ثورة الإمام الحسين (ع) الإصلاحية ودورها في تعزيز الوحدة الوطنية

منصور محمد سرحان

تعد ثورة الإمام الحسين (ع) من بين أشهر الثورات الإصلاحية التي حدثت في تاريخ الإنسانية. فثورته لم تكن لجمع المال والبحث عن الجاه، والتطلع إلى الحكم والتسلط على رقاب الناس، بل كانت لضمان مبدأ حرية الإنسان وكرامته، ومنحه حق الكلمة ليطالب بحقوقه ويعيش حياة كريمة بعيدة كل البعد عن الذل والهوان.

تجسيدا لتلك الأهداف السامية التي كان يتطلع إليها الإمام الحسين (ع) في ظل دولة الجور والإرهاب وانتهاك الحقوق وضرب القيم الإسلامية عرض الحائط انتفض الإمام الحسين (ع)؛ لحماية القيم الإسلامية السمحاء التي نشرها جده المصطفى (ص). فالمحافظة على القيم الإسلامية وحماية الدين الإسلامي من الذين يتربصون به، ووضع حد للظلم والجور والفساد، دفعا الإمام الحسين (ع) إلى القيام بثورته المباركة؛ دفاعا عن بيضة الإسلام. وقدم حياته ثمنا لبقاء الإسلام على نقائه وحفظ قيمه.

المتبحر في ثورة الإمام الحسين (ع) يجدها ثورة إصلاحية بمعناها الواسع. فقد ناشد القوم بقوله: «لم أخرج أشرا ولا بطرا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي. أريد أن أمر بالمعروف وأنهى عن المنكر... فمن قبلني بقبول الحق فالله أوْلى بالحق. ومن رد عليّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين».

لقد قطع الإمام الحسين (ع) الشك باليقين عندما حدد هدف ثورته بكلمة «الإصلاح». فالإصلاح يعني أن تعيش الأمة معززة مكرمة، ينتشر بينها العدل، وتسودها روح المساواة، وتعلو فيها كلمة الحق؛ ضمانا للمحافظة على حرية الإنسان وصون حقوقه المشروعة.

إن ثورة الإمام الحسين بن علي (ع) كانت ثورة شجاعة ضد مظاهر التسلط والاستبداد، وكان لها صداها المؤثر منذ استشهاده (ع) في سنة 61 هـ حتى يومنا هذا.

وقد تأثر الكثير من القادة والمفكرين والحكماء والأدباء والشعراء والكتّاب والباحثين بهذه الثورة العظيمة التي وصل صداها إلى جميع أنحاء المعمورة. فراحت أقلامهم تسطّر ملحمة كربلاء الخالدة. وصدرت بذلك الكتب والموسوعات والدواوين المعبّرة عن أول ثورة في هذا الكون انتصر الدم فيها على السيف.

وقد عبّر الكاتب الأديب أنطوان بارا في كتابه «الحسين في الفكر المسيحي» عن ثورة الإمام الحسين (ع) أصدق تعبير قائلا: «الثورة التي فجرها الحسين بن علي، عليه وعلى أبيه أفضل السلام، في أعماق الصدور المؤمنة والضمائر الحرة، هي حكاية الحرية الموءودة بسكين الظلم في كل زمان ومكان وجد بهما حاكم ظالم غشوم، لا يقيم وزنا لحرية إنسان، ولا يصون عهدا لقضية بشرية، وهي قضية الأحرار تحت أي لواء انضووا، وخلف أية عقيدة ساروا».

إن من بين أبرز مظاهر ثورة الإمام الحسين (ع) تجسيدها روح الوحدة الإسلامية؛ نظرا إلى قدسية هذه الثورة والأهداف السامية التي تسعى إلى تحقيقها. فهذه الثورة الإصلاحية لم تكن ملكا لفئة دون أخرى، بل هي للإنسانية جمعاء.

وتعد مملكة البحرين مثالا حيا على الدور الفاعل الذي لعبته انتفاضة كربلاء في توحيد صفوف أبناء هذا الشعب الوفي بمختلف مذاهبه وأديانه. وقد ضربت المملكة المثال الرائع في تخليد ثورة الإمام الحسين (ع) وتمجيدها من قِبل الجميع سنة وشيعة.

وسخّرت حكومتنا الإعلام في خدمة واقعة الطف. وأخذت الأقلام النيّرة والخيّرة من جميع طوائف أبناء هذا البلد في نشر المقالات التي تتحدث عن قيم معركة كربلاء والأهداف السامية التي سعت إلى تحقيقها. كما انبرى خطباء المساجد والجوامع من دون استثناء للإشادة بذكر استشهاد الإمام الحسين (ع) وأنصاره في واقعة الطف.

ومن أجل إتاحة الفرصة لجميع أبناء البحرين لإفادة من مناسبة عاشوراء، وإقامة الشعائر الخاصة بها، فقد كانت حكومتنا سبّاقة بأن خصصت يومي التاسع والعاشر من محرم الحرام عطلة مجسدة بناء الوحدة الوطنية بإجلاء معانيها.

وكان دور شعراء البحرين وكتّابها على امتداد التاريخ الحديث فاعلا بالإشادة بثورة الإمام الحسين (ع)، مجسدين الوحدة الوطنية التي بناها الأجداد وسار على أثرها الآباء وترعاها الأجيال الحاضرة. فمنذ أكثر من سبعين عاما وتحديدا في 10 محرم من العام 1356هـ نظم أديب البحرين الكبير إبراهيم العريض قصيدة بعنوان «شهداء الطف» يقول فيها:

يا سيدَ البطحاء ما شأنها

حتى ثوى في الطف ريحانها

معتصما بالله في صفوة

قضى لها بالفوز إيمانها

هل عابها شيء سوى أنه

أسبقها للموت شبانها

وتنكص الريات إلا التي

تدرأ عنها البغي إيمانها

مؤثرا كأس الردى علقما

على الذي يمليه عيدانها

فيا لها في الملك من فتنةٍ

عمياء قد جاوز طغيانها

في أمة بدد من شملها

ما كان قد ألف قرآنها

حتى تجلى الحق في عرصة

قاحلة تؤويه أخذانها

هادئة بين يدي ربها

والخيل لا يهدأ عدوانها

ما أفجع التاريخ في صفحة

خط بذاك الدم عنوانها

***

وفي العام 1374هـ نظم الشاعر الكبير عبدالرحمن المعاودة قصيدة في ذكرى استشهاد الإمام الحسين (ع) يقول فيها:

ضربت للحق فينا أروع المثل

ولم تبالِ بما لاقيت يا بن علي

عليك منا سلامُ الله ما هتفت

ورقاء أو غرد الحادي على الابل

قد قمتَ في نصرة الإسلام متخذا

من هدي جدك طه أقوم السبل

فيا بن فاطمة الزهراء حسبُك من

مجدٍ بأنك من أبطالنا الأُوَل

***

ويقول في جانب آخر من القصيدة:

إن الإمام الحسين السبط وهو كما

في علمكم نسل خير الخلق والرسل

ضحّى وقاوم عدوان الطغاة ولم

يلحقه في الله من وهنٍ ومن كلل

حتى غدا عَلَما في كل مكرمة

وكان في زمرة الأبرار في الأُوَل

***

وفي وقتنا المعاصر كتب الشيخ خليفة بن حمد آل خليفة مقالا رائعا عنوانه «رسالة إلى أبي الشهداء الحسين بن علي عليه السلام» تم نشرها في محرم الحرام سنة 1425هـ نقتبس منها الفِقرة الآتية:

«سيدي أبا الشهداء

تسامت مناقبك إلى مداها الأعلى في كربلاء. فخلائقك الشريفة كانت في سباق بينها أيّها يظفر بفخار اليوم فهل كنت في شجاعتك أشجع أم في صبرك أصبر أم في كرمك أكرم؟ لكنه كان يوم الشجاعة وكانت الشجاعة فضيلة الفضائل التي تمدها روافد كل خلق وكل منقبة فيك.

لقد كنت يا أبا الشهداء في شجاعتك الروحية والبدنية معا في غاية الغايات وكنت مضرب المثل بين الرعيل الأول من أشجع الشجعان وكنت باستشهادك أبا للشهداء وينبوع شهادة متعاقبة لا يُقْرَن بها ينبوع في تاريخ البشر جميعا».

وهكذا يبرهن ما سطره أبناء البحرين بأقلامهم عن معركة العزة والكرامة معركة كربلاء الفداء على أصالة هذا الشعب الذي عُرِف دائما بوحدته وترابط نسيجه الوطني.

العدد 1959 - الخميس 17 يناير 2008م الموافق 08 محرم 1429هـ

التعليقات (33)
التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أنت تعلق الآن كزائر .. يمكنك التعليق بـ3000 حرف عندالتسجيل من هنا

اقرأ ايضاً

شاركونا رأيكم