العدد 383 - الثلثاء 23 سبتمبر 2003م الموافق 27 رجب 1424هـ

الوجود الأميركي في العراق والتفسير المتناقض للمقاومة

محمد غانم الرميحي comments [at] alwasatnews.com

تقع «المقاومة العراقية» للوجود الاميركي بين تفسيرين متداولين، يبدو انهما متناقضان إلى حد كبير. الأول يقول ان هذه المقاومة هي تجمع لغيوم قد تتكاثر لكي تمطر على العراق اضطرابات وتظهر في المنطقة أيضا على شكل هزات سياسية بالغة التأثير، تقود المقاومة هذه في نهاية الأمر إلى هزيمة الاميركيين ودحرهم يجرون ذيول الخيبة.

والتفسير الثاني يقول ان المقاومة في عراق اليوم هي «برق خُلب» كثير الضجيج ولكنه لا يمطر، وهي تقلصات لما بعد العملية الجراحية الكبيرة التي أجريت للعراق.

وبين هذين التفسيرين، تقع الحقيقة الضائعة التي يبحث عن مضمونها كثيرون في دوائر الحكم والسلطة في عواصم كثيرة، سواء عربية أو غربية، كما يبحث عنه المتابعون للشأن العراقي بالكثير من القلق.

إلا أن الحقيقة في العراق اليوم تقع بين التفسيرين الأول والثاني، ولا يريد أي طرف من المتمسكين بالحقيقة الواحدة أن يعترف باحتمال وجود ثالثة.

نظرة إلى تاريخ العراق الحديث قد يعطينا قدرة جزئية لمعرفة الحقيقة التي قد يسفر عنها الاحتلال الاميركي للعراق.

التاريخ الحديث للعراق يبدأ من محاولة العثمانيين في مطلع القرن السادس عشر الميلادي للسيطرة على ما عرف لاحقا بأرض العراق. فقد أخذت السيطرة العثمانية المتوسعة في مطلع ذلك القرن تمتد على الأرض العربية، فأخذت الحملة على كل من الشام ومصر في عهد سليم الأول (2151 إلى 0251) حملة عسكرية واحدة لتصفية حكم المماليك، والقضاء على الدولة المملوكية، وإدخال ممتلكاتها تحت النفوذ العثماني.

غير أن المسألة تختلف عما جرى في العراق، فقد احتاج العثمانيون إلى ثلاث مراحل وعدد من الحملات العسكرية كي يبسطوا نفوذهم على العراق، ففي عهد سليم الأول انضوت الأجزاء الشمالية والشمالية الغربية إلى الدولة العثمانية. أما وسط العراق والأجزاء الشمالية الشرقية فقد دخلت تحت الحكم العثماني في عهد سليمان القانوني (ابن سليمان الأول). أما الأجزاء الجنوبية بما فيها مدينة البصرة، فلم يكن النفوذ العثماني فيها في بداية السيطرة على بغداد إلا اسميا، واحتاج العثمانيون إلى حملة عسكرية ثالثة ليوطدوا نفوذهم في البصرة، ويحولونها إلى «ايالة عثمانية» يديرها وال عثماني.

لم تكن الصعوبات التي واجهها العثمانيون وقتها نابعة فقط من «مقاومة عراقية»، بل كانت أيضا من جراء تعضيد من دول الجوار، وكانت «الدولة الصفوية» في إيران هي أحد محركات المقاومة كون أراضي العراق تقع على نقطة تماس بين ثقافتين عربية وفارسية.

إلا أنه في نهاية المطاف كان حكما عثمانيا طويل المدى على العراق استمر ما يقارب من أربعة قرون، حتى سقط ذلك الحكم تحت ضربات الجيش البريطاني المتقدم من الخليج في مطلع القرن العشرين.

دخول الجيش البريطاني، والنفوذ البريطاني في أعقابه في مطلع القرن العشرين، لم يكن سهلا أيضا، فسرعان ما تواجه بـ «مقاومة» يصف المؤرخون أسبابها بالقول ان السلطة البريطانية أرادت أن تخفف من النفقات العسكرية لحملتها على العراق، وأيضا لمعاقبة المشاغبين من شيوخ العشائر العراقية، فطالبت السلطة الجديدة شيوخ العشائر بما هو مستحق عليهم من ضرائب ورسوم، وأيضا بالضرائب السابقة. رفض البعض الإذعان لهذه المطالب فعاقبتهم السلطة الجديدة بزجهم في السجون. من بينهم زعيم عشيرة «الظوالم» الشيخ شعلان ابوالجون. ولكن أفرادا مسلحين من أبناء العشيرة هاجموا في اليوم نفسه سجن الرميثة وأطلقوا سراح الشيخ السجين، وكان هذا الحادث بداية الشرارة لما عرف لاحقا في التاريخ العراقي الحديث بثورة العشرين.

استمرت ثورة العشرين لبضعة اشهر، وامتدت إلى أماكن متفرقة من العراق، ولكنها وبعد مقتل نحو أربعمئة من الجنود والضباط الإنجليز والهنود المصاحبين لهم، ونحو 0004 عراقي، انتهت الثورة كي تستقر الإدارة البريطانية، ويذهب المؤرخون في تفسير ذلك بأن الثورة كانت عشوائية غير منظمة، ينقصها العتاد والقيادة، ولعب المال في استمالة بعض شيوخ العشائر الذين شاركوا فيها.

واستمر حكم بريطانيا في العراق، مع النظام الجديد تحت فرع من حكم الهاشميين إلى نهاية الخمسينات من القرن الماضي. وان كان النفوذ البريطاني تقلص بعد ذلك إلا انه استمر بشكل ما، ويقول بعض المؤرخين انه حتى حكم البعث (على الأقل الأول) كما نقل عن صالح السعدي القيادي الكبير في البعث العراقي في الستينات من القرن الماضي، انه قال لقد جئنا بقطار بريطاني.

ملخص الحوادث ودروسها أن المقاومة في العراق اليوم لها صدى كبير في أذهان البعض لان هذا البعض يريد أن يضخم «المقاومة» كما أنها غير بريئة من النفوذ الخارجي أيضا.

إلا أن المراقب لا يرصد مشروع مقاومة للاميركيين في العراق اليوم بشكل منظم وله أهداف واضحة المعالم، ولقد زاد من هزل المقاومة تلك تصريحات الرئيس السابق صدام حسين والموجهة للاميركيين، أن تفاوضوا للخروج من العراق مع قادة الحكم «المسجونين لديكم»!

ربما المقاومة السياسية الأبرز للوجود الاميركي في العراق، نراها بشكل أكثر وضوحا في هذا النقاش الدائر للتسخين للانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة نفسها، أكثر مما نراه في المدن العراقية، فهناك تيار لاسباب اميركية بحتة، يناقش حكمة البقاء الاميركي في العراق، والأموال الضخمة المصروفة هناك، ربما يتطور للتأثير على السياسات باتجاه الصرف على العراق من أموال العراقيين، ما يعيد شرارة أسباب (ثورة العشرين).

استطلاعات الرأي في العراق، حتى الآن - التي من المفترض أن تكون علمية - تقول ان غالبية العراقيين يرون في «التحرر من الاستبداد» فائدة عظيمة، ويعترفون انه لولا ماكينة الدروع الاميركية لما وجد العراقي القدرة على التنفس السياسي، في ظل تسلط قهري مفرط القسوة.

والعرب في جامعتهم اخذوا علما بالمقابر الجماعية التي أصبحت علما على الاستهتار بقيمة الإنسان العراقي، ووافقوا أيضا على التعامل مع ممثلي السلطة الجديدة.

فقط اؤلئك الذين دربوا على هتاف (بالروح بالدم) المقيت وغير الإنساني، هم الذين مازالوا لسبب في أنفسهم أو نقص رؤية سياسية يضخمون موضوع «المقاومة» بالشكل الذي يرضي مخيلتهم.

إلا أن الوجود الاميركي ليس سهلا وهينا في العراق، أو أن طريقه مفروش بالزهور، فهو يحتاج إلى الكثير من العمل الجاد مع العراقيين أنفسهم للخروج من المأزق الكبيرة والكثيرة التي تحيط بوجودهم.

ربما إشراك دول أخرى في العمل الأمني والإداري هو خطوة إلى الأمام، إلا أن الأفضل هو تعيين «خريطة طريق» للعراق باجندة واضحة المعالم، إذ إن الحلول المؤقتة التي تستجيب للعاجل من الأمور وتسترضي البعض من الفئات أو الطوائف قد يمهد لوجود اجندة مضادة قد لا تنفع فيها المضادات التسكينية السريعة.

إقرأ أيضا لـ "محمد غانم الرميحي"

العدد 383 - الثلثاء 23 سبتمبر 2003م الموافق 27 رجب 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً