العدد 2110 - الأحد 15 يونيو 2008م الموافق 10 جمادى الآخرة 1429هـ

السيرك اللبناني بعد «اتفاق الدوحة»

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

دخل رئيس الحكومة المكلّف بتشكيل وزارة ما بعد «اتفاق الدوحة» أسبوعه الثالث من دون التوصّل إلى نتيجة تذكر. فالخلاف الذي بدأ بالفراغ الرئاسي انتقل إلى ما يسمّى بالفراغ الحكومي. والرئيس فؤاد السنيورة المكلّف غير قادر على توليف التعارضات الناشئة عن تحطيم مرايا البلد وتوزّع شظاياه على زوايا طائفية ومذهبية ومناطقية.

لبنان منذ العام 2004 دخل مرحلة جديدة في تاريخه. فهو من جانب يخضع لسقف التدويل ومفاعيل القرارات الدولية التي بدأت بالرقم 1559 وانتهت بالرقم 1701، وهو من جانب آخر يخضع للضغوط الناجمة عن تجاذبات الملفات الإقليمية الساخنة بدءا من إيران والعراق وانتهاء بفلسطين والسودان. وبين «التدويل» و «الأقلمة» دخل الكيان في حال من الغيبوبة السياسية بسبب تعرضه لمجموعة استقطابات أودت بتوازنه الأهلي ودفعت بالفرقاء إلى الانجرار نحو معسكرات تمنع عليه إمكانات التوافق قبل ارتسام معالم الصورة في محيطه الجواري.

الأزمة اللبنانية يرجّح أن تبقى متنقلة وتتدحرج من الجنوب إلى الشمال ومن الشمال إلى البقاع ومن البقاع إلى بيروت ومن العاصمة إلى الضاحية ومن الضاحية إلى الجبل. والتدحرج اللبناني لا يقتصر على جغرافية الكيان وإنما يمتدّ ويصعد وبهبط على مختلف الطوائف والمذاهب والمناطق جارفا معه مؤسسات الدولة وهيئاتها المدنية. فمرة يكون الخلاف على الثلث الضامن أو المعطل و مرة على الرئاسة ونصاب الثلثين، ومرة على هوية الرئيس أو على اسم رئيس الحكومة، وأخيرا على الحقائب الوزارية الخدمية أو السيادية.

بعدها سينتقل الخلاف على البيان الوزاري وعلاقة الدولة بالمقاومة واستراتيجية الدفاع وتحويل لبنان إلى ساحة مكشوفة ومفتوحة للصراعات والاغتيالات وتوجيه الرسائل. وبعد التوافق على بيان الحكومة وبرنامجها وخطة عملها ستنتقل الأزمة؛ لتثير زوبعة بشأن الموازنة والإنفاق العام ومشكلة الديون والإصلاح الإداري وتعيين مسئولين في الوظائف الأولى. وبعد إقرار الموازنة ستبدأ أزمة بشأن التوافق على تعديلات لها صلة بقانون الانتخابات التشريعية وجدوى العودة إلى القضاء ومدى فائدة اعتماد مشروع قانون مضى عليه أكثر من 40 عاما.

الأزمات اللبنانية لا تنتهي ويرجّح أنها لن تستقر على قاع وهذا أمر طبيعي في دولة تعتمد «الديمقراطية» و «البرلمانية» و «الاقتصاد الحر». فمن طبيعة الحرية إطلاق الحراك الاجتماعي وإعطاء حيوية للمجتمع والتدخل في شئون الدولة والتأثيرعلى قراراتها من خلال صناعة الرأي العام. فالحرية فوضى في جانب منها وفي الآنَ هي واسطة إنسانية عقلانية للتقدّم والمشاركة في صوغ مستقبل الناس. وهذه الخصوصية اللبنانية أعطت حيوية للمجتمع وساعدت الناس على تأسيس حد أدنى من الاستقلال الذاتي والثقة بالنفس وعدم الخوف من السلطة. وبسبب هذه الخصوصية نجحت الفئات اللبنانية في تطوير مقاوماتها التي أعطتها سلطة مميزة تكفلت في تحسين شروط الممانعة والتصدّي للعدوانية الإسرائيلية والدفاع عن الحقوق خارج نطاق توازن القوى.

معادلة الضحية

لبنان لا يعرف معنى «نعم إلى الأبد» أو «حاضر يا سيّدي». فهذا النوع من المفردات غير موجود في قاموسه. أبناء البلد تدرّبوا منذ الطفولة على النقاش والجدل والاعتراض من دون خوف من سلطة دولة قاهرة. فالدولة هي الطرف الأضعف في المعادلة والمجتمع في طوائفه ومذاهبه ومناطقه أقوى منها. الدولة في لبنان لا تتدخل في شئون الطوائف والمذاهب والمناطق بينما الطوائف والمذاهب والمناطق تتدخل في شئون الدولة وتحد من قدرتها على التحرك من دون العودة إلى الميثاق والدستور.

هذه الخصوصية «الرائعة» تبدو أحيانا غير كذلك حين تمر المنطقة في اضطرابات وتحوّلات أو حين تتعرض أقاليم الجوار الجغرافي للضغوط الدولية والتجاذبات. فمثل هذه الخصوصية «النادرة»، تحتاج دائما إلى محيط هادئ وأنظمة مسالمة وسلطات عاقلة تتفهم معنى الحرية وحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

الدولة في المحيط الجواري تتدخل في كلّ شيء، وهي الآمر الناهي، وهي الطرف الوحيد في المعادلة، وقرارتها لا تناقش ولا ترد. والناس في تلك الدول تدرّبوا على الطاعة وعدم قول الحقيقة والخضوع للسلطة. المجتمع ممنوع عليه التدخل في السياسة أو التنوّع في الاختيار أو الاعتراض. فالمجتمع مسلوب الإرادة نسبيا ولا يجوز له التدخل في شئون الدولة. هذا الانفصال بين هيئة الدولة وطبيعية المجتمع عطل إمكانات تطوّر قدرات الناس وأضعف لديهم إمكانات الممانعة أو المقاومة وأسس «أمبراطورية» من الخوف والتردد والانكفاء وعدم اكتساب الخبرة الخاصة والاعتماد على الذات.

كلّ هذه المفارقات جعلت من لبنان (الدولة والمقاومة) ضحية. فهذا البلد غير مرغوب ولكنه مطلوب للحاجة مرة أو لتعويض النقص مرة أخرى. النموذج لا تريده دول الجوار ولكنها تستخدمه أحيانا لتوجيه رسائل والتعويض عن مصادر الضعف سواء في مقارعة الولايات المتحدة أو التصدّي للمشروع الصهيوني.

الضعف اللبناني قوّة للجوار وقوّة الجوار إضعاف للبنان. وتحت سقف هذه المعادلة غير العادلة يمكن فهم الكثير من التجاذبات اللبنانية على الرئاسة والحكومة والحصص والمحاصصة والحقائب والوظائف و «الثلث» أو «الثلثين» أو قانون الانتخاب وتوزيع المقاعد أو الموازنة أو المقاومة والممانعة. فهذا السقف ليس لبنانيا بالكامل وإنما يشكّل مظلة تلتقي تحتها الكثير من نقاط القوة وعوامل الضعف الممتدة إقليميا وجواريا. والنموذج الخاص الذي توصل إليه لبنان في تاريخه الحديث تحوّل إلى نوع من التعويض أو البديل عن نقص في المناعة عند الكثير من الأطراف القريبة والبعيدة. هناك الكثير من الزعماء خارج نطاق البلد الصغير لا يترددون في تكرار القول «إن لبنان سيَهزم إسرائيل» أو «أنّ لبنان سيَهزم المشروع الأميركي». وهذا الكلام بالوكالة عن لبنان وشعبه ليس حصريا ولا يقتصر على طرف وإنما أصبح من المشاعات التي لا تتطلب ملكية حصرية. فالكلّ يستطيع أنْ يقول ما يُريد وبالنيابة عن مَن يريد ما دام لبنان تحوّل إلى بديل مشترك أو وكيل يُعتمد عليه أو ساحة مفتوحة ومكشوفة تتكفل بتعويض النقص والضعف وعدم قدرة الآخر على تحمّل المسئوليات. النموذج اللبناني تحوّل إلى «سيرك». ولعبة السيرك تمزج عادة بين الاحتراف المهني والحاجة إلى الوظيفة وتسلية الجمهور التائه بين بهلوانية الحركات وخطورة الانزلاق في أخطاء قاتلة.

انتقل لبنان الآنَ بعد «اتفاق الدوحة» من لعبة الصراع على الفراغ الرئاسي إلى لعبة التنافس على كراسي الفراغ الحكومي. وبين لعبة وأخرى يتطوّر السيرك اللبناني ويتقدّم في حركات تجمع بين الاحتراف المهني وخطر الانجراف نحو هاوية تمزق نموذجه وتبعثره إلى أشلاء تشبه كثيرا تلك المرايا المحطمة على ساحاته الممتدة من الجنوب إلى الشمال.

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 2110 - الأحد 15 يونيو 2008م الموافق 10 جمادى الآخرة 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً