العدد 2265 - الإثنين 17 نوفمبر 2008م الموافق 18 ذي القعدة 1429هـ

العراق بعد «الاتفاق» وقبل الاحتلال

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

موافقة الحكومة العراقية على توقيع «الاتفاق الأمني» مع إدارة الاحتلال الأميركي تعتبر خطوة نوعية في إطار تنظيم العلاقة بين الطرفين. فالمسألة في النهاية لا تعني كثيرا الشعب العراقي الذي لم يؤخذ رأيه بالاتفاق كما لم يؤخذ برأيه بالاحتلال. «الاتفاق الأمني» الذي يرجح أن ترفع نصوصه الغامضة إلى مجلس النواب للمصادقة عليه يشكل صيغة تعاقد ثنائية تضمن مصالح الطرفين: الاحتلال والقوى المتعاملة معه.

العراق أصبح بعد أكثر من خمس سنوات على الاحتلال مجرد «دولة» مرسومة في الخريطة السياسية بينما في الواقع تحول إلى «عراقات» محاصرة بالميليشيات الطائفية والمذهبية و«كانتونات» يحكمها أمراء حرب و«أحياء» مشرذمة على مراكز قوى و«أقاليم» تطمح أن تتحول إلى «دويلات» تتمتع بصلاحيات محلية تعطيها قوة القانون لممارسة نفوذها في مناطق مستقلة وملونة بصبغة طائفة أو مذهب.

هذا الواقع الميداني لابد من أن يفرض شروطه على «الدولة» في حال قرر الاحتلال الانسحاب أو التموضع بعد ثلاث سنوات كما ينص الاتفاق، أو قرر الانسحاب في وقت مبكر أو متأخر. فالتوقيت ليس مهما الآن بعد أن نجح الاحتلال في إعادة تشكيل خريطة العراق وتوزيعها على الطوائف والمذاهب والأقوام والقبائل. «الدولة» المستبدة التي كانت موجودة في بلاد الرافدين تبخرت عمليا وأصبحت واقعيا خارج المعادلة. و«الدولة» البديلة التي كان يفترض نظريا أن تنهض في موقع السابقة لم تولد بعد ويرجح ألا تظهر إلى الساحة السياسية إلا في صورة مهشمة تشبه كثيرا تلك المرايا المحطمة على الأرض.

العراق أصبح الآن خارج المعادلة العربية ويحتاج إلى سنوات لإعادة هيكلة شخصيته الجديدة وطبيعة السلطة وهويتها وموقعها في إطارها الإقليمي ومحيطها الجغرافي. الشخصية العراقية المتوقع تبلورها في السنوات الثلاث المقبلة يحتمل أن تتضمن متغيرات تعاكس تلك الصورة التقليدية التي كانت متداولة أو متوارثة من تاريخ بلاد الرافدين. كذلك السلطة البديلة يرجح أن تتشكل من مراكز قوى تعتمد آليات تخضع لقوانين الطائفة والمذهب وهوية «الإقليم» أو أمير الحرب الذي يدير العلاقات وفق رؤية ضيقه تتحكم في قراراتها مصالح ممتدة إلى المحيط. وهوية العراق المتوقع نموها من تحت الرماد ستدخل عليها مجموعة تعديلات لا تنسجم كثيرا مع روحية الثقافة التي تأسس عليها المجتمع في تاريخه المعاصر. ودور العراق سيتعرض أيضا إلى تهذيب وتشذيب حتى يتناسب مع موقعه المشرذم إلى مراكز تتجاذب القوة وتتزاحم على السلطة وتتنافس على الغنيمة.

هناك متغيرات كثيرة طرأت على العراق منذ احتلاله وتقويض دولته المركزية وتفكيك علاقاته الأهلية وتشريح المجتمع إلى مواد أولية تتعايش سلبا في بوتقة جغرافية وتتساكن من دون إرادتها مع الاحتلال. ومثل هذا «العراق» المتغير في شخصيته وسلطته وهويته وموقعه ودوره لن يكون على صورة «الدولة» السابقة ومثالها، وإنما على هيئة مجتمع تمزق ونسيج أهلي تفرق و«أقاليم» منغلقة على نفسها وخائفة من بعضها.

عراق جديد

توقيع «الاتفاق الأمني» لا قيمة تاريخية له في حال واصل العراق تحطيم ذاته وتعطيل إمكانات التواصل بين أطيافه. فالتوقيع مجرد خطوة سياسية نوعية تضبط إيقاع العلاقة التعاقدية الثنائية بين المحتل والمتعامل معه. والاتفاق بهذا المعنى يضمن مصالح الاحتلال ويرسم خريطة طريق توضح حقوق القوى التي استفادت من الاستراتيجية الأميركية ومشروعها التقويضي في بلاد الرافدين والمنطقة العربية - الإسلامية.

الاحتلال من جانبه بحاجة إلى توقيع القوى المتعاملة والمستفيدة منه حتى يبرر قانونيا حربه العدوانية ويعطيها تلك الشرعية المطلوبة لترويج السياسة الأميركية دوليا. كذلك القوى المتعاملة والمستفيدة تحتاج إلى الاحتلال لتغطية دورها المحلي الذي يقتصر على لعب وظيفة الوكيل الإقليمي لمشروع كبير حاول التمدد إلى الجوار وفشل.

الطرفان يغذيان بعضهما إذ من دون احتلال لما كانت هذه الحكومة موجودة ومن دون قوى متعاملة لما كان الاحتلال حصل على توقيع يشرّعن أفعاله. وبسبب الحاجة المتبادلة بين الطرفين يصبح العراق قوة ثالثة خارج المعادلة لكونه الطرف المتضرر من كل ما حصل من تحولات ومتغيرات. والقوة الثالثة لم تعد بعد خمس سنوات من التحطيم والتقويض موحدة ويرجح ألا تتجمع ثانية بعد أن انكفأت القوى الأهلية إلى ملاذات آمنة متجانسة طائفيا ومذهبيا وبات من الصعب تصور عودتها إلى المكان السابق الذي كانت فيه.

العراق بعد الاحتلال والتقويض والتوقيع أعيد تشكيله وتوزيعه على «عراقات» تفتقد إلى الدولة المركزية ومحكومة من سلطة مؤقتة تستمد قوتها من «الخارج» ولا تستطيع التحرك من دون موافقته القانونية والميدانية. ويعني هذا الأمر أن الواقع الذي يتشكل منه العراق سيفرض شروطه على السلطة المقبلة وهيئة «الدولة» البديلة. والشروط المحتمل أن تصعد إلى الأعلى لا يمكن عزل مكوناتها الأهلية عن الأدنى. والأدنى كما هو ظاهر في الصورة المحطمة تتحكم به مجموعة آليات لا تخرج عن دائرة الطائفة ومصلحة المذهب أو العشيرة أو القوم.

العراق «الجديد» مجموعة أقاليم تتعايش أهليا في بوتقة جغرافية وتتساكن سياسيا مع المحيط الإقليمي ودول الجوار. فالصلاحيات التي أعطاها دستور الاحتلال للأقاليم أضعفت احتمال نهوض دولة مركزية (مشتركة) وعززت السلطات التقريرية للحكومات المحلية (إدارة الحكم الذاتي) وساهمت في تشكيل مراكز قوى تتمتع بعلاقات خاصة خارج الحدود ما يعطل فعليا إعادة بناء مؤسسات مستقلة وموحدة المصالح والمصير.

هذه التشكيلة الملونة من «العراقات» تخدم في النهاية الاحتلال وتعطيه تلك الذرائع التي يحتاج إليها لتمديد فترته في الوقت الذي يراه مناسبا. وفي حال لم يتوفق الاحتلال في الحصول على هذه الامتيازات فإنه يستطيع اللجوء إلى «الأقاليم» لأخذ موافقتها على البقاء تحت أغطية آيديولوجية تتسمى بحسب الظروف والمتطلبات.

توقيع الحكومة على «الاتفاق الأمني» يعتبر مخالفة للقوانين الدولية ومعاهدة جنيف وميثاق الأمم المتحدة. فالموافقة لم تحصل بين دولة مستقلة وقوة كبرى تريد تشريع وجودها العسكري وإنما بين دولة محتلة تعرضت للاجتياح والتقويض وقوى مستفيدة تعاملت مع الاحتلال لتنظيم الغزو وتعاونت معه لتشكيل سلطة لا قيمة قانونية لتوقيعاتها. الموافقة على الاتفاق لا تقدم ولا تؤخر العملية التاريخية لكون التوقيع يفتقد إلى الشرعية الدولية والعربية والإقليمية والوطنية. الاتفاق في النهاية مجرد نصوص غامضة لا يعني الشعب العراقي كثيرا وإنما يستهدف تأمين حماية وتلبية حاجة متبادلة أخذت تضغط على الطرفين لتنظيمها ضمن إطار قانوني يعتمد صيغة تعاقدية ثنائية تبرر الوجود الأميركي في بلاد الرافدين منذ العام 2003 إلى العام 2011 وما بعده

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 2265 - الإثنين 17 نوفمبر 2008م الموافق 18 ذي القعدة 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً