الخامس عشر... قرن السفينة والملاحة البحرية

نشوء النخبة الأوروبية (2)

وليد نويهض

كاتب ومفكر عربي لبناني

صدمة الطاعون التي اجتاحت البحر المتوسط والعالمين الأوروبي والإسلامي أحدثت هزة ساهمت في تشكيل رؤيتين متخالفتين. فالعالم الإسلامي انعزل وانكفأ وارتد إلى إنتاج الخرافة بينما العالم الأوروبي واجه التحدي بالذهاب نحو اختراع الأدوية لمحاربة الوباء. وأدى اختلاف الاستجابة للتحدي إلى توليد نواة نهضة علمية مختبرية في أوروبا مقابل تراجع العالم الإسلامي في مواجهة الوباء الدارس للعمران.

صدمة الطاعون شكلت خطوة لمصلحة الجانب الأوروبي إذ ستعقبها خطوات باتجاه المزيد من التقدم في دائرتي المعرفة والعمران. وجاءت المبادرة من البرتغال التي قاد أميرها هنري الفاتح معركة البحث عن ممرات تجارية بديلة لخطوط التجارة القديمة.

آنذاك كانت البرتغال (لشبونة) القوة البحرية الأوروبية الأولى، وتوسكانا (فلورنسا) القوة الفنية الأوروبية الأولى. ومن هاتين المنارتين ستبدأ القارة رحلة التطور لدوافع مختلفة ولكنها في النهاية التقت على تقاطع طرق ساهم في صنع أوروبا الجديدة.

أشرف هنري الفاتح (1394-1460) على خطة تنظيم اكتشاف المعابر المائية في المحيط الأطلسي مستفيدا من تطور صناعة السفن في مدن المتوسط التجارية. وبدأت رحلة الاكتشاف من لشبونة جنوبا نحو الشاطئ الغربي للقارة الإفريقية. وأخذت الرحلات تمتد وتتوسع في السنوات 1434 و1445 حين نجحت السفن البرتغالية من الوصول إلى ساحل سيراليون في العام 1460.

آنذاك كان العالم الإسلامي يخوض مواجهات عسكرية دائمة في الشطر الشرقي من أوروبا. وأدى التصادم إلى سقوط القسطنطينية (إسطنبول) في العام 1453 بقيادة السلطان العثماني محمد الفاتح.

بين الفاتح البرتغالي والفاتح العثماني ستشهد ساحات أوروبا الشرقية وموانئ المتوسط معركة لإعادة السيطرة على خطوط المواصلات التجارية. فالبرتغال بعد سقوط القسطنطينية ستقود أوروبا نحو المزيد من البحث عن مخارج بحرية بديلة تعوض خسارة منافذ طرق التجارة القديمة (طريق الحرير) وستتحول الأنظار من المتوسط إلى الأطلسي. والسلطنة العثمانية ستبدأ من جانبها في تنظيم سلسلة هجمات باتجاه ترسيم خطوط برية تربط الشرق بالغرب من طريق المعابر القديمة.

شكل سقوط القسطنطينية صدمة نفسية كبرى لا تقل عن تلك التي أحدثها وباء الطاعون حين اجتاح أوروبا. فالصدمة كانت قوية وأنتجت تأثيرات ثقافية (علمية ومعرفية) إيجابية تركزت في شمال إيطاليا (فلورنسا) كذلك شجعت على تطوير علوم البحار لتلبية حاجات القارة من السلع والبضائع.

آنذاك كانت النخبة الأوروبية لاتزال تخضع لسلطة الكنيسة ولم يكن بإمكانها أن تتحرك خارج منظومتها المعرفية. ففي مدينة كوسا الألمانية نجح نقولادى كوسا (1401 - 1464) في تسجيل كتابات فلسفية لم تخرج عن حدود التصوف بسبب اضطراره للعمل في إطار الكهنوت (ترقى من أسقف إلى كاردينال). وبسبب الطابع الديني لأعماله الفلسفية تشكلت رؤية تأملية جمعت بين الرياضيات والقانون والتصوف ما وضعه في موقع مضاد للرشدية التي كانت تسيطر على شريحة واسعة من النخبة الأوروبية وتحديدا في جامعة بادو الإيطالية التي درس فيها.

صدمة سقوط القسطنطينية كانت قوة دفع مهمة، إذ إنها ستشكل دفعة معنوية للنخبة الأوروبية وستعطيها منطقة نفوذ في إطار الكنيسة التي اهتزت صورتها نسبيا أمام العامة. وجاءت اكتشافات البرتغال البحرية لتعطي ذاك الحافز المادي من خلال تشجيع البحث في كشف عالم البحار.

لعبت السفينة في تلك اللحظة الدور التاريخي لقيادة المعرفة. فالاكتشافات أدت إلى تحويل لشبونة إلى منارة أوروبية وبدأت النخبة تعمل على تطوير علوم البحار وتجتهد لمساعدة السفينة في التقدم في عالم مجهول في طبيعته وتكويناته البشرية.

إلى السفينة ستدخل أوروبا عصر الطباعة في نهاية القرن الخامس عشر حين نجح الألماني يوهان غوتنبرغ في اختراع المطبعة في العام 1447. الاختراع لن يكون له تأثيره المباشر على تطور وعي النخبة الأوروبية ولكنه سيمهد لاحقا وبعد 50 سنة إلى تكوين شريحة من المثقفين أخذت تعتمد على الكتاب للاطلاع على التاريخ والحضارات ومنجزات الأجيال السابقة.

المطبعة ستأخذ وقتها للانتقال إلى السوق ولكنها ستشكل نقطة تحول مضافة عززت من القوة الأوروبية الصاعدة إذ ستشجع النخبة على تشكيل قناعات وتأملات تعتمد على الفلسفة اليونانية وتتجاوز بحياء حدود سلطة الكنيسة. آنذاك سيقوم مرسيلوفتشينو (1433-1499) بترجمة مقالات أفلاطون وأفلوطين إلى اللاتينية وشرحها انطلاقا من نزعة تجمع بين الدين والفلسفة ما أدى إلى تكوين بيئات فكرية تبحث عن دين فلسفي يتحرك إلى جانب الدين المسيحي. وفي إطار هذا الفضاء المضطرب ستنشأ توجهات فيثاغورية وأفلاطونية وأرسطية ومذاهب فلسفية دينية بقيادة جان بيك لاميراندول (1463-1494).


بدايات متغير

هذه التحولات في رؤية النخبة لم تشكل قفزة نوعية في تطور المعرفة الأوروبية إلا أنها كانت بداية تؤشر إلى نمو متغير في الوعي أخذ يضغط باتجاه الانتقال من الوعظ والإرشاد إلى النقد والبحث.

جاء التطور المضطرب ليعكس تلك الحاجة التي أخذت اكتشافات السفينة تفرضها على وعي النخبة. فالبحث عن الحقيقة لم يعد ضربا من الخيال ولا رؤية تأملية باتجاه عالم الغيب وما وراء الطبيعة بل أصبح يعتمد على حيثيات واقعية وحاجات ملموسة أخذت تنكشف للإنسان من خلال الطبيعة نفسها.

أدى تطور اكتشافات السفينة الجغرافية إلى توسيع دائرة الوعي (الكوني) وتشجيع النخبة على العمل لتلبية متطلبات هذا الحقل المترامي الأطراف الذي قادته لشبونة. فالسفينة كانت بداية انكشاف العالم الطبيعي على الأوروبي من خلال البحر واتساع السوق الدولية للتجارة. وبسبب هذا الاندفاع المحكوم بالجغرافيا والمصالح بدأت البرتغال تتقدم رويدا وصولا إلى طريق الهند وكسر احتكار العالم الإسلامي لخطوط التجارة القديمة.

اكتشاف فاسكو دي غاما طريق الهند في العام 1498 جاء بعد تحولات سياسية ومعرفية وجغرافية مهمة. فمن جانب السياسة نجحت إسبانيا في إنهاء الوجود الإسلامي في أوروبا بسقوط إمارة غرناطة في العام 1492 وهو العام الذي نجح فيه كريستوف كولمبوس بالوصول إلى أميركا من دون أن يعلم أنه حقق أهم إنجاز جغرافي في التاريخ البشري المعاصر. فالاكتشافات ستفتح القارة الأوروبية أمام آفاق لا متناهية من التحولات وستشجع النخبة على الانتقال من التفكير التأملي في عالم ما وراء الطبيعة إلى الطبيعة والتفكير في اختراع الآلة لمساعدة السفينة على مواصلة تقدمها في عالم الملاحة وخطوط التجارة.

تطور صناعة السفن المحكوم بالتقدم في مجال العلوم الطبيعية شجع النخب الأوروبية على البحث في الوسائل العلمية والتقنية والفلكية التي تساهم في تعزيز مجالات التعرف على عالم جديد كان بعيدا عن المنال.

منذ النصف الثاني من القرن الخامس عشر وتحديدا بعد سقوط القسطنطينية في العام 1453 ستشهد القارة نقطة تحول استثنائية في وعي النخبة الأوروبية إذ ستولد في هذه الحقبة الانتقالية مجموعة عقول سيكون لها شأنها في مطلع القرن السادس عشر. ففي هذه المرحلة سيولد ليوناردو دافنتشي في العام 1452، ونقولا ماكيافلي في العام 1469، ونقولا كوبرنيكس في العام 1473، ولويس فيغيس في العام 1492. وستعمل هذه الشريحة من العلماء (باستثناء ماكيافلي وفيغيس) على تحديث آلات اكتشاف النجوم في عالم الفلك لتسهيل مهمات السفينة في عالم الملاحة البحرية.

دافنتشي الذي توفي في العام 1519 تمتع بمواهب مختلفة إذ اشتغل بالنحت والموسيقى والتشريع والعمران ونجح في تطوير علم الميكانيك والرياضيات انطلاقا من المعرفة التجريبية. وكوبرنيكس الذي توفي في العام 1543 قضى عشر سنين في إيطاليا يشتغل في الآداب والرياضيات والفلك إلى أن نجح في وضع كتابه عن حركة النجوم في سنة رحيله. وساهم رجل الدين (القسيس كوبرنيكس) في وضع قواعد علمية لحركة الأجرام ودورانها حول الأرض (مركزية الشمس) ما أعطى فسحة للتقدم في مجال العلوم الرياضية والفلكية في حقبات لاحقة.

وفيغيس الذي توفي العام 1540 سيكون له دوره في تطوير قواعد عقلانية للتربية والتعليم في الحياة الفكرية ما سيترك تأثيراته اللاحقة على نمو الفلسفة الأوروبية وتحديدا ديكارت.

أما ماكيافلي الذي توفي في العام 1527 سيصنف بعد تأليفه كتاب «الأمير» بصفته أول فيلسوف أوروبي معاصر ساهم في تكوين علوم سياسية اجتماعية تلبي حاجات السلطة في زمانه.

أسس القرن الخامس عشر بدايات استثنائية ستنقل أوروبا لاحقا من عالم سلطة الكنيسة إلى عالم سلطة المعرفة. فهذا القرن (1400-1500) يمكن وصفه بحقبة السفينة التي شجعت النخبة على تجديد العلوم الفلكية والرياضيات والتقدم التقني وإعادة ربطها باتجاه خدمة التوسع في الاكتشافات الجغرافية الذي تواصل بقيادة البرتغال (لشبونة) أولا وإسبانيا ثانيا.

خلال عملية التطور في القرن الخامس عشر سقطت القسطنطينية ودخلت في إطار السلطنة العثمانية، وسقطت غرناطة ودخلت العالم الأوروبي. وخلال تلك الفترة بدأت المطبعة تشق طريقها نحو السوق لتظهر أول طبعة للكتاب المقدس في العام 1500. كذلك سيبدأ العلماء في تحديث رسوم خرائط الشواطئ (ظهور أول خريطة مطبوعة في العام 1506) وتطوير البوصلة ورصد عالم النجوم وحركة الأجرام لمساعدة السفينة على توسيع اكتشافاتها وإنجازاتها.

العدد 2730 - الجمعة 26 فبراير 2010م الموافق 12 ربيع الاول 1431هـ

التعليقات (0)
التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أنت تعلق الآن كزائر .. يمكنك التعليق بـ3000 حرف عندالتسجيل من هنا

اقرأ ايضاً

شاركونا رأيكم