العدد 1949 - الأحد 06 يناير 2008م الموافق 27 ذي الحجة 1428هـ

القطار اللبناني على سكة الحل العربي

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

الإجماع العربي بشأن أزمة الرئاسة في لبنان يشكّل خطوة إيجابية متقدّمة باتجاه التوافق على حل متوازن لمسألة «الفراغ الدستوري»، والصيغة الثلاثية التي أقرّها مجلس وزراء الخارجية العرب الذي أنهى أمس أعماله في القاهرة توفر ذاك الإطارالعام الذي يمكن أنْ يدفع احتمال الانفجارالأهلي إلى الوراء ويمهد الطريق إلى تسوية عاقلة تنقذ الأطياف اللبنانية من انهيار شامل. فالصيغة واقعية في تسلسل حلقاتها فهي تبدأ بالذهاب إلى المجلس النيابي وتعديل الدستور وانتخاب قائد الجيش رئيسا للجمهورية، ثم تنتقل إلى تشكيل حكومة وطنية لا تمارس الأكثرية فيها دورالأكثرية ولا تمارس الأقلية دورالأقلية ويعطى الرئيس المنتخب موقع الثلث المرجح أو القوة الترجيحية بين الأكثرية والأقلية، وأخيرا يبدأ البحث في تعديل قانون الانتخابات النيابية استجابة لطلبات ورغبات الفعاليات السياسية في البلاد.

هذه الصيغة الثلاثية الخطوات تعتبرالمدخل الإطاري لحل أزمة الرئاسة، ولكنها تحتاج فعلا إلى آليات عملية للتنفيذ. فالإطارصحيح وسيبقى مجرد اقتراحات إذا لم توضع له تلك الآلية التنظيمية التي تتكفل بنقله من المستوى النظري إلى العملي. والآلية ليست صعبة إذا تعاملت القوى الفاعلة على الأرض مع الإطار العام بواقعية وقامت بتسهيل تمريره وإزالة الحواجزالسياسية التي تعترضه.

الإطارهوالاختبارالأوّل للنيات. والآلية تشكل الاختبارالثاني لمدى جدية القوى السياسية ورغبتها في تذليل العقبات التي تعطل الحياة العامّة للناس. الإطارتم حسمه في القاهرة بعد توافق وزراء الخارجية عليه. تبقى الآلية وهذا ما يجب حسمه في بيروت بتوافق الكتل النيابية على الذهاب إلى البرلمان في الموعد المقرر في 12 يناير/ كانون الثاني الجاري. فإذا توجّه النواب إلى المجلس وانتخبوا الرئيس في 12 يناير تكون الأزمة اللبنانية قد وضعت فعلا على سكة الحل السياسي العربي الطويل والمتعدد المحطات. أمّا إذا أحجم النواب وترددوا وتذرعوا وعطلوا الجلسة فمعنى ذلك أنّ حل الأزمة في شكلها الدستوري يحتاج إلى وقت. وتطويل حل الأزمة مسألة سيئة في كل المعايير؛لأنّ التأجيل يعني المزيد من التمديد للفراغ بانتظارإشارات خارجية دولية أو إقليمية.

انتخاب الرئيس في 12 ينايرالجاري يشكّل الدليل القاطع على أنّ الأطياف اللبنانية قررت ركوب قطارالحل والذهاب نحو مسارواحد يتوقف على محطات زمنية. أمّا إذا جرى تعطيل الجلسة وتأجيل الأزمة مدة عشرة أيام أو أكثر أو أقل فمعنى ذلك أنّ عملية التمديد ستكون هي واسطة لشراء الوقت بذريعة الانتظارلما ستسفرعنه جولة الرئيس الأميركي جورج بوش التي ستبدأ في 8 يناير.

التأجيل بعد الاجماع العربي يعني تجاوزسقف الحل والذهاب بالأزمة إلى مجهول سياسي قد يؤدّي إلى تفجير العلاقات الأهلية والدفع بها نحو خيارات ليست بعيدة عن «النموذج» الأميركي في العراق.

وأمرالتأجيل في حال حصل للمرة الثانية عشرة سيكون تأثيره السلبي أقوى بكثير من كلّ الفترات السابقة؛ لأنّه يأتي بعد الإجماع العربي. وإذا خرق الإجماع العربي وتعطلت آلياته وفشل في تحقيق الاختراق المطلوب ستذهب الأزمة بعيدا؛ لأنها ستعطي فرصة للتدويل.

التعريب يشكل الملاذ الآمن لمنع التدويل أوعلى الأقل يحد من نسبة تدخله بقوّة في الأزمة اللبنانية. وفشل الإجماع العربي في تأمين الحماية لانتخاب رئيس لبناني سيفتح الطرقات لمجموعة عناصرإقليمية وتقاطعات جوارية لقلب قواعد اللعبة المحلية وبعثرة أوراقها وتعريضها لعواصف رملية وثلجية لا وظيفة لها سوى تمزيق البلد واقعيا وتفكيكه إلى «إمارات» طوائف ومذاهب.

امتحان 12 يناير

12 يناير هوالامتحان. وإذا نجح الفرقاء في تأمين النصاب القانوني لجلسة الانتخاب سيكون لبنان فعلا اتجّه معنويا نحو وضع حجرالأساس لإعادة بناء الثقة بين القوى المحلية وخطا الخطوة المطلوبة رسميا؛ لترميم المشروع العربي الذي تلقى ضربات موجعة خلال العدوان الأميركي - الإسرائيلي في صيف 2006.

أما إذا عادت المناورات الصغيرة؛ لتلعب دورها في تعطيل الاستحقاق الدستوري وأخذت تدفع الأزمة إلى تأجيل آخر فمعنى ذلك أنّ الإجماع العربي سيُعاد تشكيله في إطار تجاذبات إقليمية لن تؤدّي إلى تسوية محلية بل إلى جرجرة بلاد الأرز إلى حال من الفوضى الأمنية.

شراء الوقت إلى ما لا نهاية بذريعة انتظارالمستجدات التي ستحصل على مستوى الملفات الساخنة في الأقاليم المجاورة والبعيدة سيكون هذه المرة ثمنه غاليا وسيعطي دفعة للقوى الدولية بإعادة التدخل مباشرة لترسيم حدود «الإمارات» في بلاد الأرز.

الرّهان على عامل الوقت قد يأخذ فترة طويلة قد تمتدّ إلى الربيع وما بعد الربيع. ولكن البلد في حاله الراهنة بات في وضع متهالك لا يستطيع الاستمرار في لعبة الانتظار حتى تستكمل المنطقة شروطها الموضوعية للتفاهم على حلول غير واضحة في أهدافها وغاياتها. وإذا كان عامل الوقت يساعد على قراءة خفايا الصورة إلاّ إن زوايا الأزمة اللبنانية قد تتعرّض إلى خلخلة تمنع الأطياف المحلية من العودة مجددا إلى التحصن في صيغة توافقية تحت سقف الإجماع العربي. وهذا ما يجب على القوى الإقليمية إدراكه، إلاّ إذا كان في الأفق البعيد تصورات غير ظاهرة على المشهد اللبناني.

«إلا إذا كان» يعني وجود تقاطعات إقليمية قررت زعزعة الكيان واستقطاعه مناطق نفوذ تشكّل جائزة ترضية (رشوة سياسية) لإسكات طموحات أوتعزيز بدائل لن تكون في النهاية لمصلحة قيام دولة أو حماية مقاومة.

هذا الاحتمال وارد حصوله إذا تراجعت القوى المحلية والجوارية عن صيغة الإجماع العربي الثلاثية التي توافقت عليها الدول العربية أمس في القاهرة. فالصيغة الإجماعية فتحت ثغرة في جدارالأزمة. وانتخاب الرئيس لا يعني أنّ كل الطرق باتت مفتوحة ولكن الأمريشكّل خطوة إيجابية لوضع القطاراللبناني على سكة الحل العربي. السكة طويلة وسيتوقف القطارمرارا في محطات. والتوقف في المحطات يبقى في النهاية أفضل بكثيرمن خروج القطارعن السكة وانزلاقه إلى منحدرمخيف وعميق.

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 1949 - الأحد 06 يناير 2008م الموافق 27 ذي الحجة 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً