العدد 1661 - السبت 24 مارس 2007م الموافق 05 ربيع الاول 1428هـ

دكتوراه الأكواخ

قاسم حسين Kassim.Hussain [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

في مطلع عهد الرئيس السابق أنور السادات، حصلت طالبةٌ مصريةٌ متفوّقةٌ على بعثة للخارج، واحتفت بها الصحافة المصرية آنذاك لأن جيهان السادات قابلتها والتقطت معها بعض الصور، للإشادة بذلك القطاع من الطلاّب الجادين الذين همّهم كتبهم، ولا يعيرون بالا لشيء اسمه السياسة، فالرئيس المؤمن كان يكره أن يتدخل الطلاب وغير الطلاب في السياسة التي لا تعني أحدا غيره!

بعد سنواتٍ من الدراسة عادت إلى مصر، وكانت المفاجأة أنها قد اختارت أن تكون رسالة الدكتوراة عن فقراء مصر وبيوت الصفيح التي كانت تطوّق أحياء القاهرة مع نهاية السبعينات، وهي الفترة التي بشّر بها السادات لتكون عهد الرفاه والازدهار الاقتصادي الذي سيتوّج دولته «دولة العلم والإيمان».

كان الإعلام الرسمي آنذاك يتحدّث عن المنجزات العظيمة، بينما بدأت تتسرّب إلى الصحافة تحقيقات ميدانية عن أحياء الصفيح. وهي عبارة عن تجمعات عشوائية من الأكواخ والأكشاك الخشبية التي يقيمها المهاجرون الفقراء النازحون من الريف والمدن الصغيرة نحو العاصمة، حيث تتكدّس مئات الأسر التي تكسب قوت يومها بشق الأنفس.

في تلك الفترة، قرأت تحقيقا مصوّرا عن ما آلت إليه هذه الأكواخ، بعد أن امتدت إلى المقابر، إذ اضطرت مئات الأسر المطحونة إلى الإقامة فوق القبور ومزاحمة الأموات في مثاويهم الأخيرة، فأصبحت هناك طبقتان من الأموات: إحداهما ترقد تحت الأرض والأخرى تدبّ فوقها.

هذه المناطق العشوائية كانت تعاني من غياب المرافق العامة والخدمات الأساسية، ولم يكن هناك شيء اسمه التخطيط العمراني، وظلت هذه «القرحة» تزداد تقيّحا، ولم يكن هناك من يهتم بها من بيروقراطيي الحزب الديمقراطي الحاكم منذ ستة وثلاثين عاما. وبالمقابل كان بعض علماء الاجتماع المحترمين يحذّرون من خطورة استمرار هذه المشكلة، وانعكاساتها الاجتماعية المدمرة، فهي بيئةٌ مثاليةٌ لاحتضان الجريمة، من حيث إهمال المشكلات المتراكمة، وصعوبة الحياة وضيق سبل العيش بما يوحي بانسداد الأفق أمامها. فضلا عما يسّببه تكدس أعداد كبيرة من الناس في أكواخ صغيرة لا تدفع بردا ولا تحمي من حر.

بعض هذه الأحياء كانت تجاور بعض الأحياء الراقية، إذ يفتح المواطن المحروم عينيه على مناطق مرفّهة لا تعاني من نقصٍ بالماء ولا انقطاع بالكهرباء، ولا فيضان بالمجاري. وتبرز هذه المقارنات الصارخة على السطح وتنكأ الجراح، خصوصا عند حدوث كوارث أو أزمات أو حرائق، وآخرها الحريق الكبير الذي أتى على قلعة الكبش بحي السيدة وسط القاهرة. ففي يوم الأربعاء الماضي، أتت النيران على الأكواخ الخشبية والبيوت المتداعية، فأصيب العشرات وتشرّدت مئات الأسر المعدمة، ووجد أكثر من ألف مواطن مصري أنفسهم بلا مأوى، وبلا قوت، وبلا مصدر رزق.

بعض الفضائيات بثّت لقطات من موقع الكارثة، وأجرت مقابلات مع عدد من المنكوبين. بعضهم كان يغالب دموعه، فيما انخرط آخرون في البكاء بصورة هستيرية، وكان أكثرهم تأثيرا مواطنٌ كان يلطم وجهه بشدة، وقد خانته الكلمات عن التعبير عن مأسوية اللحظة غير أن يردّد: «أقول ايه»، «أعمل ايه»، ليعبّر عن فداحة الخسارة التي مُني بها، بعد أن خسر كل شيء... مع أن «كل شيء» هنا لا تزيد عن سقط متاع.

المصريون بطيبتهم ووداعتهم، أرجعوا الأمور إلى القضاء والقدر، بينما أرجعته المصادر الأمنية إلى انفجار اسطوانة غاز، مع ذلك اتهم بعضهم محافظ العاصمة تحديدا بالمسئولية عن تفاقم مأساتهم، بسبب التأخر في تنفيذ خطط نقلهم إلى مشروع سكني جديد أقيم تحت رعاية قرينة الرئيس.

إقرأ أيضا لـ "قاسم حسين"

العدد 1661 - السبت 24 مارس 2007م الموافق 05 ربيع الاول 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً