العدد 288 - الجمعة 20 يونيو 2003م الموافق 19 ربيع الثاني 1424هـ

تمرد الولايات المتحدة

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

تسود العالم فوضى سياسية. فالدولة الكبرى التي يفترض أن تكون المثال في احترام مواثيق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن خرجت على الاجماع الدولي وأخذت تتصرف باستقلال عن إرادة الشعوب مستخدمة قوتها العسكرية في فرض شروطها على «النظام الدولي». والدول الكبرى التي يفترض بها أن تتمسك بالشرعية الدولية لضبط انفلات السياسة الأميركية وتمردها على اجماع الأمم أخذت تتراجع عن المواثيق والاتفاقات والقرارات في اعتبارها قواعد مشتركة، اتفقت عليها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لجأت إلى البحث عن مخارج غير قانونية لتبرير الهجوم الأميركي وتحصيل بعض المكاسب من وراء عقد صفقات تجارية مع الدول الكبرى.

هذه الفوضى السياسية إذا استمرت من دون رقابة ستدفع بالنظام العالمي إلى مزيد من التفكك والحروب وتضارب المصالح في لحظة تشهد الأمم المتحدة حالات من الانكفاء وعدم قدرة على الفعل أو التدخل. فالأمم المتحدة الآن تحولت إلى ما يشبه جامعة الدول العربية، أي مجرد مساحة (مسرح) لإلقاء الخطب السياسية واصدار بيانات (قرارات) لا تنفذ... وإذا نفذ بعضها يكون خدمة لضرورات تقتضيها مصالح الدول الكبرى التي يبدو أنها باتت متفاهمة ضمنا على الفوضى وترتيب شئونها الخاصة من دون مرجعية دولية.

المشكلة إذا كبيرة. فحين تخالف الدول الصغيرة القرارات الدولية من السهل على مجلس الأمن ضبطها واتخاذ سلسلة إجراءات عقابية ضدها ولكن حين تخالف الدول الكبرى مجلس الأمن الذي هو أساسا وضع لخدمتها، فمعنى ذلك أن هناك أزمة عميقة من الصعب على الأمم المتحدة وضع ضوابط لها أو اتخاذ الإجراءات اللازمة لتصحيح المسار.

هذه الفوضى الدولية تطرح أسئلة عن معنى القوة. فهل القوة هي جغرافية (مساحة) أم بشرية (كثافة سكانية) أم اقتصادية (تقنيات وانتاج وتجارة) أم عسكرية (جيوش ومعدات قتالية متطورة) أم هي ثقافية (اعلام وفكر ومعلومات). هذه العناصر الخمسة مضافا إليها ثلاثة عناصر مهمة (موروثة وليست مؤسسة) وهي الموقع الجغرافي (الاستراتيجيا وطرق المواصلات)، والتماسك السكاني (التجانس الطائفي والمذهبي والقومي)، والثروة الطبيعية (المعادن، المياه، الطاقة، الأرض الخصبة)... تشكل كلها في المجموع العام مصادرا للقوة. وحين تجتمع معظم تلك العناصر الثمانية في دولة واحدة أو منطقة تندفع الدولة (أو المنطقة) للنمو المتسارع الذي بدوره ينتج سياسة القوة التي لا تكترث بمصالح الآخر ولا تنتبه إلى عدالة توزيع الثروة وتوازن مصالح الدول.

هذه العناصر، كما يلاحظ الكثير من علماء السياسة، اجتمعت بحدود معينة وبنسب مرتفعة في دولة واحدة يطلق عليها الولايات المتحدة. فأميركا تملك مساحة جغرافية واسعة (الثالثة في العالم من حيث المساحة) وكثافة بشرية معقولة (274 مليونا من السكان) وقوة اقتصادية وتقنية وانتاجية وتجارية (تنتج وتستهلك وتتاجر بنسبة 20 في المئة من انتاج واستهلاك وتجارة العالم) وقوة عسكرية (أقوى جيوش العالم والأحدث تقنيا) وإمكانات ثقافية (الاعلام والأفلام والمعلومات). إضافة إلى العناصر الخمسة تتمتع الولايات المتحدة بموقع استراتيجي يطل على محيطين (الأطلسي والباسفيكي) ويبتعد عن مناطق الصراع وساحاته (خاضت أميركا حروبها خارج أرضها) وتتمتع أيضا بمخزون ضخم من الثروات الطبيعية (المعادن والمياه والطاقة وتنوع المناخ والسهول الخصبة). كل عناصر القوة موجودة في أميركا باستثناء مسألة التماسك السكاني. فالولايات المتحدة أرض هجرة ومنطقة جاذبة للمهاجرين وهذا ما جعلها تفتقد إلى التجانس الطائفي والمذهبي والديني والقومي الأمر الذي عرضها دائما للهزات الاجتماعية بسبب التمييز العنصري بين الألوان والأقوام والاختلاف التكويني (الثقافي والديني) بين المجموعات الأوروبية والآسيوية والافريقية. وأهم مشكلة تواجهها الولايات المتحدة، وخصوصا بعد ضربة 11 سبتمبر/ أيلول 2001، هي مسألة تصنيف المسلمين وتعريفهم جنسيا ولونيا وثقافيا. المسلمون في هذا المعنى الاصطلاحي من الصعب وضعهم في خانة واحدة. فهم دين وليسوا قومية وهم مجموعة مركبة من جنسيات وأقوام وألوان يستحيل ضبطهم تحت عنوان واحد.

إلى التنوع هناك مشكلة الثقافة. المسلمون موحدون دينيا ومختلفون في ألوانهم وعاداتهم باستثناء التقاليد الدينية. كذلك يتفاهم المسلمون على المبدأ (العقيدة) ويختلفون على الأسلوب. وكذلك هناك مسلمون نازحون حديثا إلى الولايات المتحدة وهناك أميركيون (أفارقة في معظمهم) اشهروا اسلامهم بعد اكتشافهم أنهم ينتمون إلى جذور وقبائل مسلمة منتشرة في شريط ممتد من غرب افريقيا إلى شرقها.

هذا التنوع اسهم في تأسيس مشكلة مركبة للدستور الأميركي إذ بات من الصعب تصنيف شريحة واسعة من المجتمع تحت تعريف مشترك: مسلمون.

إلى المسلمين هناك مجموعات لونية وعرقية أخذت تتركز في مناطق محددة (بعض ولايات الجنوب والغرب والشمال) لا تتحدث الانجليزية بصفتها لغة أولى وإنما تتخاطب بلغاتها الأصلية وخصوصا اللاتينية (الاسبانية) الأمر الذي يطرح معضلة سياسية تعرض وحدة الاتحاد إلى انقسام في لحظة ضعف الدولة.

الولايات المتحدة إذا قوة كبرى لا في جيشها فقط وانما في مجموع العناصر التي تتشكل منها مصادر القوة أيضا. إلا أن هذا المجموع يعاني من أزمة داخلية تضغط سياسيا على الدولة. والدولة غير قادرة على حل المشكلات السكانية إلا بوسائل أمنية وإجراءات تعسفية بدأت تتخذها ضد المهاجرين أو ضد فئات تريد الهجرة إلى الولايات المتحدة. هذا السلوك المتوتر داخليا يفسر إلى حد كبير توتر السياسة الدولية لأميركا واستخدامها العنف كوسيلة أمنية لحل المشكلات المعقدة التي تمر بها الكثير من الدول والشعوب في العالم الثالث وتحديدا في منطقة «الشرق الأوسط». هناك فوضى سياسية تسود العالم بدءا من الأمم المتحدة إلى مختلف البقاع التي تطمح واشنطن بالسيطرة عليها، ولكن أساس ذلك التوتر ليس خروج الدول الصغيرة عن الطاعة الدولية بل تمرد إدارة البيت الأبيض على مرجعية الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 288 - الجمعة 20 يونيو 2003م الموافق 19 ربيع الثاني 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً