العدد 473 - الإثنين 22 ديسمبر 2003م الموافق 27 شوال 1424هـ

الكيخيا ولغز الاختفاء

منصور الجمري editor [at] alwasatnews.com

رئيس التحرير

تذكرت الامام موسى الصدر ومنصور الكيخيا مع التغييرات الاخيرة في السياسة الليبية. فالكيخيا عرفته عن قرب واجتمعت معه قبيل اختفائه. فقبل عشرة أعوام (في العام 1993) كنت أحد الناشطين في «المنظمة العربية لحقوق الإنسان» الذين حضروا اجتماعا مهما بمناسبة مرور عشر سنوات (آنذاك) على تأسيس المنظمة في القاهرة.

مجلس الأمناء والأعضاء الرئيسيون في فروع المنظمة (وكنت في اللجنة التنفيذية لفرع بريطانيا) فرحوا كثيرا من ان مصر قبلت بوجودهم على أراضيها بعد ان منعت المنظمة من الوجود في البلاد العربية طيلة السنوات العشر الأولى من تأسيسها (من العام 1983 الى 1993). وكان مؤسسو المنظمة قد اضطروا الى عقد اجتماعهم التأسيسي في قبرص العام 1983 بعد ان رفضهم كل الحكام العرب.

اجتمعنا في القاهرة برعاية وزارة الخارجية المصرية وحضر مندوب الأمم المتحدة (جون باتشيه) في الجلسة الأولى للافتتاح ليلقي كلمة الأمين العام للأمم المتحدة مباشرة بعد كلمة وزير الخارجية المصري. الكلمتان كانتا بادرة خير، فالخارجية المصرية (أكبر الدول العربية) تحتضن وترحب بنا، والأمم المتحدة ترسل مسئولا كبيرا من جنيف ليحضر جلسة الافتتاح... فماذا يتوقع الناشطون لحقوق الإنسان أكثر من ذلك؟

الزهو كان يعلونا جميعا، بل اننا كنا نسير في شوارع القاهرة ونجلس في المطاعم والمقاهي ونتحدث عن السياسة (كل أنواع السياسة) معتقدين بأن لدينا حماية من الخارجية المصرية ومن الأمم المتحدة. سيارات الأجرة حول «فندق سفير القاهرة» جميعها بانتظارنا لخدمتنا وتوصيلنا أين ما شئنا. وكنا نتحدث مع سواق الأجرة (بعضهم ربما لم يكن سائق أجرة فقط) بمطلق الحرية، وبعض السواق بدا عليه الخوف من الأخذ والرد فيما كنا نتحدث فيه على غير عادة المصريين المعروفة بسلاسة الحديث وتبادل النكات مع الجميع.

وممن حضر المؤتمر كان وزير الخارجية الليبي السابق منصور الكيخيا، وكان مثالا للشخص المتعلم والمتنور والحديث معه شيق جدا نظرا لاتساع خبراته. فلديه ألف قصة وقصة عن الفترة التي كان فيها وزيرا للخارجية في السنوات الأولى لعهد العقيد معمر القذافي. ولا يمل المرء من مجالسته بعد انتهاء الجلسات على مائدة الطعام وتداول موضوعات الساحة بمختلف صنوفها. وعلى رغم الاختلاف في بعض وجهات النظر وبين من حضر ذلك المؤتمر، كان الجميع يشعرون وكأنهم بدأوا عهدا جديدا في البلاد العربية وان العمل الحقوقي وصل أخيرا ولو انه متأخرا إلى ما يصبو إليه.

كل ذلك الزهو والشعور بالراحة والطمأنينة انتهى في آخر يوم لنا في القاهرة. ففي آخر يوم خرج الكيخيا من الفندق وركب سيارة الأجرة واختفى من الأنظار حتى اليوم. أين ذهب؟ ومن اختطفه؟ وأين اختفي؟ أسئلة كثيرة أخرى طرحت آنذاك لم يوجد لها جواب أبدا... وكل الحكومات، بما في ذلك الحكومة المعنية تبرأت من الموضوع وكأن مخلوقات غير بشرية نزلت الى الاراضي وابتعلت الكيخيا وأخذته إلى عالم آخر «خارج الدنيا» التي نعرفها.

على اننا فعلا نعيش في بعض دولنا العربية «خارج الدنيا» والكيخيا اختفى خارج هذه الدنيا، والمنظمة العربية لحقوق الإنسان أعلنت انتحارها منذ يوم اختطاف أحد أعضائها ومؤسيسها من دون ان تستطيع فعل شيء. وبما ان «فاقد الشيء لا يعطيه»، فلا يوجد مواطن (أو مجنون) عربي سيلجأ إلى المنظمة لانقاذه من ظلم الحكومات العربية التي يعيش معظمها خارج الدنيا.

سنوات تمر وتعود بي الذاكرة إلى ما حدث في ذلك المؤتمر وتعود إلى الذهن أسئلة شتى عجزت عن ايجاد جواب لها، ربما لأن عقول أمتنا العربية تم اغتيالها واختطافها منذ زمن بعيد، أبعد بكثير من اختطاف الكيخيا قبل عشر سنوات

إقرأ أيضا لـ "منصور الجمري"

العدد 473 - الإثنين 22 ديسمبر 2003م الموافق 27 شوال 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً