العدد 2577 - الجمعة 25 سبتمبر 2009م الموافق 06 شوال 1430هـ

قمم الأمم المتحدة بين مأساة وملهاة

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

ثلاثة لقاءات عالمية حصلت على هامش جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة أو في نطاق مجاور جغرافيا لنيويورك والعاصمة الأميركية.

القمة الأولى جرت في مبنى الأمم المتحدة وتكرس جدول أعمالها لمناقشة مشكلة المناخ والاحتباس الحراري وانبعاث ثاني أكسيد الكربون وتأثيره على البيئة. وجاءت القمة استئنافا لمفاوضات سابقة وتمهيدا لانعقاد مؤتمر كوبنهاغن المقبل.

القمة الثانية أدار جلستها في بادرة غير مسبوقة الرئيس الأميركي باراك أوباما وتوصل خلالها المجتمعون في مجلس الأمن إلى تبني قرار بالإجماع على مواجهة التهديدات النووية وتضمين فقرات تسمح باتخاذ تدابير من شأنها أن تساعد على الحد من تصدير مواد قد تستخدم في تصنيع الأسلحة النووية.

القمة الثالثة نقدية (اقتصادية) وتضم مجموعة الدول العشرين الأغنى في العالم والأكثر تأثيرا على حركة الأسواق التجارية والمالية. وتستهدف القمة التي انتهت أعمالها في مدينة بيتسبرغ (ولاية بنسلفانيا) معالجة الركود الذي أخذ يهدد المؤسسات والشركات والمصانع بالإفلاس بعد تلك الصدمة التي هزت بورصات العالم في سبتمبر/ أيلول 2008.

القمم الثلاث تشكل علامات فارقة في منظومة العلاقات الدولية التي وصلت إلى درجة التأزم السياسي في عهد الرئيس السابق جورج بوش. فالأزمة التي تولدت تباعا جاءت في إطار تحولات دولية تراكمت في العقود الثلاثة الأخيرة وأدت إلى إحداث خلل في التوازنات ما أفضى في النهاية إلى انفجارها واستدعى الدول الكبرى إلى التحرك وإجراء إصلاحات بقصد احتواء التداعيات الناجمة عن انهيار البيئة واضطراب الأمن وانكسار أنظمة الحماية للأسواق.

الأزمات الثلاث تتحمل مسئوليتها السياسية والاقتصادية والأمنية والقانونية الدول الكبرى بصفتها الطرف الذي يتحكم بموارد الطبيعة والثروات وأسواق المال والتجارة ويمتلك مصادر قوة تعطيه صلاحيات تدخلية سواء على مستوى التفوق العسكري أو على مستوى السيطرة على القرارات الدولية.

تحميل الدول الكبرى مسئولية الكوارث البيئية والأمنية والاقتصادية ليست افتراء على منظومة العلاقات الدولية وإنما تهمة تستند إلى وقائع ميدانية وأدلة دامغة لاتحتاج إلى براهين وإثباتات. فالقوي عادة يتحمل المسئولية وليس الطرف الضعيف والجائع والمحروم والتائه والضائع الذي يتسول ويبحث عن لقمة العيش وفرصة للرزق من ذاك الفائض المرمي من غذاء الموائد.

المنطق الأخلاقي- القانوني لا يمكن أن يتهم الفقير والأمي والعاطل عن العمل أو حتى الباحث عن الشهرة الصبيانية أنه يتحمل مسئولية كوارث بيئية تتحمل مسئوليتها المصانع الكبرى والشركات والمؤسسات. والمنطق أيضا لا يستطيع أن يحمل المفلس الذي يركض يوميا وراء المعاش وتحصيل الرزق مسئولية انهيار البورصات وتدهور الثروة النقدية بنسبة الثلث في سنة واحدة. والمنطق أيضا وأيضا لا يمكن أن يوجه الاتهام للخائف على مصيره ومستقبله واستقراره مسئولية الحروب والاعتداءات والتدخلات والموازنات العسكرية التي تنفق مئات المليارات من الدولارات لتكديس أسلحة الدمار.

تحديد المسئولية مسألة منطقية وأخلاقية وقانونية لأنها تضع القطار على سكة الحل السياسي وتمنع انسياب القوى الصبيانية من اللعب والتهور على هامش الوقت الضائع. فالمسئولية في النهاية نسبية. من يسيطر على20 في المئة من الاقتصاد العالمي يتحمل مسئولية 20 في المئة من تلك الكوارث الناجمة عن الاحتباس الحراري واستنزاف الطاقة الطبيعية للأرض وتوظيف الثروات لإنتاج الأسلحة وتغطية نفقات الحروب. ومن يسيطر على 15 في المئة يتحمل النسبة نفسها من المسئولية، كذلك من يسيطر على 10 في المئة وهكذا وصولا إلى الدول التي لا تمثل سوى واحد في المئة أو نصف في المئة وانتهاء بالأصفار (الدول الفاشلة).

هناك دول خارج المعادلة أصلا وهي تعيش تحت سقف خط الفقر ويبلغ دخل الفرد فيها أقل من دولار يوميا في وقت تقوم الشركات الكبرى في حفر أو نبش خيراتها بالتواطؤ مع الحاكم ومن دون علم أو معرفة من الناس وأصحاب الأرض. فهذه الدول (بعض إفريقيا وآسيا) لا يمكن تحميلها مسئولية الاحتباس الحراري والسباق على التسلح وتهريب المواد المشعة أو التآمر الفوضوي على البورصات وأسواق المال لأنها أصلا لا تملك قاعدة اقتصادية للإنتاج الصناعي.

الدول الكبرى تتحمل المسئولية وهي الطرف المطالب باتخاذ قرارات تاريخية وخطوات جريئة لإنقاذ البشرية من الانهيار والأرض من الخراب والاقتصاد من الدمار. وهذه المعادلة النسبية بين ميزان القوة والمسئولية تشكل المخرج النظري إلى سياسة عملية تنقل المأزق الكوني من الكلام إلى الفعل الميداني.


تصحيح المعادلة

حتى تكون المعادلة صحيحة لابد أن تعترف الدول الكبرى بالمسئولية وتتنازل عما تعتبره ملكيات خاصة ومسألة داخلية ومصالح قومية عليا وغيرها من ذرائع، وتبدأ في تطبيق مبادئ البيانات وتحويل فقرات القرارات الدولية إلى آليات فاعلة.

المشكلة حتى الآن أن الدول الكبرى تتهرب من تحمل المسئولية وترى أن الجميع يتشاركون وعلى درجة واحدة في مهمة الإنقاذ. وهذه المسألة كانت ولاتزال تشكل ذاك العائق الأخلاقي - القانوني ما أدى إلى تأخير تنفيذ القرارات المشتركة التي تمس توازن الطبيعية في العالم. ولهذه الأسباب الذاتية (الأنانية القومية) عبر الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في نهاية قمة الأمم المتحدة عن المناخ والاحتباس الحراري عن خيبة أمله وعدم إمكان «التوصل إلى اتفاق منصف وفعال وواعد في كوبنهاغن». فالأمين العام أبدى قناعته باحتمال المحافظة على الزخم السياسي بشرط أن يتجاوز قادة الدول حدود «المصالح القومية الضيقة». كلام بان كي مون عن وجود عقبات ناجمة عن التمسك بالمصالح القومية الضيقة وعدم استعداد الدول الكبرى التفريط بالتزاماتها الحكومية والرسمية للدفاع عن احتكارات الشركات (الكارتيلات) وحماية المجمعات الصناعية المحلية أو «المتعددة الجنسية» يؤشر إلى وجود خلل في المنظومة الدولية ما يستدعي فعلا إعادة قراءة الأسباب الحقيقية (الموضوعية) التي تجرجر البشرية إلى سلسلة انهيارات دائمة.

المسألة لا تتوقف على المناخ والاحتباس الحراري وتدمير البيئة واستنزاف ثروات الأرض وإنما أيضا تشتمل موضوعات الأسواق والنقد والتنافس والاحتكار والسيطرة الكلية. فالقمة الاقتصادية التي عقدت في مدنية بيتسبرغ وهي الثالثة منذ انفجار فقاعة البورصات والأسهم الوهمية يبدو أنها أيضا لن تتوصل إلى تفاهمات عقلانية بشأن احتواء عناصرها التي تشكل الأساس الواقعي للانهيار المالي العالمي. حتى خبراء «صندوق النقد الدولي» حذروا من الإفراط بالتفاؤل وتوقعوا أن احتمال استمرار الركود مسألة واردة. وعدم استبعاد خبراء الاقتصاد انتهاء الأزمة يشكل رسالة غير مباشرة للدول الكبرى بأنها تتحمل مسئولية الركود في حال واصلت سياسة التهرب من الوقائع الميدانية. فالكوارث الأمنية والبيئية والنقدية تقتضي تجاوز موروثات تخطاها الزمن وتحتاج إلى مراجعة خلاقة للعلاقات الدولية التي تأسست في فترة تاريخية.

مشكلة الدول الكبرى أنها تعترف ولا تعترف. فهي من جانب تؤكد مسئوليتها الأولى ولكنها حين يبدأ التنفيذ تتراجع عن موقفها وتأخذ بالتهرب من التفاهمات والتوقيعات والبيانات والقرارات وتوزع المهمات بالتساوي والشراكة على مختلف الأمم من دون تمييز بين القوي والضعيف أو الكبير والصغير.

المسألة كما يبدو بحاجة إلى وقت حتى تبدأ الدول الكبرى تعترف بالمسئولية الأولى وأنها مطالبة بإعادة النظر في منظومة العلاقات الدولية التي وصلت إلى درجة من التأزم الانفجاري في عهد بوش. الوقت ضروري للاقتناع ولكن الأزمة متسارعة وتتطلب فعلا الإسراع في تطوير مبدأ العدالة الموروث تاريخيا عن المرحلة القومية لتكوين الأمم. فالعالم الآن دخل مرحلة التدويل ولم تعد المشكلات قومية خالصة تقتصر تفاعلاتها وتداعياتها على دولة من دون غيرها. وهذا التداخل في المصالح والتشابك في الأسباب والنتائج يحتاجان إلى رؤية خلاقة تتجاوز تلك العقلية «القومية الضيقة» التي جاء الأمين العام على ذكرها تعقيبا على فشل قمة المناخ في الأمم المتحدة.

لاشك في أن القمم الثلاث تشكل علامات فارقة في منظومة العلاقات الدولية ولكنها ليست كافية وهي أقل من المتوقع باعتبار أن الأزمات كبيرة وكارثية وكونية وهي تحتاج فعلا إلى برامج قادرة على تجاوز الموروثات والتقسيمات المصطنعة. ومثل هذه المهمات الكبيرة تتطلب رؤية جديدة تتجاوز الكثير من الحلول المتعارف عليها وإلا ستتحول مشكلات الأمم من مأساة إلى ملهاة وفق نمط «خيمة» العقيد القذافي في نيويورك ومطالعاته الصبيانية في الجمعية العامة أو كوميديا مضجرة تدعي البطولات والانتصارات الوهمية على طريقة «محارق» محمود أحمدي نجاد.

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 2577 - الجمعة 25 سبتمبر 2009م الموافق 06 شوال 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 6:29 م

      ام شهد

      السؤال الذي يطرح نفسه بالحاح ؟اين تكمن المسؤليه الدوليه في معالجة الاحتباس الحراري وماهي الخطوات التي اتخذت لجعل الاتفاقات الدوليه ذات العناوين الرنانه تحمل عنصر الالزام .ان مسؤلية المجتمع الدولي اصبحت في ظل المتغيرات الدوليه اكثر حساسيه وصار لزاما على الدول المتضرره رفع اصواتها لرفع الضرر عنها ونشر الوعي اللازم حول الموضوع

اقرأ ايضاً