العدد 535 - الأحد 22 فبراير 2004م الموافق 01 محرم 1425هـ

عاشوراء الحسين: تأسيس لشرعية قائمة على التراضي

منصور الجمري editor [at] alwasatnews.com

رئيس التحرير

موسم العاشوراء لم يعد مهرجانا جانبيا غير مُعترف به رسميا. فوزارة الإعلام أعلنت العام الماضي تخصيصها برامج عن عاشوراء، وأمر جلالة الملك حديثا بتسمية الشارع الرئيسي الذي يمرُّ فيه العزاء باسم الإمام الحسين (ع)، والصحافة تهتم بالحدث بشكل لم تعهده البحرين من قبل، فالصحافة وحمل الخبر من أهم ما يميز عاشوراء البحرين منذ الانفتاح في مطلع 2001.

ولعل التاريخ يحدثنا عن «صحافيين» ورواة لما حدث في عاشوراء، ولكن أول من حمل خبرا مهما عن عاشوراء كان الفرزدق. فبينما كان الحسين (ع) يشدُّ الرحال من مكة إلى الكوفة مع أهل بيته وأنصاره التقى على الطريق مع الفرزدق في منطقة تسمى «الصفاح». كان الفرزدق مع والدته متجها إلى تأدية فريضة الحج، فرأى الحسين وسلّم عليه، فسأله الحسين عن أوضاع الكوفة التي قدم منها الفرزدق. فقال الفرزدق عباراته المشهورة «قلوب الناس معك وسيوفهم عليك... والقضاء ينزل من السماء، والله يفعل ما يشاء، وربنا كل يوم هو في شأن ...». الحسين ردَّ على الفرزدق «صدقت، للّهِ الأمرُ من قبلُ ومِنْ بعدُ...»، وأردف يردد أبياتا من الشعر:

لئن تكن الدنيا تُعد نفيسة

فدارُ ثوابِ اللهِ أعلى وأنبلُ

وإنْ كانت الأبدان للموتِ أنشئتْ

فقتلُ إمرئٍ بالسيفِ في اللّهِ أفضلُ

وإنْ كانت الأرزاقُ شيئا مقدّرا

فقلّةُ سعيِ المرءِ في الرزقِ أجملُ

وإنْ كانت الأموالُ للتركِ جَمْعُها

فما بالِ متروكٍ به المرءُ يَبخلُ؟

وفي إحدى الروايات أن الفرزدق لم يخبر الحسين بأنه الفرزدق. فعندما سأله الإمام «من أنت؟»، أجاب «أنا امرؤ من العراق». فاحترم الحسين رغبته ولكن أخذ منه وصفا دقيقا لحال أهل الكوفة آنذاك، وكيف أن قلوبهم مع من هم على طريق الصواب ولكن سيوفهم وأعمالهم مشحّذة على أصحاب العمل الخيِّر. وهذه الحال النفسية تضرُّ الأمم كثيرا، لأنها تعني أن الإنسان الطيِّب الذي يسير على أصول تحترم الناس يستسهلُ به بعض الناس، أما الإنسان الشرس الذي يحكم بالمكر والقسوة فتُوفّر له الطاعة وتقتل الناس نفسها في سبيل الباطل الذي يدعو إليه.

الحسين ذهب لأن أهل العراق بايعوه عن رغبة منهم من دون إكراه، ويزيد ذهب إلى العراق عن رغبة منه لمد سلطانه عليهم بالفرض والقسوة. وكانت الغلبة المادية المؤقتة ليزيد، والهزيمة المعنوية الدائمة له ولمن ناصره ولمن نكث عهده مع الحسين.

عاشوراء الحسين، عاشوراء تتجدد معانيه في كل زمان ومكان، وما نحن بحاجة إليه هو استخلاص الدروس التي تدفعنا تجاه الحياة بعزٍّ وإباء. ومن أهمِّ تلك الدروس الانتظام في حياة سياسية واجتماعية على أساس التراضي، تماما كما سعى إلى ذلك الإمام الحسين مع من كتبوا له رسائل يدعونه إلى أمرٍ تراضوا عليه. وهذا هو ما تسعى إليه النظم الحديثة المتطورة التي تنظم حياتها على أساس التوافق والتراضي... لكي تحقق لنفسها وشعبها أمنا وكرامة، ولاقتصادها تنمية مستدامة

إقرأ أيضا لـ "منصور الجمري"

العدد 535 - الأحد 22 فبراير 2004م الموافق 01 محرم 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً