجد هنالك خلاف ونزاع بين المطلبين الضروريين، كما أننا في ظل التداعيات المأسوية الأخيرة وحوادث الشغب وما تم الادعاء الكشف عنه في مزرعة بقرية «بني جمرة» من زجاجات حارقة، فإننا نجد أنفسنا معنيين بدرجة أولى بتلمس حواف تلك العلاقة المتربصة والحذرة بين جانبي السلطة الأمنية القائمة ونشطاء قوى المعارضة السياسية، والتي ارتبطت في جانبها الأكبر بتاريخ حافل من المواجهات والتصادمات التاريخية والمعالجات الخاطئة، التي على رغم اعتراف أصحابها بزللها وبهُجْنَاتها، وعلى رغم انفتاح الكثير من الآفاق نحو الوفاق، فإن الشك والاحتراس من الآخر لايزالان سيدي الموقف!

وعما يرتبط بحوادث الشغب الحالية وسابقتها، التي ينبغي إدانتها أيّا كان فاعلها، فإنها مازالت تفتح المنافذ الواسعة أمام فرص النقاش والبحث عن جدوى الاكتفاء بالحل الأمني الروتيني لذلك، وما أفضى إليه من نتائج اللهم سوى إشباع رغبات المشاغبين المراهقين في لعب دور «البطولة» و «الضحية»، وزيادة توتير الأجواء لتأخذ مناحي شتى يتم تأويلها طائفيا بعيدا عن فقريتها السياسية.

أرى أن علاج الأمر ينبغي أن يكون في جانب الدولة بكاملها، ولا يقتصر على اختبار جدوى المعالجات الأمنية فقط، وهو يقتضي ضرورة تسريع التعامل الصريح والواضح بشكل نهائي وحاسم مع الكثير من القضايا والملفات الخطيرة والعالقة على رغم استمراريتها في إثارة الجدل والتأزيم الوطنيين لصالح إثارة احتقانات ونُعرات طائفية لا تسر إلا عدوا، والتي نرى أنها لعِبت دورا كبيرا في التصعيدات الأخيرة على نطاق التصريحات المنشورة على الإنترنت وعبر الأثير، حتى من خلال أعمال الشغب التي عطلت مصالح الناس وعرقلت خطوط السير والانتظام في الدولة.

كما أنها ساهمت في زعزعة الثقة بين أكثر من جانب، وذلك بدلا من اتباع سياسات «التطنيش» و «الحقران» والتجاهل التي لا تجدي نفعا على المدى البعيد ولا تقطع الطريق أمام السيولة الإلكترونية، بل إنها تأتي بعقابيل ونتائج أكثر سلبية وخطورة مستقبلا!

وهو ما يتطلب نقدا ذاتيا لمسارات المشروع الإصلاحي والمصالحة الوطنية وحسم الأمر مع الأطراف التي تعمل على استغلال مواقعها السياسية والدينية والرمزية المتنفذة في إحداث تلك التوترات والأزمات الطائفية، حتى المرتبطة بالتقسيم الإثني، والعمل على تجاوز المرحلة الراهنة برسم أفق تطورية لهذا المشروع تعمل على تجسير الفجوات وصهر الهويات المتنوعة ضمن قالب وطني، بدلا من أن تعمل الدولة على استيراد الأزمات وتوطينها؛ ما يؤثر على علاقاتها حتى مع أقرب دول الجوار، فتكون بذلك مكبا يشيع روائح الخطر والاحتراب والاضطراب - لا قدر الله - وتهدم جميع الجهود المبذولة لتأسيس نماذج شراكة واندماج فاعلة مستقبلا بعدما كانت هذه الجزيرة الوادعة مضربَ المثل في التعايش السلمي الوطني على رغم التنوع والاختلاف الثري!

أما فيما يتعلق بالجانب الآخر من المشهد، الذي يتصل بمفتعلي حوادث الشغب المُدانة وجانب من المحرضين السياسيين الذين يشكلون جانبا من قوى المعارضة فهو يفترض منهم إعادة التخلي عن رؤاهم الفوضوية التي تتعامل مع الآخر بمنطق التخوين وتنتهج أساليبَ السب والشتيمة والتنفيس عن الرغبات الانتقامية والأحقاد، التي سيتسبب التعبير العفوي عنها بزيادة الوضع تأزيما وزيادة العلاقة حرجا بين مطالب الحريات والأمن، فيخسر بذلك الجميع!

أن تعيش في دولة تضع نفسها في مرحلة صيرورة ديمقراطية على رغم تلكؤها إلا أنها لا تفترض أن يتم فيها النظر إلى الآخر على اعتبار أنه خطر داهم، وأن يتم النظر إلى رجال الأمن عبر مناظير الشيطنة والاستعداء على اعتبار أنهم تهديد واعد يحيق بمطالب الشعب، فنيل هامش من الحرية والانفتاح لا ينبغي أن يعني بالضرورة حرية كيل السب والشتيمة والاعتداء البدني على السلطة المعنية بضبط الأمن والاستقرار فهذا تصور قاصر، إذ إن ما قام به الفتية المشاغبون والمحرضون السياسيون كان من الممكن لو تحقق في سياق دولة ديمقراطية عريقة أن يتعامل معه بإجراءات عقابية أكثر صرامة!

هذا فيما يتصل بجانبي الدولة ومفتعلي حوادث الشغب، أما بخصوص الإثارة السمجة التي افتعلتها أخيرا أبواق صحافية عن بيان وزارة الداخلية بشأن العثور على زجاجات حارقة بإحدى مزارع بني جمرة، والتي تم تأديبها وتهذيبها لاحقا ببيان رشيد ومحترم من وزارة الداخلية عن الموضوع ذاته، فيما يتعلق بتصعيد بعض الصحف بشأنه، فهل يمكن تصنيف الإثارة والترويع والتهويل الذين قامت بهم تلك الأبواق الصحافية وشبكات الكوبونات والشيكات الفضائحية على أنه تهديد للاستقرار العام للدولة إذا ما انتفت ازدواجية المعايير والقيم والمناظير؟

إقرأ أيضا لـ "خالد المطوع"

العدد 1634 - الأحد 25 فبراير 2007م الموافق 07 صفر 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً