العدد 2127 - الأربعاء 02 يوليو 2008م الموافق 27 جمادى الآخرة 1429هـ

لا سَمَح الله

محمد عبدالله محمد Mohd.Abdulla [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

في لقاء حواري ناقش إمكان توجيه ضربة عسكرية لإيران ردّد أحد الضيوف وهو رئيس معهد أبحاث إعلام الشرق الأوسط الصهيوني والمستشار الأمني السابق لإسحق شامير، إيغال كرمون جملة «لا سمح الله» غير مرة متقمصا دور دعاة السلام الماقتين للحرب!

هذا التمسرح يعيد تأكيد أن قيمة الصدق في الخطاب الصهيوني تكاد تكون مُبتذلة. فهو ناجز في تظهير قضيته بصفتها بعدا تاريخيا تحوّل بفعل الظروف الموضوعية إلى واقع سياسي مشروع، يُدافع عن نفسه بشكل مُزدوج.

فهو يحمي نفسه بالقوة ولكنه يُصرّ على عدم رغبته في الإدمان عليها إلاّ وقت الضرورة. بل الأكثر هو تكريسه تقديم التَكرار الفاحش في إصابته أخطاء مدنية على أنها غير مقصودة، وأنها حالة طبيعية تحدث عند حروب الشرعية ضد الإرهاب!

أن يُجرح 48021 مدنيا في أقل من ستة أعوام فهو خطأ غير مقصود، وأن يُقتل 4516 مدنيا بينهم 868 دون سن الثامنة عشرة للفترة نفسها فهو أمر غير مقصود، وأن يُهدم 10491 بشكل كُلّي و11466 بشكل جُزئي فهو أمر غير مقصود أيضا، وأن تُجرّف 20847 من الدونمات في غزة وحدها أي ما نسبته 13 في المئة من أراضي القطاع فهو كذلك خطأ غير مقصود!

الإمبريالية العالمية اليوم عبر وجهيها الكريهين في واشنطن وتل أبيب تريد إشعال حرب الخليج الرابعة، وحرب منطقة الشرق أوسطية الثالثة في أقل من سبعة أعوام.

الكيان الصهيوني يُروّج وعبّر رئيس الموساد السابق شافتاي شافيت عن أن أمام بلاده سنة واحدة لتدمير المنشآت النووية الإيرانية، وإلاّ فستواجه خطر التعرض لهجوم ذري إيراني؛ بغرض تنميط الوجدان اليهودي وأيضا العربي لتلقّي حدث كهذا.

الولايات المتحدة الأميركية هي الأخرى تُروّج لذلك، ويُوقّع رئيسها جورج بوش «مرسوما تنفيذيا رئاسيا عالي السرية» لتصعيد العمليات السرية ضد إيران تنطلق من حدود العراق الجنوبية بهدف زعزعة استقرار النظام الإيراني وقيادته عبر ضرب «أهداف ذات قيمة عالية» بكلفة تصل إلى 400 مليون دولار!

هذا اللعب بأمن المنطقة قد لا يضرّ بأراضي الولايات المتحدة الأميركية بالحجم ذاته الذي ستتكبّده منطقة الشرق الأوسط. بل إن المشكلة أكبر من ذلك، وأكبر من سياسة اللا سمح الله التي ينادي بها كرمون، وأكبر من سياسة الأهداف الخاطئة المُذيّلة باعتذار.

المشكلة الأهم هي أن واشنطن لا تفهم أخلاق الجبهات، ولا أخلاق رعاية مصالح الحلفاء أو استتباب أمنهم الجماعي والفردي.

وربما أستحضر ما قاله ستيفين مايلز في كتابه «خيانة القسم» أن والتر ووغدا كووسكي ثاني أكبر رتبة عسكرية أميركية في العراق قال لمديرة سجن أبي غريب الجنرال جانيس كاربنسكي: «لا آبه إن كنا نعتقل 15000 مدني بريء... إننا نربح الحرب» بل إن رئيسه ريكاردو سانشيز قال: «لِمَ نعتقل هؤلاء الأشخاص؟ يتوجّب علينا قتلهم»!

إذا فالخطر الذي سيجرّه هؤلاء المعتوهون على أمن الناس ليس فقط ذاك المتعلّق بشواء المنطقة عن طريق القذائف والمدافع، بل إنهم سيكونون جزءا من معركة قذرة ضد خصومهم وحلفائهم وبحق شعوب هذا الإقليم، وعندها ستُعاد سيمفونية الخطاب المبتذل في اللا سمح الله، والاعتذار الماجن عن إصابة أهداف مدنية بالخطأ.

إقرأ أيضا لـ "محمد عبدالله محمد"

العدد 2127 - الأربعاء 02 يوليو 2008م الموافق 27 جمادى الآخرة 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً