العدد 470 - الجمعة 19 ديسمبر 2003م الموافق 24 شوال 1424هـ

رسالة إلى قادة مجلس التعاون الخليجي

بمناسبة انعقاد القمة في الكويت

عبدالله سعد الحويحي comments [at] alwasatnews.com

ينعقد الشهر الجاري في دولة الكويت اجتماع قادة دول مجلس التعاون الخليجي في دورته الثانية والعشرين، وينعقد هذا المؤتمر في ظل ظروف إقليمية وعربية ودولية تعتبر غاية في الخطورة، إذ يأتي المؤتمر بعد سقوط نظام صدام حسين في العراق واحتلال دولة عربية على يد الاستعمار الأنجلو - أميركي بقرار انفرادي من الولايات المتحدة، ومن دون أية مظلة أو شرعية دولية، الأمر الذي يفتح الباب أمام القطب الواحد للتحكم في شرعية النظام الدولي، وكذلك شرعية الأنظمة في العالم اجمع.

وينعقد المؤتمر بعد ثلاثة زلازل أصابت منطقة خليجنا العربي في العقدين الماضيين، هي الحرب العراقية الإيرانية (1980 - 1988)، حرب تحرير الكويت (1990 - 1991)، وحرب إسقاط نظام الحكم في العراق (2003)، والتي جعلت المنطقة في حال من السيلان والحركة يسهل معها عمليات التفتيت والتشظية في سبيل تحقيق المصالح الاستعمارية بعيدة المدى، والمتمثلة في السيطرة على منابع الطاقة في العالم، إذ تمتلك منطقة الخليج ثلث مخزون العالم من النفط وما يزيد من الغاز الطبيعي، وان كل هذه الثروات تجعل لعاب القوى الكبرى - وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية - تسيل معها للهيمنة على هذه الثروات في ظل تناقص المخزون الاستراتيجي للنفط في أميركا، والذي يتطلب تأمين مصادر الطاقة الأخرى في العالم لإبقاء الهيمنة الأميركية على الاقتصاد الدولي، وبالتالي السيطرة على العالم لصالح المواطن الأميركي والأوروبي، وما الحروب التي تشنها الولايات المتحدة في العالم اليوم - تحت دعوى مكافحة الإرهاب - إلا الشماعة التي تستخدمها لأجل ذلك، والتي بدأت بإسقاط نظام طالبان في أفغانستان، وبالتالي السيطرة على منابع النفط ببحر قزوين.

ونحن في ظل هذه الظروف - بالإضافة إلى ما تتعرض له القضية الفلسطينية من محاولات للتصفية على يد الإرهابي شارون وبدعم مباشر من الولايات المتحدة لوضع النضال الوطني الفلسطيني في سلة الإرهاب، وفي ظل حال الضعف الكبير للنظام العربي في مواجهة الأخطار الكبيرة التي تواجهه - نتطلع إلى اجتماع القادة في دولة الكويت بأمل، بأن يخرج المؤتمر بشكل مختلف عن المؤتمرات السابقة، ويكفينا اثنان وعشرون عاما حتى الآن ولم يحقق هذا المجلس شيئا يذكر على مستوى الواقع، سوى إصدار القرارات، التي - للأسف - لا ينفذ إلا القليل واليسير منها.

إن الأخطار المحدقة كبيرة جدا ونحن لا نتوقع من هذا المؤتمر أن يتخذ قرارات كبرى استثنائية، ولكن أن يكون بداية الصحوة التي ننطلق منها لبناء وطننا الواحد، ليكون البداية التي ننقد فيها أنفسنا، ونعترف بمواضع الخطأ لدينا للانطلاق إلى المستقبل.

وحتى نكون أكثر ايجابية، نطرح مجموعة من القضايا التي تهم المواطن الخليجي، والتي يمكن أن نحافظ من خلالها على وحدة المنطقة وسلامتها الإقليمية والتي تتمثل في الآتي:

على المستوى الاقتصادي

إن أي بناء قوي لا يمكن أن يتم إلا من خلال خطوات اقتصادية وتجارية تربط المصالح المشتركة لشعوب ودول المنطقة. إن جزءا من المنطقة العربية والخليجية يتعرض لضغوط كبيرة في سبيل التوافق مع اتفاق منظمة التجارة العالمية (الجات)، فلقد فرض علينا التوافق مع متطلبات هذا الاتفاق مع نهاية العام 2004 ومطلع العام 2005، إذ ستكون الأسواق مفتوحة أمام جميع البضائع في العالم، فماذا فعلنا لمواجهة هذا الطوفان الذي قد يدمر اقتصاداتنا الهشة والضعيفة؟ إن المطلوب اتخاذ مجموعة من الإجراءات والتي هي على سبيل المثال لا الحصر تتمثل في الآتي:

1- السوق الخليجية الموحدة، إذ أصبح من الضروري إنشاء هذه السوق في أسرع وقت ممكن و إزالة جميع العوائق التي أمامها لمواجهة حال العولمة المفروضة علينا.

2- العملة الخليجية الموحدة، فمن المطلوب العمل على تفعيل هذه التوصية الصادرة من أحد الاجتماعات المشتركة، وتسريع عملية إصدار هذه العملة للتعاطي مع هذه المتغيرات، لقد أدركت أوروبا ذلك فأصدرت عملتها الموحدة (اليورو) في ظل اكتساح الدولار للعالم، إننا لن نستطيع مواجهة ذلك إلا بوجود عملة موحدة فيما بيننا.

3- تسريع تنفيذ التوصيات والقرارات الاقتصادية التي تم الاتفاق عليها في المؤتمرات السابقة من خلال وضع آلية عمل واضحة تابعة للأمانة العامة والتعامل بشكل جاد وحاسم مع هذه الآلية، والعمل على استبعاد كل من يعمل على إعاقة تنفيذ القرارات، ونطرح مثالا لذلك، وهو مشروع الربط الكهربائي بين دول مجلس التعاون والذي مازال حبيس الملفات واللجان منذ أكثر من 12 عاما.

على المستوى السياسي

العمل من الآن على إرساء الديمقراطية في جميع دول المنطقة من دون استثناء، وتعميقها وتطويرها في الدول التي بدأت بالفعل. إن المطلوب أن تلتف الشعوب حول أنظمة الحكم وهذا الأمر لن يتحقق إلا بمزيد من الديمقراطية تعطي شعوب المنطقة مزيدا من الإرادة في حكم نفسها، وبالتالي الدفاع عن وحدة ترابها وأنظمة الحكم فيها.

أما الخطوة الأخرى - التي ليس للقادة بد منها - فهي توحيد المنطقة في كيان سياسي واحد يستطيع أن يصمد أمام الأمواج العاتية.

إن محاولات التشطير والتمزيق تحت دعاوى طائفية وقومية وإثنية، ستبقـى أحـد أهداف الاستعمار الجديد لتحقيق أهدافه وأغراضه، وهذا العراق أمامنا مثلا، وان الرد الوحيد أمامنا في التوحيد السياسي بالاستفادة من تجارب بعض الدول في جنوب شرق آسيا والتي استطاعت أن تتوحد وتحقق تنمية اقتصادية واجتماعية رائدة. ليس المطلوب أن ننفذ ذلك اليوم ولكن أصبح من الضروري اتخاذ هذا القرار الاستراتيجي للحفاظ على كيان هذه المنطقة.

على المستوى الثقافي

انه من باب أولى أن نقوم بممارسة النقد الذاتي في طريقة التعامل التي تمت في العقود الثلاثة الماضية في القضية الثقافية والفكرية، وتمثلت في تهميش دور المؤسسات الثقافية وإعطاء الدعم للتيارات المتشددة على حساب التيارات الوسطية، وذلك بهدف محاربة التيار القومي التنويري في العالم العربي.

إن المطلوب وضع استراتيجية ثقافية وفكرية تحافظ على ثوابت هذه الأمة وفقا لرؤية وسطية تعتمد أسلوب الحوار والانفتاح على الحضارات، أو كما أفاد احد المفكرين العرب «أن نتلاقح مع الفكر الإنساني في العالم دون أن يقتلعنا من جذورنا» وهي الجذور العربية والإسلامية، لقد استطاعت حضارتنا في بدايات قيام الدولة العربية والإسلامية التفاعل مع الحضارتين الفارسية واليونانية واستطاعت أن تأخذ منهما وتعطيهما، ولنا في ذلك من السلف الصالح القدوة الحسنة.

إن هذه القضايا الرئيسية هي التي يراها المواطن الخليجي الآن، في ظل الإعصار الذي تتعرض له المنطقة، وان هذه القضايا لا يمكن أن تنفصل عن القضايا الحياتية اليومية للمواطن، والمتمثلة في حرية الانتقال عن طريق البطاقة الشخصية، وحرية العمل في دول مجلس التعاون على قدم المساواة بين مواطني الدول الأعضاء، وحرية التملك وغيرها من قضايا تنعكس على المواطن العادي، حتى يستطيع أن يستشعر الدور الذي يقوم به مجلس التعاون الخليجي من أجله، وان يشعر بأن هذا المجلس ليس للتعاون الأمني فقط

العدد 470 - الجمعة 19 ديسمبر 2003م الموافق 24 شوال 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً