العدد 552 - الأربعاء 10 مارس 2004م الموافق 18 محرم 1425هـ

دور المرأة في تعزيز العدالة والسلام في المنطقة العربية

المرأة العربية والنزاعات المسلحة

منيرة أحمد فخرو comments [at] alwasatnews.com

طرحت عضو المجلس الأعلى للمرأة والأستاذة في جامعة البحرين منيرة أحمد فخرو ورقة عن «دور المرأة في الأسرة والتربية والإعلام والثقافة لتعزيز العدالة والسلام في المنطقة العربية» في منتدى المرأة والنزاعات المسلحة الذي انعقد في بيروت بتاريخ 7 - 9 مارس/ آذار الجاري. وتنشر «الوسط» الورقة بنصها الكامل.

1- مقدمة: يدلنا التاريخ على أن هناك دائما حروبا وأن تأثيرها لا يعترف بالحدود المرسومة لها. الحروب تنتج ضحايا وخرابا ويأسا. وبينما يقاتل الرجال لبلوغ أهداف عسكرية وسياسية، تعاني النساء والأطفال ويخسرون في كل معركة. ويشكل النساء والأطفال الغالبية من الضحايا المدنيين. وتتطلب الحياة خلال الحروب الكثير من جهد المرأة إلا أن المعاناة خلالها تنتج شعورا باليأس والضعف والقلق والضغوط النفسية وخصوصا عندما تكون المرأة قد فقدت الكثير مما كان لديها قبل الحرب وانها بالتالي وجب عليها أن تبدأ من نقطة الصفر. ويبرز العنف ضد النساء حتى في أوقات السلام ولكنه يزداد ضراوة خلال الحروب. فالحرب في معظم الأحوال تضاعف عدم التوازن بين الجنسين فالنساء بطبيعة الحال غير مسلحات بينما الرجل يزداد «قوة» بحمله السلاح وخصوصا في مناطق قتالية. كما تجد النساء صعوبة كبيرة عندما يحاولن التكيف مع الأوضاع في مكان اللجوء لأسباب عدة مثل رثاثة المسكن وقلة المال والصعوبة في التواصل مع الآخرين، ومرض الأسرة والأطفال.

وعندما تنزح النساء والأطفال من مناطق الحرب أو خطوط التماس، كما يطق عليها، إلى مكان غير معلوم وبنية اجتماعية تشمل السكن إما في الخيام أو في بيوت الأقرباء والأصدقاء الذين هم بدورهم يواجهون مشكلات اقتصادية وأمنية صعبة. والجميع لا يعلم متى تنتهي الحرب وإلى متى يبقون لاجئين ولذلك فالمساعدة المهنية والتعاون والحوار تساعد هؤلاء الأشخاص على تحمل ما يواجهونه. وهناك 40 مليون شخص في أنحاء مختلفة من العالم قد فروا وتركوا منازلهم بسبب الحروب والنزاعات وانتهاكات حقوق الإنسان تشكل النساء والأطفال حوالي 80 في المئة منهم.

2- أثر الاحتلال والحروب والنزاعات المسلحة على أوضاع الأسرة العربية: لا تشارك النساء العربيات عوما في اتخاذ القرارات المؤدية إلى الحروب والنزاعات المسلحة، إلا أنها تتحمل جزءا كبيرا من عواقب تلك الحروب والنزاعات التي لايزال حلها يقع إلى حد ما في دائرة سلطة الرجل وقد شهدت المنطقة العربية عدة حروب وصراعات مسلحة في العقود الثلاثة الماضية سنذكر بعضها باختصار:

الحرب الأهلية اللبنانية والاحتلال الإسرائيلي: من أهم المشكلات التي واجهت اللبنانيين طوال سنوات الحرب (1975 - 1989) مشكلة التهجير التي تعرضت لها قطاعات واسعة من المواطنين بشكل دوري أو دائم. والأسر نفسها عانت من التفكك ومن المشكلات على أنواعها. وما حصل في الحرب اللبنانية تسبب في تلاحم الأسر وتجمعها في بيوت أو قرى تكون أكثر أمنا، بسبب تنقل الحرب اللبنانية من منطقة إلى أخرى على مدى السنوات. كما أدت إلى تلاحم الجماعات اليومي في الملاجئ، الأمر الذي تسبب بالازدحام من ناحية وبالاحتكاك المستمر بين الأفراد. ومن أهم المشكلات التي واجهها لبنان طوال سنوات الاحتلال الإسرائيلي مشكلة التهجير التي تعرضت له قطاعات واسعة بشكل دوري أو دائم. وطال التهجير في لبنان فئات متعددة ومتنوعة وقد أصبحت عودتهم الآن إلى محيطهم الطبيعي كأنها تهجير ثانٍ.

الاحتلال العراقي للكويت (1990 - 1991): تعرضت الأسرة في الكويت بعد الاحتلال إلى هزة قوية أثرت على المفاهيم والمبادئ والقيم وأفرزت فيما بعد نوعين من الأضرار: الأضرار المادية المتمثلة في السيطرة المادية والاقتصادية على المنشآت والممتلكات بالتخريب والنهب، والأضرار المعنوية التي تمثلت في طمس الهوية وإلغاء الهوية الكويتية ونزع الشعور بالأمن الاجتماعي. وعانت المرأة الكويتية الكثير نتيجة لآثار العدوان ومنها ما واجهته المرأة الكويتية المتزوجة من غير كويتي وخصوصا المتزوجة من الجنسية العراقية وما واجهها من مصاعب في التعامل مع المجتمع. أما بعد التحرير فقد عاشت الكثير من الأسر الكويتية على أمل عودة أبنائها وبناتها الأسرى إلا أن سقوط النظام العراقي أخيرا أسفر عن معرفة مقتل 135 من الأسرى الكويتيين الأمر الذي قطع أي أمل في وجود أحياء من الأسرى وتسبب في صدمة نفسية لهذه الأسر.

أثر الحصار ثم الاحتلال الانجلو - أميركي على العراق: إن الحصار والحروب التي مر بها العراق سببت ضآلة في الدخول وتآكل قيمتها وانخفاض قيمة الدينار العراقي وخصوصا خلال الحصار الذي استمر 13 عاما (1991 - 2003). وذكر تقرير منظمة الأغذية الدولية العام 1995 أن حوالي 70 في المئة من السكان أصبحوا في وضع سيئ وقد باع الكثير من هؤلاء ممتلكاتهم وأثاث منازلهم كي يستطيعوا مواجهة الأزمة الاقتصادية. كما تضاعف عبء الحصار مع فقدان كثير من الأسر لمعيلها واضطرارها لدفع أبنائها إلى العمل في سن مبكرة للحصول على دخل إضافي واضطرت نساء كثيرات للدخول إلى سوق العمل الهامشي لإعالة الأسرة. أما بعد الحرب الأخيرة التي أدت إلى سقوط النظام وما تبعه من احتلال أميركي وبريطاني فقد أسفرت عنه نتائج هائلة ومدمرة إذ وصل عدد القتلى الرسمي من مدنيين وعسكريين إلى أكثر من ثلاثة عشر ألف عراقي. واضطرت آلاف النساء المعيلات إلى الانسحاب من العمل خوفا من الاختطاف والاعتداء وانتشرت المخدرات. ولاتزال أوضاع الأسرة العراقية في تدهور مستمر.

أثر الاحتلال والحروب على أوضاع الأسرة الفلسطينية: يعيش المجتمع الفلسطيني في الوقت الحاضر أقسى أشكال التهديد لوجوده من قيام «إسرائيل» على أرض فلسطين العام 1948. ففي هذا الوقت الذي تنظر فيه محكمة لاهاي الدولية في قضية الجدار العنصري الفاصل الذي تقيمه «إسرائيل» حول الضفة الغربية مقتطعة أراضي ضخمة ومساحات شاسعة من أراضي الضفة. ومنذ اتفاق أوسلو تضاعف عدد المستعمرات الإسرائيلية التي أقيمت على أراض فلسطينية بنسبة 49,52 في المئة وازداد عدد المستعمرين الاسرائيليين الذين يسكنون فيها من 161 في العام 1993 إلى 390 ألفا للعام 2000. وقد فقدت العائلات الفلسطينية منذ بداية الانتفاضة الثانية (سبتمبر/ أيلول 2000) وحتى سبتمبر العام 2003 استشهد برصاص جنود الاحتلال الاسرائيلي ما مجموعه 2479 فلسطينيا من بينهم 400 طفل تحت سن 18 عاما وأكثر من 35 امرأة وأصيب ما مجموعه 23,627 فلسطينيا بجروح بالغة من بينهم 7000 طفل وأصيب 2000 فلسطيني بإعاقات دائمة من بينهم 500 طفل. إضافة إلى 6000 معتقل يقبعون في سجون «اسرائيل». ومن ضمن استراتيجيات التكيف الشائعة بين العائلات الفلسطينية في ظل تلك الظروف الصعبة لجوء الأسر إلى تجميع مصادر الدخل وخفض الاستهلاك والاستدانة وبيع الممتلكات البسيطة التي بحوزتها.

3- دور المرأة العربية في تنشئة الأسرة على العدالة والسلام: من خلال استعراضنا لبعض ما عانته أربع دول عربية خلال المنازعات المسلحة والحروب الأهلية يتبين لنا أن المدنيين، لا سيما النساء والأطفال، يشكلون الغالبية العظمى من المتأثرين سلبا بالصراع المسلح، ويشمل ذلك المشردين واللاجئين داخليا والذين يمثلون بصورة متزايدة هدفا للمتقاتلين والعناصر المسلحة. لذلك من المفيد أن تلعب

النساء دورا هاما في منع الصراعات وحلها وفي بناء السلام وكذلك أن تكون مشاركتها كاملة في جميع الجهود الرامية الى حفظ السلام والأمن وتعزيزهما، وزيادة دورها في صنع القرار. وقد أصدر مجلس الأمن في جلسته 4213 بتاريخ 31 أكتوبر/ تشرين الأول العام 2000 القرار رقم 1325 المتعلق بمنع الصراعات وحلها والذي يعد قرارا حاسما في تعزيز دور المرأة في بناء العدالة والسلام. والقرار مكون من ثمانية عشر بندا ومن أهم التوصيات التي يحتويها: حث الدول الاعضاء على ضمان زيادة تمثيل المرأة على جميع مستويات صنع القرار في المؤسسات والآليات الوطنية والاقليمية والدولية لمنع الصراعات وادارتها وحلها، وحث الأمين العام على تعيين المزيد من النساء كممثلات ومبعوثات خاصات للقيام بالمساعي الحميدة باسمه، ويطلب القرار من الدول الأعضاء، في هذا الصدد، تقديم مرشحات الى الأمين العام لإدراجهن في قائمة مركزية يتم تحديثها بصفة منتظمة، ويحث الأمين العام كذلك على السعي إلى زيادة دور المرأة واسهامها في عمليات الأمم المتحدة الميدانية وخصوصا بين المراقبين العسكريين والشرطة المدنية وموظفي حقوق الانسان والمساعدة الانسانية، ويدعو جميع الاطراف في الصراعات المسلحة إلى ان تتخذ تدابير خاصة تحمي الفتيات والنساء من العنف القائم على أساس الجنس في حالات الصراع المسلح لاسيما الاغتصاب والاشكال الاخرى للايذاء الجنسي، ويشجع جميع المشاركين في وضع خطط نزع السلاح والتسريح واعادة الادماج على مراعاة الاحتياجات المختلفة للمقاتلين السابقين أناثا وذكورا وعلى مراعاة احتياجات معاليهم، وأخيرا يدعو الأمين العام الى القيام بدراسة عن أثر الصراع المسلح على المرأة والفتاة، ودور المرأة في بناء السلام وحل الصراعات، ويدعوه أيضا إلى أن يقدم الى مجلس الأمن تقريرا عن النتائج التي تنتهي إليها هذه الدراسة والى أن تتاح فرصة قراءة هذا التقرير لجميع الدول الاعضاء في الأمم المتحدة.

وهناك فوارق ضخمة في أوضاع المرأة العربية سواء في النواحي الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية، ولكن جميع تلك الدول تتشابه في التركيز الطاغي على دور المرأة الاجتماعي كزوجة وأم مما يسهم في النمو السكاني الذي فاقت نسبته جميع دول العالم.

أ) دور المرأة في الأسرة: إن ما تحقق من تطورات في الدول العربية فيما يخص المرأة لا يعدو انجازات متواضعة هنا وهناك. ومن وجهة نظرنا يبدو تطبيق ما جاء في القرار 1325 هو مدخل لتسريع عملية تعزيز دور المرأة في بناء العدالة والسلام. ومن خلال تركيز دور المرأة في الأسرة وتربيتها لأبنائها على الايمان بقيم العدالة والاسلام يتطلب أن تكون المرأة الأم نفسها قد نالت درجة كافية من التعليم والدراية بالأمور العامة كي تنقل لأبنائها تلك المفاهيم. كذلك يتطلب الدور أن تتمتع المرأة بقوانين تضمن لها المساواة مع الرجل في جميع المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ونخص بالذكر قوانين الاحوال الشخصية. إن معظم قوانين الاحوال الشخصية العربية تتطلب اعادة نظر وكتابتها مرة اخرى كي توائم ما حدث للمرأة وللعالم من تطورات. بل أن بعض الدول العربية لاتزال من غير قانون يخص المرأة والأسرة.

ب) المرأة والتربية: على رغم كون الدول العربية قد بذلت جهودا شاقة لتحسين انتفاع المرأة بالتعليم وسد الثغرة الموجودة بين الرجال والنساء في جميع مراحل التعليم فإن ازدياد النمو السكاني بتلك الصورة المكثفة وعدم ازدهار النمو الاقتصادي الى جانب سيطرة القيم التقليدية التي تعوق تقدم المرأة قد حد من انطلاقة المرأة نحو الوصول الى تعليم أفضل. ويشير تقرير التنمية العربية للعام 2002 إلى أن اعداد الاميين في الوطن العربي قد بلغت حاليا أكثر من 65 مليون أمي معظمهم من النساء. ويأتي دور التربية اساسيا لتحقيق نتائج ايجابية بالنسبة إلى الحد من الصراعات المسلحة، إذ ينبغي ان تدرج مخاطر الحروب والنزاعات وايجابية السلام وتأثيره على مسيرة التنمية في المنهج العام في جميع المدارس العربية ليشمل المستويات الثلاثة من مراحل التعليم: الابتدائية والاعدادية والثانوية بل وحتى المرحلة الجامعية. إن تثقيف المواطنين خصوصا الطلاب بمساوئ الحروب والمنازعات وتقريب وجهة النظر التي تنادي باحلال السلام سيعود مردوده على الاجيال المقبلة.

الاعلام وتأثيره في الحد من الحروب: تلعب وسائل الاعلام دورا ا ساسيا في نشر المعلومات والمعرفة. والاعلام سيف ذو حدين، اذ بإمكانه ان يكون عاملا قويا للتغيير كما يستطيع أن يكون عاملا للقهر والتسلط. ومن الممكن استغلال وسائط الاعلام لاظهار وتعزيز دور المرأة في الحد من النزاعات المسلحة عن طريق برامج متخصصة. ويستطيع هذا الدور القوي والايجابي للاعلام أن يلعب دورا أساسيا في منطقتنا العربية لرفع وعي المواطنين بمخاطر الحروب ونتائجها الرهيبة. ومن خلال وسائل الاعلام تلك نستطيع نشر الثقافة والفنون التي تصب في هذا المجال. فالثقافة وسيلة ولها وظيفة جوهرية هي انتاج الافكار والمفاهيم الكبرى التي من شأنها أن تجعل المجتمع في حركة دائمة، كانتاج الديمقراطية والايديولوجيا ومفاهيم الحرية والمساواة والعدل وغيرها. إن ثقافة السلام استراتيجية في تطلعها الى التاريخ المقبل عليها. فهي إذا تحسن مقاربة الحرب إذا كان لا بد منها، كما تحسن تطوير مجتمع السلام الى اقصى ابعاده، فتحصنه ضد الغدر والعدوان. كما أن تأثير الفن واسع وفعال في نشر ثقافة السلام، ونخص هنا الفن التشكيلي، فنحن حاليا نعيش مرحلة متقدمة من الفن (ما بعد الحداثة) فبالاضافة الى الفرشاة واللوحة الزيتية والأزميل والخام، اضيفت الثقافة البصرية التي تعتمد على التصوير الفوتوغرافي والفيلم والغرافيكا. ومثال على ذلك ان الصورة التي حازت على جوائز مسابقة الصور الصحافية الدولية في امستردام للعام 2004 هي صورة اسير حرب عراقي وابنه تمت تغطية وجهه ورأسه بغطاء بلاستيكي اسود ويحتضن طفله المذعور حافي القدمين خلف الاسلاك الشائكة. تلك الصورة تبين مدى بشاعة الحرب ونتائجها التي تمس المدنيين ومنهم النساء والاطفال، ان توظيف الفن بجميع اشكاله لإبراز مأساوية الحرب وفظائعها يعد وسيلة فعالة في صالح السلام.

وأخيرا نختتم بعبارة قالها وزير خارجية ناميبيا عندما كان يرأس مجلس الأمن الذي صوت على القرار 1325 المتعلق بالسلام والأمن «تشكل النساء نصف المجتمع... فلماذا اذن لا يشكلن نصف الحلول»؟

أستاذة في جامعة البحرين

العدد 552 - الأربعاء 10 مارس 2004م الموافق 18 محرم 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً