العدد 388 - الأحد 28 سبتمبر 2003م الموافق 02 شعبان 1424هـ

لماذا نتردد في طرح النشاط المناطقي؟

عن «جمعية المحرق الأهلية»

محمد العثمان Mohd.Alothman [at] alwasatnews.com

إن الانتقال من مجتمع القبيلة والطائفة او الحزب الحاكم الأوحد إلى مجتمع مدني متنوع متعدد مؤسساتيا وتكون فيه السيادة للقانون، وما يرافق ذلك التطور والانتقال من تعدد في الرؤى واختلاف في المذاهب على امتداد مساحة الدولة، كل ذلك يعد من أساسيات المراحل الانتقالية وفي الآن يجب ان ترتكز تلك المؤسسات الاهلية على اسس واضحة المعالم. ولا يكفي اشهار الكثير من الجمعيات لكي نقول ان المجتمع يعيش في «بحبوحة فكرية» او «ترف مدني» ان صح التعبير. فالأهم من ذلك فعل تلك الجمعيات على أرض الواقع، ومدى انتقالها من مرحلة التنظير إلى مرحلة التطبيق الفعلي على الأرض واختيار آليات العمل المناسبة.

وفي المناسبة قرأت خبر انشاء جمعية تهتم بالشأن العام المحلي لمنطقة المحرق كما هو اسمها (جمعية المحرق الاهلية) استبشرنا خيرا بقيام مثل تلك الجمعية، وذلك من أجل قيام جهة اهلية تهتم بالعاصمة القديمة. وتهتم قبل كل ذلك بالمحرقي الذي طاله التغيب ابان الحقبة الماضية وإلى هنا الموضوع جد مفرح، اهتمام بالمحرق وأهلها شيء مفرح. ولكن ما ان استعلمت من احد الاعضاء المؤسسين عن طبيعة الاهتمام وآلية العمل حتى صعقت لتشتت الرؤى وتعددها وكثرة الاهداف وتنوعها، واختلاف الانتماءات السياسية لاعضائها من اليمين إلى اليسار مرورا بالوسط. وذلك مقبول بلا شك في الجمعيات الخدمية المناطقية، ولكن البعض بلا شك سيحاول «تسييس» الجمعية ناحية فكر معين وايديولوجية محددة، والبعض سيحاول حصر الجمعية في الجانب الخدماتي البحت وذلك هو المطلوب. ولكن كما سنبين لاحقا الموضوع أخذ المنحى الأول. وهو التسييس!

قد يكون المطلوب ونحن في مرحلة الانتقال ناحية المجتمع المدني ومع وجود هذا الكم من الجمعيات السياسية منها والحقوقية التي لم تدع طريقا سياسيا الا انتهجته، فهناك المنبر الاسلامي (امتداد جماعة الاخوان المسلمين) والوفاق والعمل الاسلامي (امتداد لمرجعيات شيعية) والأصالة الاسلامية (التيار السلفي الذي يجيز الدخول في الانتخابات والمشاركة الشعبية) والوسط العربي الديمقراطي (خليط من اسلاميين وقوميين) والمنبر التقدمي (يمثل جبهة التحرير) والعمل الوطني (امتداد الجبهة الشعبية) والتجمع الوطني الديمقراطي (نتاج ظروف مرحلية) وكان من المفترض ان يتكون من الجبهتين السالفتي الذكر وجماعات، شيوعية، بعثية، ومستقلة... الا ان الخلاف بينهما حال دون ذلك. ويمثل التجمع الآن منشقين عن الجبهة الشعبية وبعض الليبراليين الديمقراطيين. وبين هذه الجمعيات هناك جمعيات متناثرة متوزعة ذات اليمين وذات اليسار، وفي خضم هذا التنوع لا يبدو هناك اية حظوظ لجمعية «المحرق الاهلية» اذا ما اراد القائمون عليها تسييسها. ومن الأفضل بعد قراءة خريطة الواقع السياسي، انتهاج الخط الخدمي الاجتماعي الذي يمثل الخانة الشاغرة التي يمكن من خلالها الوثوب للعمل الوطني. ولكن يبدو ان الاخوة في الجمعية خالط مقدمة تأسيسهم للجمعية بعض الإبهام، حين ركزت الورقة على إظهار أمور، بقصد او بغير قصد، أعطت الانطباع بان الجمعية مسيسة، وذلك من مثل ما نصت عليه مقدمة تأسيس جمعية المحرق الاهلية... «ويكون لها موقف من جميع ما يطرح على الاصعدة المختلفة». ومما هو معلوم أن أية جمعية تتخذ موقفا فهي تستند إلى أفكار وثقافة وبمعنى اصح ايديولوجية معينة ومذهب محدد. والأصح لو جاء تقييد للجملة لتصبح «يكون لها موقف على الصعيد الاجتماعي الخدمي»، ذلك ان المقدمة أكدت أيضا ان الجمعية «ليست ذات اتجاهات عقائدية ومذهبية وسياسية محددة». فلماذا اذا «الأصعدة المختلفة»؟ كأن الجمعية تقول إنني غير سياسية ولكني سأمارس الفعل السياسي، وذلك ما هو متوقع!

ثم هناك حال أخرى فيما يخص مناطقية الجمعية، فتؤكد مقدمة التأسيس ان الجمعية غير مناطقية وستفتح باب التسجيل لكل من يرغب في ذلك، واستخدام اسم المحرق «لم يكن لنزعة اقليمية او مناطقية». ولا أدري لماذا يخشى القائمون على تلك الجمعية من وسم جمعيتهم بالمناطقية، طالما انهم يريدون تطور وتطوير المحرق ورقيها. وجاء في مقدمة التأسيس تأكيد «... ذلك للمحافظة على المدينة القديمة بطابعها الأصيل وتكوينها العمراني الفريد وتعزيز قيمتها التراثية والتاريخية والحضارية وهذا ما يوجب تضافر ابناء هذه المدينة البررة من القادة والرواد...» ولا نعلم ما الضير في تكاتف ابناء قرية او مدينة واتحادهم وعمل جمعية ينضوون تحت لوائها، خادمة منطقتهم، فما المشكلة في ذلك؟ وهل ينتقص من احد العمل من أجل المحرق ام يزيده شرفا وعزا وفخرا؟ فاذا كانت الجمعية تهتم بالشأن الخدماتي الاجتماعي، فما الضير في أن تكون مناطقية بحتة؟ ولا أظن ان من وقع على تأسيس تلك الجمعية لا يريد أن يتشرف بخدمة المحرق وأهلها بل ذلك ما يتمناه كل محرقاوي غيور وهو وسام يتقلده كل بحريني. فخدمة المحرق شرف، ومثل تلك الجمعيات المناطقية الخدمية تنتشر وبكثرة في الأنظمة الديمقراطية ولا تثار حولها اية شبهات او اتهامات، فمتى نغادر تلك العقلية؟

وأخيرا فإن المجال الخدمي هو ما نحتاج إليه لإنشاء جيل واع قادر على صناعة مستقبله ومواجهة تحديات المرحلة المقبلة. جيل يتطلع إلى بناء الدولة الحديثة. وبالتالي فان تكوين وعي عام قادر على مسايرة الواقع لتغييره إلى الأفضل هو مهمه - صعبة. وتربية جيل يتعاضد بشكل موضوعي لبناء مجتمعه لا يكون همه الاول صراعات الكبار السياسية، ولا يستخدم طرفا في معادلة السيطرة على الساحة السياسية، هو غاية نبيلة... انها لمسئولية كبيرة تلك التي تشكل وعيا اجتماعيا خدماتيا مناطقيا، نأمل ان تستطيع «جمعية المحرق الاهلية» تهيئة الظروف الملائمة لتكوين مثل ذلك الوعي. نأمل ذلك.

إقرأ أيضا لـ "محمد العثمان"

العدد 388 - الأحد 28 سبتمبر 2003م الموافق 02 شعبان 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً