العدد 1802 - الأحد 12 أغسطس 2007م الموافق 28 رجب 1428هـ

لبنان: درس في إدارة النزاع؟

Common Ground comments [at] alwasatnews.com

خدمة Common Ground الإخبارية

ما يدعو إلى الدهشة أن النظام السياسي اللبناني تمكن من البقاء في دولة يبلغ عدد سكانها أربعة ملايين نسمة، منقسمين على ثماني عشرة طائفة مختلفة. ويتجه هذا المجتمع المشاكس والمثقل بالأعباء نحو ما يَعِد بأن يكون عملية هائجة مضطربة للانتخابات الرئاسية. إلا أنه يتوجب فهم صراعات لبنان على أنها أكثر من مجرد حرب مواقع بين عصابات متصارعة أو حرب بالإنابة بين واشنطن وطهران. الأصح أن مشكلات لبنان واحتمالاتها تمثل عالما مصغرا متبلورا لمجال واسع من التوترات والقضايا التي تواجه الشرق الأوسط والغرب.

السمة الأكثر أهمية للمجال السياسي اللبناني ونقطة ضعفه الأكثر خطرا هي النقص الواضح في السلطة المركزية القادرة على تطبيق حكم القانون. فبغياب الضمادة السورية التي ملأت هذا الفراغ، يتساءل كثيرون ما إذا كان التعافي الشهير من الحرب اللبنانية ليس أكثر من مجرد وضع انتقالي.

إلا أنه يتوجب أن تشكل حقيقة أنه لم يكن هناك انفجار للعنف الداخلي بين الفصائل السياسية والطائفية في الدولة، على رغم تصاعد التوتر بعد اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري الذي لم يجر حله بعد والعدوان الإسرائيلي الصيف الماضي، شهادة على أن المجتمع اللبناني مستعد لمواجهة تحديات سياسية غير اعتيادية من دون الاستسلام لإغراءات العنف. ويمكن النقاش بأن هذا البعد للتجربة اللبنانية هو الذي أوجد بيئة فريدة من نوعها للبراغماتية التي يحسن الآخرون صنعا إذا انتبهوا لها.

على سبيل المثال، رحب الكثير من الجهابذة المتسرعين باشتعال العنف هذا الصيف في مخيم نهر البارد للاجئين على أنه مؤشر لتوجه الدولة نحو حرب أهلية أخرى. إلا أنه بالنسبة إلى من هم على معرفة أفضل بالوضع، كانت حادثة طرابلس حالة أرضية مشتركة بين حكومة السنيورة وحركة المعارضة بقيادة حزب الله.

بدلا من أن يميل حزب الله باتجاه أجندة إسلامية من خلال دعمه مقاتلي المخيم، قام وبحزم بإدانة فتح الإسلام ودعم جهود الحكومة اللبنانية لفرض سيطرتها على أنها الكينونة الشرطية الشرعية الوحيدة في البلاد.

إضافة إلى ذلك، وإذا أخذنا بالاعتبار توجه حزب الله البراغماتي نحو الأمور، فإن قلة في لبنان هم من يخافون أن يحاول الحزب تطبيق دولة إسلامية في لبنان. وقد يكون الأمر أن مناورات حزب الله منذ السنة الماضية هي مجرد جزء من خطة سياسية ذكية في وقت تبقى فيه شعبيته مرتفعة ولكن دوره في الحكومة غير واضح أو معروف.

إلا أن انتقادات كهذه تتجاهل الحقيقة الأهم بأن نقطة ضعف لبنان هي بالضبط ما يشجع هذا النظام الفريد من السياسة الحكيمة وضبط النفس التي يمكن أن تشكل نموذجا لإدارة النزاعات في بقية الشرق الأوسط. مثل هذه الحكمة وضبط النفس، إذا أُحسن استغلالها، يمكنها أن تعطي ثمارا ضخمة على المدى البعيد.

ومثال على ذلك أنه منذ الهجوم الإسرائيلي على لبنان العام الماضي، تمت إزالة الأنقاض في الضاحية (الحي الشيعي في بيروت) وبدت المباني التي جرى قصفها وكأنها مواقع بناء وتشييد. إلا أن حزب الله لم يُعِد بناء الكثير من هذه المساكن، ليس لأنه لا يستطيع ذلك وإنما لأن الحكومة المركزية لم تُصدِر تصاريح بناء تسمح له عمل ذلك.

ما يلفت النظر أن حزب الله يعترف فعليا بسلطة الدولة في هذا المضمار. من السهل بناء العشرات من المباني السكنية بتمويل إيراني خلال سنة واحدة وتخطي الحكومة المركزية اللبنانية. فقيادة حزب الله، بغض النظر عما يقوله البعض عن عقيدتها، تستسلم للمبادئ الديمقراطية الأساسية كحل وسط مقابل استخدام العنف والقوة.

ويمكن مشاهدة هذا النوع من السياسة الحكيمة كذلك على جانب حكومة السنيورة.

أصبح معسكر الاحتجاج المعارِض، الذي بدأ في يناير/ كانون الثاني وأدى إلى خنق المكاتب البرلمانية، شبحا ظاهريا لمدينة ولم يبق سوى بضع عشرات من الأفراد يراقبون الساحة في أي وقت من الأوقات. كان يبدو من السهولة بمكان أن تقوم حكومة السنيورة بإصدار أوامرها لعدد قليل من الجرافات لتدمير الخيم الفارغة في وسط مركز مدينة بيروت واعتقال العدد القليل من حراس حزب الله أثناء تأديتهم الوظيفة. إلا أن سيناريو كهذا من غير المحتمل أن يقع لأنه يضمن تصعيدا مستقبليا ويؤدي بالمجتمع إلى عنف مميت.

البقاء على حافة الفوضى يغير الكثير من المعادلات السياسية.وفي فلسطين المجاورة يتمنى المرء لو أن حماس وفتح تعلمتا نقطة مركزية في إدارة النزاعات من التجربة اللبنانية. مجرد أن كسبا على المدى القصير هو أمر ممكن فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن المرء يجب أن يستغله.

من سخريات القدر أن لبنان، تلك الدولة التي مزقتها الحرب الأهلية والتدخل الخارجي والغزو الأجنبي، والتي تحتضن مجموعة هي على رأس قائمة الإرهابيين في أميركا، تشكل مِثالا للديمقراطية في العالم العربي، بينما مصر، التي تأتي ثانية فقط بعد «إسرائيل» في حجم المساعدات الخارجية الأميركية، والتي تضم معارضتها بالدرجة الأولى جماعة الإخوان المسلمين البراغماتية، تلجأ إلى خراطيم المياه والتعديلات الدستورية كوسيلة للتعامل مع التظاهرات الحرة وأحزاب المعارضة.

في هذه الأثناء يبقى حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، الذين سيستلمون حزمة من المعونة العسكرية تبلغ 20 مليار دولار أنظمة ملكية. ستشكل الشهور المقبلة من دون شك تجربة صعبة للمجتمع اللبناني. ولكن إذا أخذنا تاريخ الدولة عبر السنوات القليلة الماضية في وجه احتمالات هائلة فيجب على المرء ألا يتوقع أن يتراجع الزعماء اللبنانيون ويستسلموا أمام التحدي. مرت الانتخابات الفرعية التي أجريت في الخامس من أغسطس/ آب الماضي، والتي احتوت على حجم هائل من التوتر، مرت بسلاسة أكثر من المتوقع ولم تشهد أي عنف، وهو مؤشر آخر على أن الأمور لا تسير نحو التداعي في نهاية المطاف في لبنان. بدلا من ذلك، قد يتعلم المراقبون شيئا ما عن إدارة النزاعات على الطريقة الديمقراطية غير العنفية.

* طالب دكتوراه في تاريخ الديانات بجامعة إمري في أطلانتا بولاية جورجيا إذ يدرس التاريخ السياسي الإسلامي المبكر وتشكُّل الطائفية الإسلامية، والمقال ينشر بالتعاون مع «كومن غراوند»

إقرأ أيضا لـ "Common Ground"

العدد 1802 - الأحد 12 أغسطس 2007م الموافق 28 رجب 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً