العدد 1842 - الجمعة 21 سبتمبر 2007م الموافق 09 رمضان 1428هـ

أسواق العمل الجامدة

مصباح الحرية comments [at] alwasatnews.com

مشروع مصباح الحرية

توفي رجل يوغسلافيا القوي جوزيف بروس تيتو يوم 4 مايو/ أيار 1980 وحضر جنازته الكثير من السياسيين ووفود الدول أكثر من أي رجل آخر في التاريخ. على رغم أن المارشال تيتو قد توفي إلا أن أفكاره لاتزال حية وجيدة!

قام تيتو بخطوته بالانفصال عن ستالين في العام 1948 وكانت ردة فعل موسكو سريعة إذ دمغت شيوعية تيتو بأنها «حركة تصحيحية». أما السمة المميزة لسياسة تيتو الخارجية فكانت حركة عدم الانحياز والتي اعتبرت الرئيس اليوغسلافي تيتو (إلى جانب الرئيس المصري جمال عبدالناصر والرئيس الهندي نهرو) عضوا مؤسسا.

في يوغسلافيا عرض الشكل الفريد لـ «اشتراكية السوق» اللامركزية فكرة الشركات التي يديرها العمال. وهذه الفكرة جذبت الانتباه وكذلك الكثير من أتباع المعسكر حول العالم. إلا أن هذا النظام في يوغسلافيا فشل في توفير الوظائف لكل اليوغسلافيين، لأن مديري العمال الاشتراكيين اعتقدوا أن الإضافات الجديدة للقوى العاملة هم «صيادو أرباح» وسيشاركونهم في حصتهم من كعكة الأرباح. ونتيجة لذلك واجهت يوغسلافيا مشكلة العمالة الزائدة المزمنة. لحل المشكلة وللتعتيم على الأخطاء في نظام إدارة العمال، جاء تيتو باستراتيجية اقتصادية بسيطة ولكن إبداعية. فقد فتح حدود يوغسلافيا - بحسب المعايير الشيوعية على الأقل - وصدر العمالة الزائدة.

في مطلع السبعينيات، كان أكثر من مليون يوغسلافي، نحو 11في المئة من القوى العاملة، يعملون في دول غرب أوروبا. وبلغت تحويلات أولئك اليوغسلافيين بالعملات الصعبة (المارك الألماني بالدرجة الأولى) نحو 30 في المئة من صادرات يوغسلافيا. «مكنسة تيتو» عملت كالسحر!

إندونيسيا مثل يوغسلافيا تصدر العمالة الزائدة. القوانين التي تحكم التوظيف في الشركات وممارسات الفصل من العمل خلقت سوق عمل غير فاعل. فقد حصل سوق العمل في إندونيسيا على المرتبة 140 من 175 في تقرير البنك الدولي «بدء الأعمال لعام 2007» (مرتبة واحدة فوق إيران).

من الصعب على الشركات الإندونيسية توظيف عمال جدد كما أنه من المكلف فصلهم من العمل. تقدر القوى العاملة في سوق العمل نحو 70 في المئة وتعمل في قطاع اقتصادي غير إنتاجي، و11في المئة من القوى العاملة عاطلة عن العمل، ونحو 3 ملايين إندونيسي يعملون في الخارج بصفة شرعية، ونحو مليون شخص آخرين على الأقل يعملون بصفة غير شرعية، وبلغت تحويلاتهم المالية إلى إندونيسيا في العام الماضي نحو 3.5 ملايين دولار على الأقل.

وكما استخدمت إندونيسيا «مكنسة تيتو» في تصدير عمالتها الفائضة إلى الخارج، استخدمت أيضا دولا أخرى مثل سنغافورة وأستراليا وماليزيا كـ «حاوية القمامة»، إذ يوجد أكثر من نصف مليون من العمال الإندونيسيين العاملين يعملون بعقود في ماليزيا، والجالية الإندونيسية المهاجرة في أستراليا تنمو بنسبة 10في المئة سنويا منذ العام 2001 .

السبب؟ جاءت إندونيسيا في مرتبة متدنية (61) في تقرير البنك الدولي لعام 2007 بالنسبة إلى مؤشر صعوبة التوظيف، وهو مكون لمؤشرات سوق العمل والذي يقيس القيود التي يواجهها أصحاب العمل عند توظيف العمال. الدول المجاورة وهي سنغافورة وأستراليا وإندونيسيا لم تواجه أيا من هذه القيود، ولذلك سجلت كل منها علامة صفر في مؤشر صعوبة التوظيف.

تقرير البنك الدولي لعام 2007 يذكر رواية مماثلة عن المقاييس الآتية: جمود الساعات وصعوبة الفصل من العمل وكلفته. قوانين العمل الإندونيسية تفرض قيودا ونفقات وإجراءات على الشركات أكثر مما تفرضه الدول المجاورة. في الواقع أية شركة إندونيسية تطلب موافقة طرف ثالث قبل أن تقوم بفصل العمال الفائضين عن الحاجة، وكل عملية فصل تكلف ما نسبته 108 أسابيع من راتب العامل (مقارنة بتكلفة صفر في الولايات المتحدة). سوق العمل الإندونيسية غير مرنة وغير قادرة على الاستجابة للضغوط التنافسية وخلق عدد كاف من فرص العمل.

إن عجز سوق العمل يشرح جزئيا الأداء العام لاقتصاد إندونيسيا الضعيف منذ انهيار الروبية العام 1997. لقد زاد الناتج المحلي الإجمالي للفرد في إندونيسيا بمعدل ضعيف بلغ 1.18في المئة، واستغرق سبع سنوات لكي يعود إلى مستويات ما قبل الأزمة. ليس بمستغرب أن تقوم إندونيسيا برمي عمالتها في دول تشهد أداء جيدا في أسواق العمل واقتصادات تنمو بشكل سريع. لقد آن الأوان لإصلاح أسواق العمل في إندونيسيا لكي يتم إعادة «مكنسة تيتو» إلى الخزانة.

* أستاذ علم الاقتصاد التطبيقي في جامعة جونز هوبكنز، وهو زميل أقدم في معهد كيتو في واشنطن العاصمة، المقال ينشر بالتعاون مع «مصباح الحرية»

www.misbahalhurriyya.org

إقرأ أيضا لـ "مصباح الحرية"

العدد 1842 - الجمعة 21 سبتمبر 2007م الموافق 09 رمضان 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً