العدد 615 - الأربعاء 12 مايو 2004م الموافق 22 ربيع الاول 1425هـ

سورية... الهدف المقبل

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

الإجراءات الظالمة وغير العادلة التي قررها الرئيس الأميركي جورج بوش ضد سورية جاءت في وقت شديد التعقيد. فالرئيس الأميركي يواجه أزمة في العراق أخذت تنعكس على توازنات إدارة البيت الأبيض بين دائرة البنتاغون (وزارة الدفاع) المتحالفة مع نائب الرئيس ديك تشيني، ودائرة الخارجية التي يقودها كولن باول بصعوبة وسط صيحات وعراقيل من الأجنحة المتطرفة (المحافظون الجدد) التي تسيطر على الكونغرس في غرفتيه: الشيوخ والنواب.

هذا التوتر الداخلي في الإدارة الأميركية يمكن التقاط مفارقاته في التخبط السياسي الذي نراه في معالجة الملفين العراقي والفلسطيني. فكل يوم تظهر خطوة تعارض خطوة سابقة، الأمر الذي يكشف عن وجود خلل في إدارة السياسة العامة. فواشنطن اليوم حائرة في تحديد مسارها فهي مضطرة إلى الانسحاب جزئيا في يونيو/ حزيران المقبل، ولكنها لا تثق بامكانات «مجلس الحكم الانتقالي» في بغداد. وهي تدعم مشروع ارييل شارون في فلسطين، ولكنها غير قادرة على انتهاج خطوات متزنة تعيد لها صدقيتها التي خسرتها كطرف «نزيه ومحايد» ومنضبط تحت سقف القرارات الدولية.

ونتيجة لهذا التذبذب حصلت هذه الفوضى العارمة من فلسطين إلى العراق. ففي فلسطين تبدو الأمور سائرة نحو التصعيد في وقت يريد بوش بعض الهدوء حتى لا يعكر مزاج حملته الانتخابية. وفي العراق تبدو الحوادث تتجه نحو المزيد من التداعي في فترة ما بعد انسحاب قوات الاحتلال جزئيا وإعادة انتشار الجيش الأميركي في القواعد ومهابط الطيران.

كل الرياح تسير عكس ما تشتهي سفن بوش، ومع ذلك دفعه الكونغرس دفعا لاتخاذ تلك الاجراءات ضد سورية. فالكونغرس زاد على طين بوش بلة، كما يقول المثل. وهذه الزيادة تشير إلى نوعية تلك الكتلة العنصرية (الايديولوجية) التي تستغل إدارات صنع القرار في الولايات المتحدة لحسابات انتخابية ولمصلحة طرف وحيد في دائرة «الشرق الأوسط».

لا شك في ان «إسرائيل» هي المستفيد الأول من كل سياسات بوش في السنوات الأربع من حكمه. وهي كما تبدو من تصرفات قادتها وانصارها في أميركا، لم تشبع نهمها من إضعاف المنطقة العربية واستخدام قوة الولايات المتحدة لتهديد الدول المجاورة لفلسطين أو العراق.

تهديد بوش سورية من خلال توقيع تلك الاجراءات هو خطوة تراجعية أمام هجوم الكونغرس، ولكنه يعتبر خطوة هجومية على المنطقة انطلاقا من إعادة تحديد سلم أولوياته في الفترة المقبلة في حال نجاحه في التجديد لرئاسة ثانية. فالاجراءات ليست مهمة اقتصاديا ولا تأثير لها على التجارة السورية المتدنية معها اصلا (تبلغ نحو 300 مليون دولار سنويا) الا ان خطورتها في اشاراتها السياسية، وما تدل عليه من رموز خفية، تذّكر بتلك التي سبق ان اتخذتها إدارات أميركية ضد العراق على امتداد عقد من الزمان.

اجراءات بوش ضد سورية هي رسالة سياسية في الدرجة الأولى، وتكشف عن وجود نزعة عدوانية تخطط لشيء ما في المستقبل القريب. فهذه الاجراءات هي محاولة للاستجابة لضغوط ايديولوجية مارسها تحالف رامسفيلد - تشيني مع صقور الكونغرس الذي يبدو انه لايزال القوة المسيطرة أو الموجهة لدفة الحكم في البيت الأبيض. وهذا التحالف الممثل في كتلة ايديولوجية عنصرية (المحافظون الجدد) يرى ان الحرب على العراق لم تكتمل فصولها، وان تلك الحرب لابد ان تستكمل بالمزيد منها. فهذه الكتلة غير أخلاقية وتقودها مجموعة مفاهيم، لا تقيم أي اعتبار للمصالح والإنسان والمبادئ والحقوق وترى نفسها انها مكلفة من «عناية آلهية» لتنفيذ مخطط يطيح بالموجود لغايات لا صلة لها بالواقع، ولا تخضع كثيرا للمصالح أو لميزان الربح والخسارة.

اجراءات بوش ضد سورية هي إشارات سياسية وهدفها إعادة التذكير بأن المقاومة في العراق أسهمت في تأخير المخطط ولكنها لم تنجح في تجاوزه أو الغاء محطاته التالية. فالمشروع برأي هذه الكتلة لم يتوقف على رغم الصعوبات والفوضى وفضائح التعذيب.

هذه السياسة العدوانية تعتبر علامة سيئة، لجأ اليها الكونغرس المتحالف مع الثنائي رامسفيلد - تشيني قبل الانتخابات الرئاسية بستة أشهر لضمان استمرار الاستراتيجية في الفترة المقبلة في حال جدد لبوش. واذا لم يجدد فإن تحالف الشر يكون حدد اتجاهات الرياح في «الشرق الأوسط» للرئيس المنافس جون كيري. وربما يكون هذا هو القصد من وراء الاستعجال بدفع بوش نحو السير في الاجراءات الظالمة ضد سورية. فالاجراءات تعيّن الهدف المقبل... وبعد ذلك ليكن ما يكون. انها ضربة استباقية سياسية وأساسها افتعال الأزمات لتبرير استراتيجية «الحروب الدائمة»

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 615 - الأربعاء 12 مايو 2004م الموافق 22 ربيع الاول 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً