العدد 1971 - الإثنين 28 يناير 2008م الموافق 19 محرم 1429هـ

فتاوى على الإيقاع والضوابط والمصالح

هناك من اعتبر «فتوى» أحد رجال الدين المقربين من تيار «الإخوان»، بأن توزير امرأة هو ولاية عامة ثم تراجع عنها ووصفها بأنها ولاية خاصة في إشارة إلى منح الثقة أو حجبها عن وزيرة التربية نورية الصبيح بأنه نوع من «الليونة» بإيجاد تخريجات شرعية تتناسب ومصالح التيارات الإسلامية التي باتت أحد عناصر العملية السياسية في الكويت.. فهذه القوى يبدو أنها حسمت أمرها منذ زمن بدخولها «اللعبة الديمقراطية» وإن بقيت تحاول شرعنة عملها ومحاولة «أسلمة» القوانين والدساتير المعمول بها.

أحد الباحثين الفرنسيين والمتخصصين في دراسة الحركات الإسلامية الأصولية أسقط من حساباته مخاطر التعامل مع هذه الحركات التي استوعبت الدرس السياسي وباتت تجيد استغلاله والاستفادة منه على عكس ما هو شائع لدى غالبية الليبراليين العرب، فهي تحسن المساومة السياسية وترفع سقف مطالبها بناء على قراءات واستقصاءات أجهزة ومؤسسات تفرَّغت لهذا العمل وعندما تشعر بأن التفاوض صعب تلجأ إلى رافعة الدين وتستخرج فتوى تقوي من موقفها السياسي وتضفي عليه «مرجعية شرعية» تخاطب بها جمهورها الواسع وتتكئ عليها في الأوقات الحرجة.

وجماعات الإسلام السياسي هم في النهاية أبناء شرعيين لهذه المجتمعات وليسوا دخلاء عليها... هناك مصالح اقتصادية وتجارية يرتكزون عليها تستدعي توفير غطاء شرعي لها لإضفاء الطابع الإسلامي على أنشطتها وهو طابع يحاكي قاعدة واسعة من الجمهور الذي يشكل شرائح من مختلف الطبقات الاجتماعية، بل الأمر يتعدى ذلك التوصيف ويفترض خلق طبقة جديدة من أصحاب المال و «البيزنس الإسلامي» تنافس في أحيان كثيرة طبقة التجار والأغنياء المتعارف عليهم والمشار إليهم بالبنان.

ظني... أن «الفتاوى الدينية» جزء من أدوات اللعبة السياسية والصراع القائم، وهذه «الفتاوى» لا تشكل قلقا بالنسبة إليهم أو ربما لمن يملكون القرار السياسي في الدولة لأسباب كثيرة، منها أن من يتحكم بالفتاوى ليس بعيدا عن لعبة الشد والجذب مع السلطة وعن لعبة الكراسي بالمعنى السياسي والمساومة عليها وأنها مطواعة، أي تتحرك وتخرج ضمن ضوابط وإيقاعات يمكن السيطرة عليها وعمل «كونترول» على حركة النزول والصعود في أجندتها السياسية... وحتى إذا احتاج النظام في لحظة ما إلى «فتوى دينية» يحصن بها موقفا أو تدبيرا ما فلن يجد صعوبة في إيجادها أو من يفتي بها... شرط أن يكون لها ثمن... فليس في العمل السياسي مصالح من دون أثمان.

والحركات الإسلامية اكتسبت خبرات في هذا المجال، فالشيخ محمد العنجري الناشط بالشأن السياسي الكويتي وبأمور الدين يضرب مثلا على ازدواجية الفتاوى عند الجماعات الإسلامية التي باركت للنائبة التركية مروة قاوقجي دخول البرلمان واعتبروا ذلك «نصرا مؤزرا» وبقاؤها في البرلمان «جهادا في سبيل الله» بينما جعلوا دخول المرأة الكويتية إلى البرلمان شرا مستطيرا ومنعه جهادا عظيما!

والموضوع نفسه يمكن قياسه على ما صدر من فتاوى دينية تحرم على المرأة الترشح والانتخاب للبرلمان والقول إنه لا يجوز للنساء تزكية الرجال ولا المشاركة في الترشيح والانتخاب، لأن ترشيح المرأة محظور والشرع يقبل الانتخاب فقط... كل ذلك في حملة الرفض لمنح المرأة حقوقها السياسية والمدنية التي وقفت التيارات والأحزاب الإسلامية ممانعة بإعطائها تلك الحقوق لعدم «شرعيتها».

تلك الفتاوى ما لبثت أن تهاوت بعد العام 1999 والرغبة الأميرية بمنح المرأة الكويتية حقوقا متساوية مع الرجل بالانتخاب والترشح.

ووسط تضارب الفتاوى، كانت الغلبة لاتجاه «الإخوان» فأمين عام الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين محمد سليم العوا، أفتى بحق المرأة المسلمة في مزاولة العمل السياسي حتى رئاسة الدولة والأمين العام للأوقاف محمد عبدالغفار الشريف وعضو اللجنة الاستشارية العليا للعمل على أحكام تطبيق الشريعة الإسلامية وعضو لجنة الإفتاء أكد أنه لا مانع من ممارسة المرأة الكويتية جميع حقوقها السياسية بالترشح والانتخاب مشترطا أن يكون ذلك وفق الآداب الإسلامية.

أما الداعية المعروف الشيخ محمد القرضاوي فأفتى بمشروعية ترشح المرأة للمجالس النيابية ولغيرها من الوظائف العامة لأن هذا ليس ممنوعا شرعا... وتوِّجت تلك الفتاوى بفتوى لشيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي يقول فيها إنه يحق للمرأة تولي رئاسة الدولة ومنافسة الرجال على هذا المنصب والترشح لخوض انتخاباته، أي أنه ذهب إلى أبعد من الترشح والانتخاب (لرأس الدولة)، وهي أبعد مسافة ونقطة من غيرها من المواقع وهو ما يجيب على مخاوف طرحت في هذا المجال من قبل مجموعة من الكتاب والاتجاهات الفكرية السائدة وهي أنه لا حدود للفتاوى بمعناها العام، لكنها بحسب جهات محايدة تبقى تحت السيطرة والانضباط متى تطلب الأمر.

الفتاوى دخلت الحياة السياسية في العالم العربي والإسلامي ولم تعد مقتصرة على العبادات بل هي حاضرة وبقوة وبالإمكان العثور عليها و «تفكيكها» كما يشاء من يأخذ بها، لكن قبل الإبحار بها هناك من يدعو إلى التمييز بين المؤسسة الدينية الحاضنة للنظام والخارجين عليها أو بين دور علماء الدين بالفتاوى المناهضة للنظام والخارجين عن هؤلاء والسائرين في طريق العنف الجهادي وهنا مكمن الخطورة بالفتاوى... فخالد الإسلامبولي على سبيل المثال أقدم على قتل الرئيس المنتخب والديمقراطي أنور السادات العام 1981 في حادث المنصة المشهورة استنادا إلى كتاب وفتاوى «الفريضة الغائبة» الذي شكل مرجعية دينية لـ «تنظيم الجهاد» وأباح تكفير الحاكم والخروج عليه، كما أفتى بذلك محمد فرج أحد قادة التنظيم الذي يرى أن الجهاد فرض عين على كل مسلم في الأقطار الإسلامية!

وفتوى المرجع الشيعي أبوالقاسم الخوئي كانت في اتجاه آخر وعندما سئل من قبل مواطنين كويتيين وعراقيين أيام الاحتلال العسكري العراقي لدولة الكويت العام 1990 هل يجوز شراء أو تناول أطعمة يأتون بها من الكويت وهي تحت الاحتلال أفتى بحرمة كل المسروقات الكويتية والتي نقلت إلى العراق وعليه كان للفتوى أثر وصدى عند الكويتيين والعراقيين على مستوى الشعوب بالامتناع عن ذلك وبرفض الاحتلال وممارساته أيا كانت جنسيته.

وفي هذا الشأن، تُذكر فتوى الميرزا الشيرازي العام 1894 عندما وافقت حكومة الشاه ناصرالدين القاجار على منح امتياز زراعة وتجارة التبغ في إيران لشركة بريطانية والتي كانت بوابة الدخول لاستعمار إيران وفرض هيمنة اقتصادية وسياسية كاملة عليها... وقتها ظهرت فتوى بتحريم التدخين، على إثرها هجر الشعب الإيراني بمعظمه التدخين ولم يعد للنارجيلة وأدواتها من أثر في البيوت حتى قيل إن الشاه طلب من خادمة تحضير نارجيلة ولما لم يأتِ إليه بها للمرة الثالثة نهره غاضبا ليجيب الخادم: «لم يبق في القصر يا سيدي نارجيلة واحدة إلا وكسرتها سيدات القصر، لأن الميرزا الشيرازي أفتى بتحريمها».

تلك أمثلة قد لا يصح التعميم فيها على ماعداها من فتاوى فالتجمعات الإسلامية التي خرجت من عباءة الإخوان ومن التنظيمات السياسية الأخرى والتي اشتغلت بالشأن السياسي والديني معا... أقصد التنظيمات الإسلامية التي ولدت من رحم أولئك ولجأوا للعنف المسلح والقتل والإرهاب تحت ذرائع وحجج دينية وفتاوى من رموز كبار وعلماء دين... هؤلاء تمردوا على واقع ديني يتمثل بالمؤسسات الدينية التي تملك الإيقاع والضوابط ولديها روابط مع النظام والدولة وشبكة علاقات ومصالح وذهبوا باتجاه مخيف منقطع تماما عن المجتمع والدولة.

ظني... من جديد، أن القوى الدينية المتأسلمة حسمت أمرها منذ زمن وتصالحت مع نفسها ومصالحها وقبولها بمفهوم الدولة المدنية وإن على مضض على أمل تطويع الأنظمة البرلمانية الديمقرطية وإلباسها جزءا من الثوب الإسلامي إن هي استطاعت إلى ذلك سبيلا.

هذا على الأقل ما يمكن تلمسه من تجربة الجماعات الإسلامية في الكويت التي تمددت بجمهورها ومصالحها التجارية ونفوذها السياسي من داخل العملية الديمقراطية وقبولها بالنظام القائم. وفي ذلك تتماهى مع تجربة البحرين التي تعيش منذ نحو سبع سنوات مرحلة جديدة من الانفتاح ودخول الجماعات الدينية في صميم العملية السياسية حتى وإن لجأت أو احتاجت إلى «فتاوى» تغطي بها بعض المواقف السياسية وتؤمِّن لها مرجعية دينية، لكنها عقدت قرانها مع الدولة المدنية ودساتيرها المعمول بها لتبقى معارضتها من داخل النظام وليس من خارجه. لكن، كيف؟ وبأي أسلوب؟ ووفق أي قاعدة؟ فهذا ما تتكفل به الممارسة الديمقراطية ووعي المواطنين وقوة المجتمع المدني ودور المؤسسات الرقابية والتشريعية.

العدد 1971 - الإثنين 28 يناير 2008م الموافق 19 محرم 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً