العدد 472 - الأحد 21 ديسمبر 2003م الموافق 26 شوال 1424هـ

الإسرائيليون من أصل بولندي يهربون من الدولة الوهمية

4 آلاف استمارة للحصول على «جواز السفر»

سمير عواد comments [at] alwasatnews.com

قامت «إسرائيل» في العام 1948 على قاعدة ركيكة. ولا أحد أكثر من الأوروبيين الشرقيين يشككون بمستقبل الدولة العبرية. منذ البداية قامت علاقة المهاجرين من يهود ومن ادعوا أنهم يهود مع «أرض الميعاد» على المصلحة. واستطاعوا الفرار من ظلم الشيوعية بينما احتضنتهم «إسرائيل» لأنها كانت ولاتزال بحاجة ماسة إلى أعداد المهاجرين اليهود من الخارج كي تحافظ على انتشار الهوية اليهودية في المناطق التي احتلتها على أرض فلسطين وشردت أهلها في الشتات. وشكل الأوروبيون الشرقيون منذ البداية نواة القيادة الصهيونية وعصابات الهاغاناه وغيرها بينهم مناحيم بيغن واسحاق شامير وشيمون بيريز وهؤلاء جميعا ينحدرون من بولندا. وبذلت «إسرائيل» قصارى جهودها في الخمسينات والستينات كي توافق حكومات بولندا والاتحاد السوفياتي وتشيكوسلوفاكيا وغيرها على السماح لمواطنيها اليهود بالهجرة إلى «إسرائيل». ويعتقد أن عدد المهاجرين من شرق أوروبا زاد عن مليون مهاجر إلا أن عمليات الإحصاء الأخيرة دلت على أن الوجه العربي سيطغى في المستقبل على كامل التراب الفلسطيني. وفقا لمصادر الوفد الألماني الذي ترأسه يوشكا فيشر في جولة شرق أوسطية بدأت بالقاهرة وعمان وأنهاها في «إسرائيل»، فاتح وزير الخارجية الألماني محدثه رئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون بأن المستقبل لا يحمل علامات جيدة لـ «إسرائيل» إذا ظلت ترفض الصلح مع الفلسطينيين والعمل بحل قيام دولتين متجاورتين ومن أبرز هذه العلامات أن عدد المواطنين العرب سيزيد كثيرا عن عدد المواطنين اليهود. وساهمت الانتفاضة الأولى والانتفاضة الثانية في هجرة مضادة، أي بمغادرة يهود ينحدرون من أوروبا الشرقية، «إسرائيل» إلى الولايات المتحدة وأوروبا.

اليوم لاحت فرصة أمام الإسرائيليين من اصل بولندي للحصول على مستقبل أفضل إذ بمجرد أن بدأ العد العكسي لانضمام بولندا إلى الاتحاد الأوروبي، زاد اهتمام هذه الفئة من الإسرائيليين بالحصول على الجنسية البولندية إذ سيسهم جواز السفر البولندي في القريب بمساعدتهم في الإقامة والتنقل في دول الاتحاد الأوروبي وهذه ظاهرة تثير قلق المسئولين الإسرائيليين. ولا أحد يشعر داخل «إسرائيل» بالضغط الناتج عن ظاهرة إقبال الإسرائيليين من أصل بولندي على السعي إلى الحصول على جوازات سفر بولندية أكثر من القنصل العام البولندي في «إسرائيل» ماريك بيدزيش. وفقا لتصريحاته التي نشرتها صحيفة «زود دويتشه» الصادرة بمدينة ميونيخ كل شيء بدأ بزيادة مضطردة في عدد الاستفسارات في القسم القنصلي عبر الهاتف للحصول على استمارات الجنسية ثم بدأت تظهر أمام باب القنصلية صفوف متزايدة من أصحاب الطلبات ثم اضطر إلى تغيير نمط حياته. فقد أصبح يتحاشى الذهاب إلى متاجر التبضع والتنزه مع أسرته كي لا يلاحقه أصحاب الطلبات. كما اضطر إلى تغيير هاتفه النقال باستمرار. سر القنصل العام في السفارة البولندية في «إسرائيل» أنه يملك وثائق حمراء يتمنى الإسرائيليون الحصول عليها، ممهورة بالكلمة السحرية: جواز السفر. وقال بيدزيش إنه لم يتوقع مثل هذا الضغط. لكن هذه الظاهرة توضح كيف ينظر الإسرائيليون من أصل بولندي بريبة وشك إلى مستقبل الدولة العبرية.

أربعة آلاف استمارة خرجت من مكتب القنصل العام البولندي حتى الأسبوع الماضي، وتم إرسال 1500 طلب للحصول على الجواز الأحمر إلى بولندا ويعتقد الدبلوماسي البولندي جازما أن هذه الموجة لن تتوقف في المستقبل القريب بل من المرجح أن تزداد بصورة كبيرة. حتى سنوات قليلة مضت كان من المستحيل أن يفكر إسرائيلي من أصل بولندي باستعادة جنسيته الأصلية. يقول المحامي جيسي البالغ من العمر 25 عاما ويعيش في تل ابيب بصورة موجزة في سبب مسعاه إلى الحصول على الجنسية البولندية: أريد الجنسية البولندية لأنها أوروبية أيضا. كل ما يعرفه جيسي أن جده بولندي ولا يعرف اسم المدينة التي تنحدر الأسرة منها فالأمر لا يتعلق بالماضي بقدر ما يتعلق بالمستقبل. وبدءا من مايو/ أيار المقبل ستصبح بولندا عضوا كاملا في الاتحاد الأوروبي.

وصفت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية هذه الموجة بأنها تشبه حركة شعبية ليست لها قيادة ولا اسم ولا منبر وتحدثت عن أعداد وصفتها بأنها مأسوية لمواطنين إسرائيليين من اصل بولندي يفترشون باب القنصلية البولندية وقنصليات دول أخرى تقع في وسط أوروبا وشرقها طلبا للحصول على جواز أحمر. وبدأت مكاتب محاماة تعلن عن اختصاصها في قضايا الحصول على جنسيات أخرى. من بين القنصليات المستهدفة أيضا قنصلية التشيك والمجر لكن الإقبال الكبير على القنصلية البولندية لأن القانون البولندي يسمح بمنح الجنسية لمن لهم أصول بولندية ويعيشون في الخارج. وغالبية البولنديين اليهود الذين هاجروا إلى «إسرائيل» لم يتخلوا عن جنسيتهم الأصلية.

وقال رومان فريستر وهو شخصية معروفة في «إسرائيل» من اصل بولندي: إن الشباب اليوم يفكر في مستقبله، ويعرفه الرأي العام الإسرائيلي من خلال مدرسة الصحافة التي أسسها في تل أبيب وكان يراسل مجلة «بولتيكا» البولندية وأعد قصة عن «الهولوكوست» ترجمت إلى عدة لغات. في العام 1957 وصل فريستر ضمن فوج من المهاجرين إلى فلسطين وكانت «إسرائيل» تشيع آنذاك أن اليهود في بولندا يتعرضون إلى حملات اضطهاد تمارسها الحكومة الشيوعية ضدهم وتكررت هذه الحملة في العام 1968 وأدت إلى نزوح أعداد كبيرة جديدة من البولنديين اليهود إلى فلسطين.

لكن أولاد وأحفاد هؤلاء يسعون اليوم إلى الحصول على «الجواز الأحمر» ليكون وثيقة تضمن عودتهم إلى أوروبا والفرار من الدولة الوهمية. وفي ضوء الكساد الاقتصادي وتصورات قاتمة لمستقبل العيش في «إسرائيل» يفكر أبناء الجيل الجديد من الإسرائيليين من اصل أوروبي بالعيش والعمل في بلدان الاتحاد الأوروبي. وقد يكون «الجواز الأحمر» وثيقة مهمة للفرار إلى مأمن في حال انفجار الوضع الأمني في «الشرق الأوسط» في ضوء استمرار النزاع العربي الإسرائيلي.

يتزعم وزير الخارجية الإسرائيلي السابق شمعون بيريز الذي ينحدر أيضا من بولندا، الفئة الناقدة لهذه الظاهرة وقال إنه لا يفهم أي سبب يدعو الإسرائيليين من اصل بولندي إلى الحصول على الجنسية البولندية، وقال: هناك دولة لليهود ويتعين علينا جميعا المشاركة في تطويرها ولماذا يختار البعض العودة إلى بولندا اذ لا تتوافر فيها أمامهم امتيازات بالقدر الذي توفره لهم «إسرائيل». يحاول بيريز الذي تقاسم جائزة نوبل للسلام مع اسحاق رابين وياسر عرفات إثارة موجة من المشاعر العاطفية كي يجري وقف ظاهرة الإقبال على جوازات سفر أوروبية. ويقول مراسل صحيفة «زود دويتشه» في «إسرائيل» دانييل روسلر إن وراء هذه الظاهرة شك تقليدي من قبل الإسرائيليين بمستقبل الدولة العبرية. كثير من الإسرائيليين من أصل بولندي مازالوا يتحدثون لغتهم الأصلية أفضل من العبرية ويقيمون الاحتفالات التي كانت سائدة في بلدهم الأصلي. وقالت الكاتبة مريم أكافيا التي تنحدر من كراكاو ونجت من معسكر الاعتقال في بيرغين بيلزن وهاجرت إلى فلسطين في شبابها «إن الهوية البولندية مازالت راسخة في نفسها على رغم محاولتها نسيان بولندا». وقبل 14 عاما أسست جمعية الصداقة البولندية الإسرائيلية والعناية بتوثيق العلاقات بين شباب البلدين وألا تنحصر هذه العلاقة بقضية «الهولوكوست». وتغيرت نظرة الإسرائيليين إلى بولندا بسبب قربها الكبير من أوروبا ثم دورها في حرب العراق ومساندتها الولايات المتحدة ولم تعد كما في السابق توصف في «إسرائيل» بأنها معادية للسامية إذ حلت فرنسا مكانها. ويعتقد القنصل العام البولندي في «إسرائيل» أن مرحلة جديدة للعلاقات بين بولندا و«إسرائيل» على وشك أن تفرض نفسها على رغم إدراكه السبب الحقيقي وراء إقبال الإسرائيليين من اصل بولندي على «الجواز الأحمر» لكنه لا يجاهر علنا به: الخوف من مستقبل الدولة العبرية

العدد 472 - الأحد 21 ديسمبر 2003م الموافق 26 شوال 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً