العدد 517 - الأربعاء 04 فبراير 2004م الموافق 12 ذي الحجة 1424هـ

المسئولية الاجتماعية مقياس للعمل السياسي

منصور الجمري editor [at] alwasatnews.com

رئيس التحرير

الملاحظة التي يلحظها من يزور أو يعيش في بلد متقدم هي الطريقة التي تتعامل بها الجهات المختلفة مع الشأن العام. فهناك جهات عدة لها قدرة على أن تفعل الكثير، ولكنها تحجم عن ذلك استشعارا منها للمسئولية الاجتماعية. هذه الصفة تختفي في البلدان الاقل ديمقراطية التي يستبد فيها كل طرف لديه سلطة، أو قدرة على عمل شيء. وبعض الأحيان تنعدم المسئولية الاجتماعية من طرف ما، والنتيجة تكون عكسية على ذلك الطرف.

من الأمثلة التي تذكر في هذا المجال ماقام به رئيس نقابة مناجم الفحم في الولايات المتحدة الاميركية جون لويس العام 1943، أيام الحرب العالمية الثانية. آنذاك كان الفحم يعتبر محركا رئيسيا للمصانع والاقتصاد ورئيس نقابة عمال المناجم كان يوازي أكبر القادة السياسيين ولا يزيد عليه قوة آنذاك إلا الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، غير أن لويس انتهت قوته المعنوية بعد العام 1943 لأنه قرر استخدام قوته المادية في وقت كان الآخرون يتوقعون منه ألا يستخدمها. ففي ذلك العام كانت أميركا مشغولة بالحرب والجميع كان يتوجه قي اتجاه وطني عام، إلا أن لويس قرر إعلان إضراب عمال المناجم رافعا مطالبه. وعندما حاوره الآخرون عن الأمر قال إن «الرئيس الأميركي مكلف بالدفاع عن المصالح الوطنية، أما أنا فمكلف بالدفاع عن مصالح عمال مناجم الفحم فقط».

انتصر لويس في إضرابه وحقق ما يريد، ولكن كان ذلك آخر انتصار وكانت بداية نهايته كقوة توازي قي قوتها مواقع القرار الكبرى في بلاده، وذلك بسبب بسيط وهو أن الآخرين فسّروا ما قام به خروجا عن المسئولية الاجتماعية التي تحتم عليه النظر الى اعتبارات المجتمع أولا والنقابة (أو المؤسسة) ثانيا والاعتبارات الشخصية ثالثا، وليس العكس. لم يكن سبب ضمور قوة لويس أنه ارتكب خطأ، بل إن ما قام به يعتبر عين الصواب بالنسبة إلى مصلحة نقابته، ولكن الموازنة كانت بين «الصواب» الذي سعى إليه و«الصواب الآخر» الذي سعى إليه الآخرون. بمعنى آخر أن أولويات عمله الوطني اختلفت عما كان ينبغي أن تكون عليه، وأدى ذلك إلى تغير نظرة الآخرين له.

والحال ايضا تندرج على أمور أخرى مشابهة، فعندما تعرضت الأميرة ديانا في العام 1997 الى حادث وتوفيت على اثره، توفرت لأخيها -اثناء تشييعها- فرصة كبيرة لقلب الموازين - لو شاء ذلك - لأن جميع أجهزة البث المباشر تم توفيرها له ليلقي خطابا مباشرا أمام ملايين البريطانيين الذين تأثروا كثيرا وخرجوا الى الشوارع وملأوا الطرقات كلها. وكانت المشاعر مضادة للملكة اليزابيث وولي عهدها (زوج ديانا السابق) الأمير تشارلز. ولكن شقيق ديانا لم يستغل تلك الفرصة ولم يؤجج المشاعر ضد هذا الطرف او ذاك، وحُسبت له وليس عليه. ولو كان استغلها لاستطاع خلق مشكلات كبيرة جدا للعائلة المالكة البريطانية، ولكن ما كان سيربحه ربما يشابه ما ربحه لويس في أميركا، وبعد ذلك يخسر قدراته وتأثيراته.

وهنا في البحرين نجد أن لدى كثير من الأطراف القدرة على أن تفعل أشياء كثيرة لأن أصول اللعبة السياسية تحركت وفسحت المجال لذلك، والمسئولية الاجتماعية هي الميزان الوحيد الذي بأيدينا لتغليب الآثار البعيدة المدى على الإنجازات الآنية التي سرعان ما تختفي مع تغير أصول اللعبة

إقرأ أيضا لـ "منصور الجمري"

العدد 517 - الأربعاء 04 فبراير 2004م الموافق 12 ذي الحجة 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً