العدد 2290 - الجمعة 12 ديسمبر 2008م الموافق 13 ذي الحجة 1429هـ

عودة إلى أفغانستان

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

هل تتحول أفغانستان إلى إطار جغرافي يحاصر الإدارة الأميركية الجديدة ويفرض عليها في وقت لاحق مجموعة مهمات تعطل على رئيسها إمكانات البحث عن مخارج تنقذ الاقتصاد من أزمة الأسواق المالية؟

الجواب لا يحتمل التأجيل إذا استمر تيار استمرار «الحرب على الإرهاب» يلعب دوره الخفي في تزييف الصورة وتلوينها بعناصر مغرية تعطي انطباعات تبرر العملية اعتمادا على قراءات متسرعة ومعلومات غير دقيقة بقصد تسهيل الأمور وتحسين نتائجها. فالتيار صاحب المصلحة في إفشال الرئيس المنتخب في مهماته الصعبة أخذ يمارس سياسة خداع منذ إعلان فوزه في المعركة الرئاسية من خلال إثارة مشكلات أو وضع عقبات أو تبسيط أهداف بقصد جرجرة إدارة واشنطن إلى انتصارات وهمية في وقت تكون آلة الحرب قد دخلت في أنشطة مفتعلة يمكن تجنبها ويصعب الخروج منها بسرعة وسهولة في حال تورطت بها.

وعد وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس بتعزيز قوات التحالف (الاحتلال) في أفغانستان بذريعة المحافظة على الأمن وتطوير المواجهة العسكرية مع حركة «طالبان» يصب في الاتجاه المذكور. فالوعد يأتي في مرحلة انتقالية تشهد خلالها الولايات المتحدة عملية تسلم وتسليم بين الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي. ويتصادف الوعد أيضا في فترة أخذت نظرية «أفغانستان أولا» تصعد من أروقة المؤسسات (البنتاغون مثلا) إلى الإدارة لإقناعها بأن المشكلة بدأت في أفغانستان ويجب أن تنتهي فيها.

مقولة «أفغانستان أولا» لا تعني بالضرورة أن أفغانستان أخيرا. فالتورط وارد. وهذا الاحتمال ليس مستبعدا في حال انزلقت قوات الاحتلال إلى مواجهة مفتوحة داخليا (القبائل والمناطق) وخارجيا (باكستان ومحيطها الجغرافي - القبائلي). فبعد أفغانستان هناك الكثير من الممرات والتشعبات الحدودية التي قد تفتح المعركة على جبهات غير متوقعة وغير داخلة في حسابات الكمبيوتر الأميركي. المشكلة لا تقتصر على أفغانستان في حال تورطت الإدارة في توسيع الأزمة وإدخالها في سياقات إقليمية تتجاوز مسألة الأمن. فالتورط سيدخل الأزمة في إطار وقنوات تتجاوز المناطق الملتهبة. وحصول هذا الاحتمال المفتوح على أسئلة كثيرة يمكن أن يشكل بداية خاطئة للإدارة الجديدة في عهد الرئيس باراك أوباما.

الحسابات تتركز الآن على قراءة مبسطة لمسألة الأمن ولا تأخذ تعقيدات الواقع الجغرافي - القبلي بالاعتبار. والتبسيط يمكن أن يتحول إلى معادلة صلبة تستدرج واشنطن إلى حقول من الألغام وتورطها في حرب استنزاف لا يقوى البيت الأبيض على تلبية حاجاتها وتغطية نفقاتها.

غيتس وعد بإرسال ثمانية آلاف جندي أميركي للتمركز في العاصمة كابول ومحيطها في الشهر المقبل أي في موعد استلام أوباما مفاتيح السلطة. كذلك وعد بزيادة تعداد القوات إذا اقتضى الأمر نحو 20 ألفا لمطاردة خلايا «القاعدة» وشبكات «طالبان». وبرأي وزير الدفاع أن زيادة كمية القوات هو الحل السحري لإنهاء حال القتال وضبط الأمن وتأمين حماية للنظام والتفرغ نحو الاستقرار والإعمار... وتنتهي المشكلة بالسرعة المناسبة.

هذا التبسيط الذي يرى أن المشكلة تقتصر على الأمن وهي تحتاج إلى مزيد من القوات والقوة حتى يتم السيطرة عليها وبعدها تفتح الطرقات وتشرع الأبواب وتبدأ واشنطن باحتواء الأزمة وتسهل مهمة بناء السلطة وإعادة هيكلة دولة عصرية تأخذ على عاتقها تحديث المجتمع وإصلاح إداراته. هذا التبسيط الذي يقارب الأوهام لم يعد مجرد فكرة تتداولها زمرة من الخبراء في الغرف السرية وإنما تطور أخيرا إلى ما يشبه القناعة وبات يشكل نقطة مركزية في مشروع أوباما الاستراتيجي وخططه الخاصة بالتعامل مع ملفات جورج بوش التي تركها على طاولة البيت الأبيض من دون حل.

الفكرة الساذجة تقوم على معادلة مبسطة وهي أن المشكلة بدأت في أفغانستان وأخطأت واشنطن حين قررت توسيع الحرب على الإرهاب قبل أن تنتهي من القضاء على المشكلة في مواضعها ومواقعها ومعاقلها. فالخطأ برأي الطاقم الذي يحيط بأوباما يقتصر على مسألة توسيع نطاق الحرب والذهاب إلى العراق وإهمال ملف أفغانستان. وتصحيح الخطأ برأي طاقم أوباما يبدأ بالعودة إلى أفغانستان ومتابعة مهمة لم تكتمل وهي القضاء على الإرهاب من جذوره وينابيعه... وبعدها تصبح كل الخطوات الأخرى سهلة وسريعة ولا تحتاج إلى نفقات تستهلك الخزينة وتستنزف القوات.

القبيلة - الشعب

التبسيط المذكور للمشكلة يرجح في حال تطور وتحول إلى خطوات ميدانية أن يدفع إدارة أوباما إلى التورط مجددا في استراتيجية عسكرية انتقدها سابقا وأسس عليها حملاته الانتخابية. فالمشكلة التي يرى أنها تختزل كل المهمات يمكن أن تكون فاتحة عسكرية للتدهور السياسي والذهاب باتجاه قد يورط الإدارة في موازنات حربية تبدأ محدودة ثم تتوسع وتتراكم وتتثاقل مع مرور الوقت.

أساس الخلل في الفكرة الأمنية المبسطة أن الخبراء يتصورون أن «طالبان» مجرد هيكل تنظيمي - حزبي قائم على علاقات هرمية معزولة عن المحيط الذي تسيطر عليه شبكة من المصاهرات القبلية التقليدية والمتوارثة. وهذا التصور الذي يرى قمة الجبل لا ينتبه إلى قاعدته التي هي أشبه بمزيج من الخيوط العنكبوتية البشرية الممتدة والمنتشرة جغرافيا وحدوديا وتتحكم في إدارتها مراكز قوى وسلطات محلية قديمة لا تخضع لإرشادات «طالبان» ولا تعطي ذاك الانتباه لمعاركها. «طالبان» حركة سياسية قوية وقوتها لا تعتمد على الايديولوجيا والأفكار وإنما على محاكاة سلطة القبيلة وتشعباتها العشائرية وشبكة العلاقات المصلحية والمصاهرات الدموية التي تتجاوز حدود أفغانستان وتتواصل في حلقات مع المحيط الجغرافي. وبهذا المعنى فإن قوة «طالبان» مستمدة معنويا من قبيلة البشتون. والبشتون مجموعات عشائرية واسعة في امتداداتها البشرية وكثافتها السكانية، وهذا النوع من القبائل الكبرى هي على صورة ومثال قومية تمتلك لغة وخصائص وعادات وتقاليد لا يمكن تطويعها أو إخضاعها أمنيا أو بزيادة أعداد القوات ونشرها في كابول وضاحيتها كما وعد غيتس خلال زيارته الأخيرة لأفغانستان.

إخضاع «طالبان» يعادل القضاء على قبيلة - شعب يبلغ تعداده السكاني الملايين من البشر ويتجمع منذ آلاف السنين في مناطق جبلية وعرة ويعتمد على الاقتصاد الطبيعي والريعي لتأمين حاجاته البسيطة. وهذا الشعب (القبيلة) ينتشر جغرافيا في أكثر من بلد ويتوزع على مساحات واسعة تعطيه قدرة على التحمل والصمود والانكفاء على الذات لحماية هويته من الاستيعاب أو الاحتواء.

المسألة إذاَ ليست أمنية وهي أعقد من تلك القراءات التبسيطية التي يتعمد الخبراء في شرحها عسكريا وتقديمها جاهزة نظريا وعلى طبق من فضة للرئيس المنتخب. فالمعركة التي يخطط أوباما لخوضها ضد «طالبان» في مطلع عهده قد لا تنتهي مع نهاية رئاسته للولايات المتحدة إذا أصر على الدخول في لعبة شطرنج القبائل - الشعوب التي تبدأ في أفغانستان وتمتد إلى حلقات متجاورة تحتاج إلى أكثر من تلك الزيادات التي قررها غيتس، لاستيعاب موجاتها البشرية وما تنتجه من براكين ليس سهلا السيطرة عليها.

المسألة سياسة في جوهرها وهي تتطلب قراءة ذكية وهادئة وتحتاج إلى وقت للدراسة من كل الجوانب والجهات. وأقصر الحلول للتوصل إلى صيغة تعايش وتفاهم مع تضاريس بشرية ضاربة جذورها في التاريخ والجغرافيا تبدأ عمليا من خطوة الإقلاع عن اعتماد القوة العسكرية. فالحل سياسي وتفاوضي ولا يمكن التوصل إليه إلا بعد الخروج على استراتيجية بوش سواء في العراق أو أفغانستان والبدء في مد جسور الاتصال لإعادة بناء الثقة وتجديد الحوار والتفاهم مع «طالبان» والبشتون على الحد الأدنى المطلوب لضمان الأمن من جهة وحقوق الإنسان من جهة أخرى.

أوباما يواجه فعلا نقطة ساخنة وهي مسألة لا تحتمل التأجيل لأن عهده في ضوء نتائجها وتداعياتها سيحكم عليه بالنجاح والفشل. فإذا تورط وفشل يكون ذهب إلى المكان الذي غادره بوش وإذا أعاد القراءة وقرر عدم المضي في الاستراتيجية العسكرية السابقة يكون غادر مواقع بوش وذهب بالاتجاه الصحيح الذي يغلب السياسة على الأمن والتفاوض على القوة المفرطة في تبسيطها وسذاجتها

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 2290 - الجمعة 12 ديسمبر 2008م الموافق 13 ذي الحجة 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً