العدد 2678 - الإثنين 04 يناير 2010م الموافق 18 محرم 1431هـ

العرب والمحاكم الدولية: ضحالة الفكر وعقم السياسة

منبر الحرية comments [at] alwasatnews.com

مشروع منبر الحرية

إن المتابع لردود الفعل العربية على المسائل المتعلقة بالمحاكم الدولية التي فرضت نفسها في السنوات الأخيرة كواقع لا يمكن الهرب منه، من المحكمة الخاصة باغتيال الرئيس الحريري إلى قرار استدعاء الرئيس السوداني عمر البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في دارفور إلى قضية تقرير غولدستون وما طرحه من احتمال الوصول إلى المحكمة الجنائية الدولية... نقول إن المتابع لردود العرب سيصاب بالدهشة والذهول للآراء الصادرة عن النخب والأحزاب والسياسيين والمثقفين، وخاصة إذا كان المتابع يمتلك أدنى درجة من الذاكرة التي اختزنت آراء هؤلاء ومدى تناقضها بين محكمة وأخرى!

لنعد إلى الوراء قليلا ونتذكر السجالات التي جرت حول محكمة الحريري، إذ رأينا أن من كان يعتبر المحكمة مسيسة وخاضعة لألاعيب الدول الكبرى سلفا هو نفسه من هلل لخروج الضباط الأربعة وطالب بحصد النتائج السياسية لذلك، ولنا أن نسأل هنا إن كان الأمر كذلك: لم لا يكون خروج الضباط أنفسهم مسيّسا، وخاضعا لتسييس ما؟ وهل سيقبلون بتسليم أحد رموزهم حال قررت المحكمة ذلك؟ أم وقتها ستعود المحكمة مسيّسة!

من جهة أخرى، بدا وقتها الذين دافعوا عن المحكمة واعتبروها غير مسيّسة، وخاضعة للقانون الدولي، مخذولين وغير مقتنعين بما قرره القاضي بإطلاق سراح الضباط الأربعة، لماذا؟ لأنها لم تلبِّ رغباتهم وطموحاتهم التي كانوا يتمنون، وبدا تبريرهم وحديثهم آنذاك مفككا وغير مترابط وهم الذين بنوا استنتاجاتهم وحساباتهم على أمور لم تطابق حسابات بيادرهم؟

وفي السودان عندما تم تشكيل لجنة للتحقيق في قضايا دارفور وتم استدعاء الرئيس البشير للمثول أمام المحكمة، هاج الفريق نفسه واستنكر معتبرا المحكمة مسيّسة وألعوبة بيد الدول الكبرى! مقابل أطراف أخرى طالبت بمثوله أمام المحكمة وذلك لأسباب سياسية بحتة لا علاقة لمقتضيات العدالة بها.

وأثناء العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة وقتلها المدنيين والأبرياء، ارتفعت الدعوات العربية إلى محاكمة قادة «إسرائيل» أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب، وبالعودة إلى المنادين بضرورة المحكمة، سنجد أن أغلبهم من كان يقول (ولا يزال) وبالفم الملآن بأن الحكومة الخاصة بمحاكمة قتلة الحريري مسيّسة!

وهم أنفسهم من سنراهم يشجبون قرار المحكمة الجنائية بمحاكمة البشير بتهمة جرائم الحرب في دارفور؟

وهم أنفسهم من نراهم اليوم يدينون السلطة الفلسطينية (المدانة بكل الأحوال) على تأجيل تقرير غولدستون ويطالبون بتحويل القرار إلى مجلس الأمن ومنه إلى المحكمة الدولية!

ليبرز لنا السؤال التالي: لماذا هذا التناقض؟

لماذا نكون مع فكرة المحاكم عندما يكون الحق معنا، ونكون ضدها عندما يكون القاتل منا، أيا كان هذا القاتل؟

ولِم َينقلب الناس عندنا بين ليلة وضحاها؟

وفي الوقت الذي نتهم الغرب (وفي ذلك بعض الصواب) بتسييس المحكمة وحقوق الإنسان وحقوق المرأة والديمقراطية، ننسى أننا الأكثر تسييسا للقضايا في العالم، أليس تناقضنا تجاه المحاكم الثلاث المتمثل بتأييد محكمة ورفض أخرى هو التسييس بعينه؟

في الإجابة عن الأسئلة السابقة تبرز مستويات عدة للنظر، منها ما هو داخلي، يتعلق ببنية تفكيرنا وطريقة تحقيق العدالة في بلداننا، ومنها ما هو يتماس مع الخارج الذي علمنا أن القانون يطبق على الضعفاء فقط...

في الشق الداخلي: إن نظرة متفحصة لطبيعة تطبيق القانون في العالم العربي، سترينا أن القانون في العالم العربي مُغيَّب، وغير موجود، والقضاء يخضع للسلطة السياسية التي تتحكم به من خلال قوانين طوارئ أصبحت تطبق خارج الطوارئ وتستثنى في الطوارئ. وبالنسبة إلى الأحزاب السياسية فنجد أنه رغم ولادتها منذ قرن في العالم العربي، فإنها لم تستطع حتى اللحظة هذه أن ترسخ تقاليد عمل حزبية تجعل من السياسة مجالا للاختلاف ضمن حدود ما هو مسموح به وطنيا وإنسانيا دون إقحامها في مجالات القانون والعدالة، حيث تغدو تلك الأخيرة أسيرة التجاذبات السياسية والاستخدام السياسي من قبل السلطات والنخب على حد سواء، لأن حكم الاستثناء الطويل رسخ تقاليد منافية للعدالة بأن أي شخص - باسم الطوارئ والاستثناء - يمكن له النفاذ من براثن العدالة، وأدى هذا إلى قلب الأمور في طريقة تفكير العقل العربي الذي بات يرى الاستثناء حالة دائمة، والطبيعي استثناء، لذا تغدو الازدواجية في التفكير «شيئا طبيعيا» عند العقل العربي، الذي يقبل العدالة عندما تكون لمصلحته، ويرفضها عندما تكون عليه، تحت اسم «السيادة والحرية وعدم تدخل الآخرين»، هذه المفاهيم الثلاثة التي ينتهكها عادة أول الرافعين شعاراتها في العالم العربي!

وقراءة سريعة لتاريخ الفكر العربي خلال القرن الماضي، سنجد أن مفاهيم الحرية والديمقراطية والعدالة والقانون، لم يتم الاشتغال عليها فكريا حتى في مرحلة النهضة الأولى التي تم بترها لصالح الأفكار والمفاهيم «الثورية»، التي تم الاشتغال عليها أيضا من نظرة الاستخدام السياسي حزبيا أكثر مما تم الاشتغال عليها فكريا لتتأصل في تربة الوعي العربي القاحلة، الأمر الذي أدى إلى ضحالة مستوى الوعي بهذه القضايا، ومعروف أن من لا يمتلك وعيا بقضية ما، لن يستطيع تطبيقها، ولن يحزن عند انتهاكها من قبل سلطة أو حزب أو شخص لأنه بالأساس لا يدرك أهميتها ولم يذق ثمارها و «فاقد الشيء لا يعطيه»، لذا علينا أن ندرك أن القانون والعدالة هما ثقافة يجب ترسيخهما في وعي الناس قبل أي شيء آخر.

ولكن من جهة أخرى، هناك عامل مساعد لا يمكن إغفاله لترسيخ تلك النظرة العربية تجاه المحاكم الدولية، وهو موضوع استخدام السياسيين الغربيين لموضوع المحاكم كأداة ضغط سياسي، أكثر منه أداة قانونية لتحقيق العدالة المنشودة، وكلنا ندرك المحاكمات الخاصة بقضية لوكربي وكيف رافق تحقيق العدالة (إن كانت حققت) ضغط سياسي، ونعرف كيف انتهت الأمور عندما غيّر الرئيس الليبي من سلوكه ودفع تعويضات لأهالي الضحايا، وندرك كيف خرج المقرحي من سجنه؟ وكلنا نتساءل لماذا تم تشكيل محكمة للحريري ولم يتم تشكيل محكمة لمعرفة إن كان الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات قتل أم لا؟ وكلنا نتساءل لماذا تمت محاكمة صدام في العراق وتحت الاحتلال ولم يحاكم أمام محاكم دولية في الوقت الذي رفضت الدوائر الغربية تشكيل محكمة لبنانية أو عربية لمحاكمة الحريري وسارعت «فورا» لتشكيل محكمة دولية حتى دون التوافق عليها لبنانيا وهو الأمر الذي كاد أن يوصل لبنان إلى حرب أهلية، ونعرف أن الفيتو الأميركي هو الذي يحمي «إسرائيل» في مجلس الأمن عند كل مجزرة ترتكبها بحق الفلسطينيين دون أن تحتاج إلى محاكمة لإدانتها أصلا لأن الجريمة واضحة والفاعل واضح!

ولنا هنا أن نسجل أن «إسرائيل» في الذهنية العربية ارتبطت بالدولة الخارجة عن القانون، والدولة التي لا تخضع لقوانين مجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية ووكالة الطاقة الذرية وترفض الانضمام إلى معاهدة الحد من الانتشار النووي، ولذا لا يمكن للعرب أن يقتنعوا «بجدية» المحاكم الدولية دون محاكمة «إسرائيل»، التي احتلت وقتلت وشردت (ومازالت)، وهذه القضايا يستخدمها السياسيون العرب لتخدير الداخل والشعوب العربية تحت اسم «السيادة وعدم تدخل الآخرين، مروّجين أن العدالة تلك مرفقة بالاستخدام السياسي للغرب ليصل إلى مصالحه، وفق مبدأ «حق يراد به باطل».

وهنا تلتقي المراوغة الغربية مع مراوغة النظم العربية في دك أسس العدالة وتسييسها، ومن هنا يغدو الازدواج في تفكير العقل العربي مبررا وظيفيا (دون أن يبرر إنسانيا وأخلاقيا)، ليغدو العقل العربي محاصرا بين مطرقة السلطات الرافعة شعار «السيادة» ومطرقة الدوائر الغربية ومصالحها الرافعة شعار «العدالة»، في الوقت الذي تنتهكان كلتاهما السيادة والعدالة معا.

* باحث وكاتب سوري، والمقال يُنشر بالتعاون مع «مشروع منبر الحرية www.minbaralhurriyya.org»

إقرأ أيضا لـ "منبر الحرية"

العدد 2678 - الإثنين 04 يناير 2010م الموافق 18 محرم 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً