العدد 2112 - الثلثاء 17 يونيو 2008م الموافق 12 جمادى الآخرة 1429هـ

رايس... ومخاض «الشرق الأوسط الجديد»

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

بعد زيارة خاطفة دامت خمس ساعات غادرت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس لبنان بعد غياب عنه دام نحو سنتين. فالوزيرة الأميركية أقلعت عن زيارة بلاد الأرز بعد وقوع مجزرة قانا الثانية إبان العدوان في صيف 2006. آنذاك طلبت الحكومة اللبنانية من رايس عدم التوجه إلى بيروت لبحث موضوع العدوان بسبب المجزرة التي أنزلتها القوات الإسرائيلية في البلدة. وبعد ذاك الاعتذار عن الاستقبال توقفت رايس عن زياراتها وانقطعت الاتصالات المباشرة إلا في تلك المناسبات الدولية والإقليمية العامة.

الآن عادت رايس إلى زيارة بيروت في خطوة بروتوكولية يقال إنها وداعية ويتوقع ألا يكون لها تأثيراتها السياسية في وقت تستعد الإدارة الحالية لمغادرة البيت الأبيض. فالوزيرة جاءت من دون علم مسبق بقصد نقل تهاني واشنطن بانتخاب رئيس للجمهورية. والمناسبة أطلقت مجموعة تصريحات عامة أبرزها تركيزها على موضوع مرتفعات شبعا وتلال كفرشوبا المحتلة. وأشارت رايس إلى أنه حان الوقت للبحث في موضوع الأراضي المحتلة في إطار تطبيق بنود القرار الدولي 1701. وحان الوقت يعني دبلوماسيا أن إدارة جورج بوش بدأت بوضع 1701 على نار ساخنة وأنها تريد الضغط على حكومة تل أبيب لإعادة المرتفعات والتلال إلى السيادة اللبنانية. وحان الوقت يعني زمنيا أن إدارة بوش عازمة على تلبية رغبتها خلال فترة وجيزة لا تتجاوز الشهور القليلة وهي المدة المتبقية من عهد الحزب الجمهوري.

السؤال: على ماذا تراهن إدارة بوش لتنفيذ تلك الرغبة في وقت مرت السنوات الطوال على احتلال المرتفعات والتلال؟

الجواب يحتاج إلى قراءة سياسية تتعدى حدود الجغرافيا اللبنانية. فأزمة الاحتلال ليست جديدة وهي اتسعت سياسيا بعد الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب في العام 2000. آنذاك طرح موضوع المرتفعات والتلال وطالب لبنان الأمم المتحدة بمراجعة المسألة والتوافق على حلها بالتفاوض. وجاء الرفض الإسرائيلي انطلاقا من ذريعتين: الأولى أن التلال والمرتفعات احتلت خلال حرب يونيو/ حزيران 1967، والثانية أن الأراضي المحتلة ليست لبنانية وإنها سورية وتخضع للقرارين 242 و338.

الرفض الإسرائيلي فتح باب التفاوض على أكثر من ملف حين ربط المرتفعات والتلال بمشروع التفاوض الإقليمي مع دمشق. أدى الرفض الإسرائيلي إلى رمي الكرة في الملعب السوري إذ ردت تل أبيب على الاتصالات الدبلوماسية بالمطالبة بوثائق تؤكد لبنانية المزارع والمرتفعات والتلال. وبما أن الوثائق غير واضحة الهوية طلبت الأمم المتحدة من دمشق تزويد بيروت بتلك الأوراق (الملكيات العقارية) التي تشير إلى أن المناطق المذكورة (موضوع الخلاف) ليست سورية حتى لو احتلتها تل أبيب في حربي 1967 و1973.

عند هذه النقطة تعقدت القصة ودخل سيناريو الهوية في منعطفات سياسية ودبلوماسية. مرة تكون لبنانية وأخرى سورية ومرة تكون من دون هوية وتحتاج إلى إعادة ترسيم لتحديد موقعها على خريطة لاتزال خاضعة للنزاع والتفاوض. وبسبب غموض هوية المزارع والتلال والمرتفعات والظروف التي أدت إلى احتلالها والفترة التي حصل خلالها العدوان والاحتلال تجمدت العقدة ولم تنجح الاتصالات في توضيح الغامض وتحديد قنوات للتفاوض بشأن مصيرها.

هوية ضائعة

تعليق البحث في مسألة المزارع والتلال والمرتفعات ساهم في تجميد الكثير من نقاط البحث في الداخل اللبناني. إذ أدى غموض النقاش إلى توليد تشنجات محلية بين قوى تطالب باعتماد التفاوض وسيلة للتحرير وبين قوى تؤكد ضرورة اعتماد نهج الكفاح المسلح لاستعادة السيادة على ما تبقى من أراضٍ محتلة.

استمر الغموض يتجاذب القوى اللبنانية سياسيا وأهليا إلى أن وقع عدوان صيف 2006 وأدى إلى صدور القرار 1701 ونص في أحد بنوده على ضرورة وضع المرتفعات والتلال والمزارع تحت إشراف الأمم المتحدة بانتظار حسم هويتها من خلال الوثائق والتفاوض. ومر على العدوان نحو سنتين ولاتزال المسألة تتعرض للتجاذبات والتأويلات بذريعة أن الوثائق لم تصل إلى الأمم المتحدة، أو أن الأوراق التي وصلت ليست واضحة في الخريطة، أو أن المسألة تتطلب التفاوض في أكثر من مكان ولابد من أخذ موافقة سورية واضحة حتى تتم معالجة الموضوع خارج نطاق القرارين 242 و338.

رايس في زيارتها الخاطفة التي انتهت أمس أعادت إلى الواجهة الدبلوماسية صورة شبعا وكفرشوبا ضمن إطار وعد أميركي بمعالجة المسألة تحت سقف القرار 1701. فماذا حصل حتى تراهن الإدارة الأميركية على معضلة فنية عجزت كل القوى والإرادات على معالجتها؟

هناك احتمالات مختلفة، منها أن إدارة بوش توصلت إلى إقناع حكومة أولمرت بضرورة «التنازل» أو إعطاء مكسب معين يعيد بعض الصدقية للسياسة الأميركية في «الشرق الأوسط». فالرئيس الأميركي الذي وعد الشعب الفلسطيني بدولة «قابلة للحياة» بات على قناعة بأن تلك الدولة لن ترى الحياة في ظل استمرار توسيع المستوطنات في الضفة وزيادة الوحدات السكنية في القدس. وبسبب فشله في الجانب الفلسطيني يريد بوش التعويض في الجانب اللبناني، وخصوصا أن لبنان يرى أن السياسة الأميركية ساهمت في تقويض الدولة وحطمت الاقتصاد وزعزعت الاستقرار خلال عدوان 2006.

هذا الاحتمال وارد. الاحتمال الآخر هو مراهنة إدارة بوش على إمكانات التوصل إلى تفاهمات إقليمية سورية - إسرائيلية بعد تسرب معلومات من أنقرة وصفت المحادثات الثنائية بالإيجابية وأنها تشكل خطوة «بناءة» ستعقبها خطوات أخرى ستعقد في الأسابيع المقبلة.

رايس ربما تكون ربطت احتمال معالجة مشكلة المزارع والتلال والمرتفعات بإطار تفاوضي أوسعَ يتجاوز لبنان إلى الجولان. فهي تحدثت في بيروت عن دعم واشنطن المفاوضات السورية - الإسرائيلية التي قيل عنها في أنقرة إنها «تناولت قضايا عملية وأخرى إجرائية». ومثل هذا التوصيف الدقيق للمسار السوري - الإسرائيلي يعطي واشنطن جرعة معنوية تشجعها على تطوير الوعد الأميركي وتأكيده في إطار التعاون مع الأمم المتحدة.

مراهنة رايس على المفاوضات الإسرائيلية - السورية باعتبارها تشكل ذاك الاتفاق الإطاري لإعادة طرح موضوع المزارع والتلال والمرتفعات يعطي فكرة عن وجود تقدم ما على صعيد المسار السوري مع «إسرائيل». فالوزيرة أكدت دعمها للتفاوض الثنائي وأشارت إلى احتمال انتقال المباحثات من نطاقها السري غير المباشر إلى العلني المباشر «الآن وفي وقت قريب».

متى يكون «الوقت القريب»؟ مصادر رايس في بيروت أشارت إلى دعم الولايات المتحدة للدبلوماسية الفرنسية التي تخطط لعقد لقاء مباشر بين الرئيس السوري ورئيس الحكومة الإسرائيلي في باريس خلال حضور القمة الأوروبية - المتوسطية في 13 يوليو/ تموز المقبل.

المسألة ساخنة كما يقال. إدارة واشنطن تراهن على اللحظات الأخيرة وهي تعوّل على احتمال نجاح التفاوض السوري - الإسرائيلي لتسديد ثلاثة أهداف في وقت متقارب يتراوح بين شهر (القمة الأوروبية - المتوسطية) وخمسة أشهر (انتهاء موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية). الهدف الأول تجديد البحث في مصير الجولان (تمديد الهدنة أو إعادة الهضبة في إطار مشروع سلام). الثاني توضيح هوية المزارع والتلال والمرتفعات تمهيدا لوضعها تحت إشراف الأمم المتحدة ثم نقلها إلى سيادة لبنان. والثالث تأمين هدنة (تهدئة لستة أشهر) في قطاع غزة تشكل خطوة للتفاوض بين «حماس» وتل أبيب من خلال تنشيط قناة الاتصال بين القاهرة ودمشق.

«حان الوقت». هذا ما قالته رايس خلال زيارتها الخاطفة لتوديع بلد دفع ضريبة دموية إبان عدوان 2006. آنذاك ذكرت وزيرة الخارجية أن الحرب على لبنان هي «مخاض» لولادة «الشرق الأوسط الجديد». والسؤال: هل حان وقت «المخاض» أم بدأ موعد الولادة؟

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 2112 - الثلثاء 17 يونيو 2008م الموافق 12 جمادى الآخرة 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً