العدد 2120 - الأربعاء 25 يونيو 2008م الموافق 20 جمادى الآخرة 1429هـ

إبراهيم العريض: نغمة التواضع النادرة*

سلوى المؤيد comments [at] alwasatnews.com

.

لا تكمن أصالة الأستاذ الأديب إبراهيم العريض في أدبه الخالد وكتاباته النقدية الأدبية وإنما تتجاوزها إلى تواضعه الشديد الذي يرسم ملامحه بقوة على خلق هذا الرجل الفاضل وأبوته الحانية على شباب هذا الجيل، كنت إحدى الحاضرات لسماع محاضرة هذا الأديب الكبير إبراهيم العريض التي كانت حول ضرورة الشعر الحضارية.

وبعد أن استمتعنا بما تحمله عباراته من تصوير فلسفي للأبيات مجسما بأسلوبه الشعري روعتها وقوتها كأثر حضاري يعبر أصدق تعبير عن الأزمنة والمواقف التي نظمت خلالها من قبل أصحابها الشعراء الخالدين.

فتح باب المناقشة حول ما جاء بالمحاضرة... فوقفت معلقة على عبارة جاءت في حديث أستاذنا الجليل وهي أن من أهداف الشعر إبراز نعمة الخالق... وتساءلت عن مدى ضرورة ذلك ونحن نرى آثار أبى العلاء المعري الخالدة محملة بالتشاؤم والنقمة على الحياة وبعيدة عن الإحساس بنعم الخالق بعد أن حجبها عنه إحساسه المجروح بعاهته كأعمى... ولم يدرك إبراهيم العريض مقصدي من هذا السؤال فلم يجبني إجابة تستوفي سؤالي... وجلست غير راغبة في الإمعان في المناقشة... لكني وضحت الهدف من سؤالي إلى دعد العريض ابنة شاعرنا الكبير وفوجئت صباح يوم الجمعة بجرس الهاتف.

وإذا بصوت أستاذي ينساب عبر الهاتف حاملا معه كل الحنان والتواضع... مبديا أسفه لسوء الفهم الذي بدر منه موضحا الهدف من قوله: «يا ابنتي، الشاعر إنسان كغيره لكن نعمة الخلق التي يملكها هي التي تمكنه من خلق أبيات الشعر للتعبير عن المواقف التي يمر بها هنا يبرز الشعر نعمة الخلق حتى لو لم يقصدها الشاعر».

وفهمت ماذا يعنى إبراهيم العريض بأن من أهداف الشعر إبراز نعمة الخلق وشكرته على توضيحه لما التبس على فهمه.

وانتقل الأستاذ من حديث المحاضرة إلى السؤال عني وقال لي بحنان الأب: «انقطعت عن زيارتي يا ابنتي... مكتبي مفتوح لك دائما».

أعلم أن هذه الجملة تعبر عن جسر المحبة بينه وبين شباب وشابات البحرين وخصوصا من يجد منه أستاذنا الميل إلى الأدب والكتابة... إن هذا الأديب الكبير المثقف يجتاز بسمو تفكيره الفاصل الزمني بينه وبين شباب هذا الجيل، يتناقش معهم ويناقشهم ويتفهمهم ويبدي رأيه بحنان وحزم في إنتاجهم الأدبي ليرشدهم إلى حدود قدراتهم الإنتاجية وهذا أمر يحتاجه أصحاب المواهب ويتلهفون عليه.

وأسأله «هل مازلت تكتب الشعر يا عمي...؟»

قال: «شعر للنشر لا... أما شعر لنفسي فنعم... فأنا يا ابنتي لا اشعر بأن الشعر الذي أكتبه اليوم في مستوى الشعر الذي تضمنته دواويني والإنسان الأديب زائل ولا تخلده إلا آثاره الأدبية لذلك يجب أن تكون في مستوى يشرفه بعد موته».

إن التواضع نعمة... ووسام شرف وخصوصا عندما يصدر من شخص يجد الإجلال والإكبار لشخصه في كل مكان يتواجد فيه كأديب وشاعر وناقد أدبي كبير.

كلماته منحتني مزيدا من الإحساس بقيمته كشاعر أصيل وأبرزت تواضعه النادر الذي دفعه إلى مكالمة إنسانة تقل عنه درجات كثيرة خبرة وعلما وثقافة ليبدي لها رأيه وليبدد به سوء فهم لم يشأ أن يترك أثره في نفس من جاءت إليه ساعية لسماع محاضرته والاستمتاع بحديثه القيم الذي أرجو أن تقوم وزارة الإعلام بطبعه في ملزمة للارتفاع بمستوى الحركة الفكرية في البحرين من خلال هذه المحاضرات القيمة وما شابهها.

* مقال كُتب في العام 1980

إقرأ أيضا لـ "سلوى المؤيد"

العدد 2120 - الأربعاء 25 يونيو 2008م الموافق 20 جمادى الآخرة 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً