العدد 2334 - الأحد 25 يناير 2009م الموافق 28 محرم 1430هـ

«الشرق الأوسط» بين الاستطلاع الأميركي والحل العادل

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

يصل المبعوث الأميركي جورج ميتشل الأربعاء المقبل في زيارته الأولى إلى المنطقة لإجراء مشاورات مع الدول والقوى المعنية بالسلام بشأن استئناف المفاوضات التي توقفت بعد العدوان على غزة. المبعوث المكلف من قبل الرئيس باراك حسين أوباما لا يتوقع الكثير من مهمته نظرا للمتغيرات التي يمكن أن تحصل في «إسرائيل» بعد الانتخابات التي ستعقد في 10 فبراير/ شباط المقبل. وإذا صحت الاستطلاعات فإن حكومة ايهود أولمرت سترحل في القريب العاجل لتقوم مكانها حكومة ائتلافية أخرى برئاسة بنيامين نتنياهو تتمثل فيها مجموعات متطرفة ومغالية في تشددها العنصري و«الديني» و«القومي». وهذا الاحتمال يمكن أن ينعكس سلبا على طموحات إدارة واشنطن الجديدة ويؤخر تلك التوقعات التي راهنت على إمكان تحقيق اختراق نوعي في مسألة «الشرق الأوسط» وموضوع قيام دولة فلسطينية «قابلة للحياة».

المتغير الإسرائيلي المتوقع حصوله في نهاية الشهر المقبل نقطة مهمة لكون مسألة السلام الموقوف منذ عقود تتوقف على مدى استعداد حكومة تل أبيب على التكيف مع التطورات والقبول بالأمر الواقع والاعتراف بالقرارات الدولية والتعهدات التي التزمت بها سابقا. فالكرة الآن في الملعب الإسرائيلي وعلى تل أبيب أن تختار بين مشروع السلام الذي توافقت عليه الدول العربية مجتمعة في بيروت في قمة العام 2002 وبين احتمال التراجع عن مبادرة السلام العربية والذهاب نحو المجهول. والمجهول يفتح أبواب المنطقة على صراعات دائمة لن تكون بالضرورة لمصلحة الجانب الإسرائيلي. فالزمن تغير ولم تعد تل أبيب في موقع الطرف القوي الذي يفرض شروطه وخياراته وقناعاته من دون احترام لمطالب الطرف الآخر وحقوقه المشروعة التي أقرت في الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن.

وصول ميتشل إلى المنطقة الأربعاء المقبل لا يعول عليه كثيرا لأن الزيارة الأولى تحصل في وقت ضائع وقبل الانتخابات الإسرائيلية بأسبوعين ما يعني أن باب المفاوضات سيغلق إلى فترة محددة بانتظار تبلور هيئة حكومة تل أبيب المقبلة وبرنامج عملها ونظرتها إلى مستقبل المنطقة وعلاقات الدول في إطار مشروع بناء كيان فلسطيني مستقل. إلا أن زيارة ميتشل الاستطلاعية يمكن أن تساهم في إرسال إشارات سياسية مبكرة عن طبيعة الرؤية الأميركية بشأن السلام في «الشرق الأوسط» في ظل قيادة جديدة.

ميتشل يدرك أن مهمته صعبة ولكنها غير مستحيلة إذا استطاعت واشنطن استخدام علاقاتها الخاصة مع «إسرائيل» للضغط على تل أبيب وتطويعها حتى تتكيف مع المتغيرات التي أخذت تميل شيئا فشيئا إلى الجانب العربي - الفلسطيني. وجولة الاستطلاع الأولى قد تكون مفيدة لاختبار النوايا وإعادة قراءة المسألة من زاوية أميركية جديدة تخالف ذاك الانحياز المطلق والأعمى الذي اختارته إدارة جورج بوش. والجولة الاستطلاعية يمكن أن تكون خطوة تؤسس بداية لتطوير علاقات عربية - أميركية تعرضت للكثير من الامتحانات والضربات والملابسات بسبب العداء التقليدي للشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة.

زيارة استطلاع

لا يتوقع الكثير من الزيارة الأولى ولكن الرهان يبدأ بعد الانتهاء من مرحلة الاستطلاع والاختبار وجس النبض. فبعد مرور هذه المرحلة ستظهر على السطح مدى جدية واشنطن في اختيار الطريق المتوازن الذي يبدأ في تنفيذ التزاماتها ووعودها بالضغط على حكومة تل أبيب الجديدة في وقف توسيع مستوطناتها وإلغاء مشروعات التمدد السكاني وإزالة الحواجز والموانع والسواتر التي تقطع أوصال الضفة الغربية.

منع «إسرائيل» من توسيع الاستيطان يشكل نقطة مهمة تعطي فكرة معقولة عن جدية واشنطن ومدى استعدادها لاستخدام نفوذها والضغط على الاحتلال للتراجع والقبول بالقرارات الدولية التي أعلنت المبادرة العربية الالتزام بها. وقف التوسع يشكل خطوة بالاتجاه الصحيح ويفتح الباب للتفاوض على تفكيك المستوطنات وجدار الفصل العنصري ومسألة العودة والبدء في تأسيس دولة فلسطينية مستقلة. أما إذا فشلت واشنطن في تحقيق الحد الأدنى (تجميد الاستيطان ومنع المستوطنات من التمدد) فمعنى ذلك أن الطريق الأميركي إلى الحل الشامل والمتوازن والعادل سيصاب بالأعطال والشلل وستدخل إدارة أوباما في متاهات ومتعرجات تنتهي في المطاف الأخير إلى الفشل وانهيار المفاوضات والعودة إلى المواجهات الساخنة.

القرار الأميركي حتى الآن ليس واضحا إلا أن تصريحات الرئيس أوباما الأخيرة ألقت الضوء على بعض الجوانب حين دمجت بين أمن «إسرائيل» ورفع الحصار عن غزة وفتح المعابر. والجمع بين أمن «إسرائيل» وضحايا الاحتلال في سياق تأكيد الالتزام بالقرار الدولي 1860 يؤشر إلى وجود استعداد لرفع السقف الأميركي ضمن هامش مناورة محكومة بظروف واعتبارات لا تخرج عن حسابات استراتيجية موروثة عن العهود السابقة. ومثل هذا الالتزام التقليدي يشكل بحد ذاته عقبة في وجه احتمال تطور الدور الأميركي وانتقاله من الانحياز إلى الحياد الإيجابي.

عدم قدرة الرئيس أوباما على تطوير الدبلوماسية الأميركية في دائرة «الشرق الأوسط» قد يشكل خطوة تراجعية في إطار النشاط الذي يطمح المبعوث ميتشل إلى إطلاقه خلال زيارته الأولى. فالجمود يعني الشلل ويمكن أن يؤدي إلى تكرار الزيارات من دون نتيجة عملية كما حصل مع وزيرة الخارجية السابقة كوندوليزا رايس. فالوزيرة رايس كسرت الأرقام القياسية في جولاتها على المنطقة واتصالاتها الدائمة بالدول والقوى الفاعلة من دون أن تتوصل إلى إقناع حكومة أولمرت بوقف توسيع المستوطنات أو تفكيك الحواجز الأمنية أو رفع السواتر الترابية.

المنطقة العربية ليست بحاجة إلى تكرار تجربة كسر الأرقام القياسية في الزيارات والجولات والاتصالات بقدر ما تتطلع إلى رؤية أميركية عادلة تقرأ المسألة في سياقها التاريخي - الجغرافي وما يتطلبه الحل الشامل من عقلانية متوازنة تحترم المصالح والحقوق. وهذا الأمر ليس كثيرا على العرب والشعب الفلسطيني باعتبار أن المطلوب من «إسرائيل» الحد الأدنى ولا يتجاوز في حدوده القصوى تلك التوافقات الدولية التي أجمعت عليها الأمم المتحدة في قراراتها.

حتى الآن لاتزال الولايات المتحدة الطرف الأقوى في معادلة «الشرق الأوسط» وهذا ما يعطي الرئيس أوباما فرصة تاريخية للتدخل وممارسة ضغوطه على تل ابيب للتجاوب مع الحد الأدنى وتحقيق اختراق في مسألة موقوفة وممنوعة من الحل منذ العام 1948. ومثل هذه الفرصة تتطلب من الجانب الأميركي إعادة النظر في خطاب نمطي مكروه من شعوب المنطقة العربية - الإسلامية. وإعادة قراءة خريطة المعادلة يحتاج فعلا إلى قيادة اميركية تمتلك الشجاعة على كسر المحرمات وتوظيف قوتها في «الشرق الأوسط» باتجاه تعطيل الطموحات الإسرائيلية ومنع تل ابيب من الاستمرار في سياسة المكابرة وتوريط واشنطن في حروب تخدم الأهداف الصهيونية وتثير الشعوب ضد الولايات المتحدة ومصالحها وموقعها ونفوذها.

وصول ميتشل إلى المنطقة الأربعاء المقبل في الوقت الضائع يخفف من التوقعات ويضع الزيارة في إطار الاستطلاع والاختبار وجس النبض. والجديد فيها يتطلب قراءة مخالفة للعهود السابقة وهذا الأمر يحتاج إلى سياسة أميركية يبدأ تأسيسها في واشنطن لتعطي نتائجها في تل ابيب. وفي حال لم يتخذ الرئيس اوباما مثل هذا القرار التاريخي فأن جولات ميتشل اللاحقة لن تكون أفضل من زيارات رايس التي كسرت الرقم القياسي في التعثر والفشل

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 2334 - الأحد 25 يناير 2009م الموافق 28 محرم 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً