كما لا يخفى على أحد فان العالم يمر في الوقت الحالي في حال من الإضطراب وعدم الاستقرار على أصعدة متعددة وجوانب كثيرة وهذا بدوره اثر على الجانب الاقتصادي وإدارة الأعمال بشكل مباشر وملموس. ولعل حالة الركود الاقتصادي التي تمر به وتعاني منه عدد كبير من الشركات الرائدة يعد من ابرز المؤشرات على هذا الوضع ما حذا بالبعض أما للاندماج وتكوين شركات ضخمة جديدة أو الدخول في مجالات عمل مختلفة لتتنافس مع شركات صغيرة أو متوسطة. وعلى صعيد استمرارية العمل فقد أدى هذا الحال إلى تعرض المؤسسات الاقتصادية بجميع أحجامها ومستوياتها ولدرجات متفاوتة لظروف عمل طارئة خارجة عن العمل الروتيني أنتجت حالة من الإرباك والتخبط أدت بكثير من المؤسسات إلى خسائر فادحة على جميع الأصعدة وفي بعض الأحيان إلى مساءلات قانونية ونتائج تصل إلى إغلاق المؤسسة. ومن هنا نتجت الحاجة إلى تبني كل المؤسسات الخدمية لاسيما الاقتصادية منها لنظام جديد يضمن استمرارية عملها في الظروف الطارئة وغير الطبيعية والذي يدعى منهجية استمرارية العمل (هذه الترجمة مستخدمة من قبل المؤلف لتعني Business Continuity Management والتي سيتم استعمالها في بقية هذا المقال).
ولكي نبقى بحدود الموضوع، فان هذا المقال سوف لن يتناول كيفية إنعاش الحالة الاقتصادية لبعض الصناعات أو القطاعات ولا الحديث عن الأسباب والعوامل التي ادت الى هذا الحال ولكن سنركز على احد جوانب التأثير الناتج عن حال الاضطراب هذا وخصوصا فيما يتعلق بادارة الاعمال. بتعبير آخر سنتحدث عن الخطوات العملية التي يمكن اتخاذها من قبل اصحاب الاعمال لضمان استمرارية العمل ولو بمقدار يسير اذا ما تعرضت المؤسسة لأحد العوامل التي تمنعها من اداء مهامها بالطريقة المطلوبة وبمستوى محدد يتناسب مع خطط ومنهجية العمل.
تكنولوجيا الاتصالات المتطورة الحديثة جعلت من العالم قرية صغيرة وهذا بدوره جعل الاعمال مرتبطة فيما بينها بطريقة معقدة ومتشعبة للغاية. هذا وان كان جيدا من جوانب كثيرة الا انه ايضا وضع كثيرا من المؤسسات تحت ضغط كبير لضمان استمرارية العمل في كل الاحوال والظروف وإلا تعرضت المؤسسة لتبعات قانونية وإلتزامات مالية لا طاقة لها بها ما قد يؤدي إلى نتائج وخيمة كما أسلفنا. وبالحقيقة بعض المؤسسات الرائدة تجعل من وجود استراتيجية مستقلة لضمان منهجية استمرارية العمل من شروط ارتباطها بعقود عمل مع مؤسسات اخرى. وقد انعكس هذا التصور على المستوى السياسي وعلى مستوى الدولة ما حذا ببعض الدول المتقدمة بوضع قوانين ولوائح مطلوب من الاعمال الالتزام بها وإلا تعرضت للمساءلة القانونية. وهذا ناتج من اهتمام هذه الدول بموضوع منهجية استمرارية العمل ودوره الفعال في الاقتصاد الوطني والنمو الحضاري.
إذا السؤال الآن هو ما هي هذه العوامل التي تعيق عمل المؤسسات او توقفها عن العمل؟. في الحقيقة الجواب على هذا السؤال وان كان بسيطا للوهلة الاولى الا ان التدقيق فيه يجعله ايضا صعب الاجابة. هذه الصعوبة ناتجة من محاولة تصنيف هذه الاخطار أو المعوقات بطريقة يسهل فهمها وبالتالي التعامل معها واتخاذ الاجراءات المناسبة. وفي هذا المقال المختصر لا يمكن تحديد كل هذه المخاطر ولكن فقط لإعطائك فكرة عن صعوبة هذه المهمة فانه يمكن مثلا تصنيف هذه الأخطار على الوجه الآتي:
بيئية مثل الكوارث الطبيعية والفيضانات وغيرها تخريبية مثل الأعمال الإرهابية والانتقامات الشخصية والحروب بشرية مثل عدم حضور بعض العمال الرئيسيين للعمل لسبب ما او للاضرابات العمالية خدمية مثل الاتصالات والكهرباء والماء، إدارية مثل عدم وجود مناهج عمل محددة للقيام المهمات اليومية استراتيجية مثل عدم وجود خطة عمل واضحة مستقبلية لادارة العمل وكما ترى فانه يمكن إطلاق العنان للتصورات الذهنية للذهاب كل مذهب والدخول في توقعات كثيرة كل يحمل درجة من الاحتمالية. ولكن من اجل أن نجعل هذه التوقعات تملك صبغة واقعية ومنطقية وتجنب إرباك العمل والعاملين من دون ضرورة فانه تم وضع الموازين والمقاييس للقيام بإجراء حسابات كمية ونوعية لتقييم هذه المخاطر ووضعها على سلم تقييم موحد. هذا التقييم يستخدم فيما بعد لوضع وتقييم الأولويات المختلفة وإعطاء كل منها الوزن المناسب وخطة استمرارية العمل المطلوبة ضمن خطة شاملة ودقيقة قدر الإمكان. ولكن هذا التقييم ما هو إلا مرحلة واحدة من عدة مراحل مرتبطة فيما بينها ومتسلسلة بحيث تشترك جميعها بطريقة متناسقة لصياغة منهجية استمرارية العمل للتعامل مع الحوادث الطارئة بطريقة علمية وعملية ومن هنا ظهرت الحاجة لوجود منهجية استمرارية العمل. وعليه يمكن تعريف عملية التخطيط المسبق لاعداد منهجية استمرارية العمل على إنها مجموعة من الخطوات العملية تهدف الى تطوير تصور علمي وعملي يرتكز على اسس استراتيجية ومنطقية لضمان استمرارية العمل، ولو بأدنى حد، في حال حدوث مؤثر خارجي او داخلى يحول دون ذلك. ولذلك فإن هذا المنهج ليس معني فقط بتحديد المخاطر وطرق التعامل معها بل هو أيضا ضرورة عملية لإدارة الأعمال بشكل عام.
ومن اجل تناول هذه المسألة من زاوية علمية فانه تم معالجة مشروع تصميم منهجية استمرارية العمل على إنها أنظمة متكاملة تخضع لغالبية الاعتبارات والقوانين المتعلقة بعلوم تحليل وتطوير النظم، وهذا بدوره يؤدي إلى تبسيط تطوير وصيانة وتطبيق برامج استمرارية العمل. ونظرا لضيق مساحة الكتابة فإن هذا الجانب ستتم مناقشته في الجزء الثاني من العدد المقبل.
معهد البحرين للدراسات المصرفية والمالية
العدد 561 - الجمعة 19 مارس 2004م الموافق 27 محرم 1425هـ