العدد 633 - الأحد 30 مايو 2004م الموافق 10 ربيع الثاني 1425هـ

انتخابات مجلس طلبة جامعة البحرين بين «النباهة والاستحمار»!

يوسف البنخليل comments [at] alwasatnews.com

أولا يجب أن اعترف بأن العنوان الذي استخدمته لمقالي هذا ليس ملكي، بل هو ملك لصاحبه المعروف الشهيد علي شريعتي الذي استخدمه عنوانا لكتابه المشهور «النباهة والاستحمار».

طبعا حتى لا تختلط المفاهيم المستخدمة في هذا المقال وفي كتاب شريعتي، سأقوم في البداية بإعطاء تعريف لكلا المصطلحين حتى يتسنى للقراء الكرام فهم المراد من إيصاله في هذا المقال.

النباهة: هي استخدام العقل والمنطق في التفكير وإعداد الخطط والاستراتيجيات، واتخاذ القرارات بعيدا عن العاطفة والمشاعر أو التحزبات والطائفية العرقية وذلك من أجل النفع العام والمصلحة العامة للأفراد ومصلحة الأمة ككل.

الاستحمار: هو استخدام القلب والمشاعر والأحاسيس في إعداد الخطط واتخاذ القرارات تبعا لطبيعة المصالح الشخصية أو لغرض تحقيق أهداف طائفية أو فقط من أجل «إقصاء» الطرف الآخر من المعادلة من دون إعطاء أسباب «عقلانية» مقنعة لهذه التصرفات الإقصائيّة بلغة بسيطة هو تصرف أحمق وغير أخلاقي.

الطلبة وجدلية «مقاطعة المشاركة» و«مشاركة المقاطعة»:

قبل أن تفتح الإدارة العليا لانتخابات مجلس طلبة جامعة البحرين 2004 الباب على مصراعيه للتقدم بالترشيحات للراغبين أو حتى الراغبات لدخول سباق المنافسات، فتح الطلبة باب «جدلية الانشغال والاشتغال» ما بين المشاركة والمقاطعة.

أنا لا أقول إن هذا شيء سيئ، بل بالعكس، هو شيء رائع أن تكون هناك جلسة حوار «عقلانية» مبنية على «النباهة» في الأخذ والعطاء بين الرأي والرأي الآخر المخالف. ولكن المشكلة هنا تكمن في «استحمار» البعض عند مناقشة مثل هذا الأمور الحساسة للغاية، فيفسق دعاة المقاطعة المشاركين، ويقاطع أهل المشاركة المقاطعين، وفي نهاية المطاف، تكون هذا المناقشات بؤرا للخلافات العقيمة وخلق العداوات ما بين الطلبة داخل الأسرة الجامعية الواحدة.

ومن خلال متابعاتي المتواضعة لمجريات الأمور قبل، وأثناء، وبعد انتخابات المجلس الطلابي لهذا العام، خرجت باستنتاجات أربع، هي عدد أنواع القرارات التي أفرزتها هذه الجدلية وتجربة انتخابات 2004، وخرجنا بنوعين من المشاركة، ونوعين آخرين من المقاطعة نستعرض معكم الأنواع الأربعة. فنعرض عليكم في البداية أنواع المشاركة ومن ثم نتطرق إلى أنواع المقاطعة.

أولا: المشاركة:

النوع الأول : المشاركة الاستحمارية (قاتلة):

وهنا، الهدف الرئيسي من المشاركة هو فقط من أجل المشاركة لا أكثر. يعني المشاركة للمشاركة وقد تأخذ أشكالا متعددة منها مثلا الطائفية والعرقية، إذ يرشح الناخب مرشحا معينا فقط لأنه منتمي إلى طائفته نفسها، كذلك العرقي الذي ينتخب من ذوي عرقه، أو ربما انتخاب الصديق فقط لأنه صديق حتى لو لم يكن أهلا لمثل هذه المناصب مع وجود منافسين أكفاء في الانتخابات، ولكن يتم إقصاء الآخرين لأنهم ليسوا من أصدقاء الناخب. أو حتى قد يكون سبب الترشيح «عن الملل» لمجرد قتل الوقت «الفاضي» لدى الكثيرين يوم الانتخاب. طبعا تعددت هنا أشكال الانتخاب ولكن السبب واحد وهو عدم الاكتراث للكفاءة والمسئولية، فقد تعددت الأسباب والموت واحد. وهذا النوع نستطيع أن نقول عنه إنه «استحمار» بمعنى الكلمة لأنه يؤسس إلى آثار ومبادئ سلبية جسيمة منها تعزيز الفجوات الطائفية وخلق ألغام وقنابل عرقية داخل الأسرة الجامعة الواحدة. ناهيك عن ترسيخ مبادئ اللاوعي واللا انتماء للمؤسسة التعليمية. وهذا الاختيار قد يكون أسوأ وأخطر موقف في أي انتخابات في العالم، فيخسر الصديق صديقه، ويخلق العداوات مع الأعراق والطوائف المجاورة.

النوع الثاني : النباهة في المشاركة (التصويت لغدٍ أفضل):

بالنسبة إلى هذه الخطوة، نستطيع أن نقول عنها إنها خطوة مباركة، لأن الهدف شفاف وواضح وضوح أشعة الشمس وأمام الجمهور، وهو الدخول من أجل محاولة التغيير إلى الأفضل. وتكون أسس ترشيح المرشح من قبل الناخبين على أساس الابتعاد أولا عن الطائفية والعرقية أو حتى الصداقات في الاختيار، والاعتماد على كفاءة ونزاهة المرشح أولا. أو على أقل تقدير، ترشيح أفضل الموجود حتى لا يدخل أسوأ الموجود. وبالتالي يختار الناخبون الأجدر والأفضل لمجلس الطلبة الذين يريدون أو يتمنون على أقل تقدير لهم إحداث إيجابيات قادمة في العمل الطلابي داخل الحرم الجامعي. وهنا، حتى لو كان مجلس الطلبة «خديج» أو تعرض لعملية قيصرية أثناء ولادته، أو كانت صلاحياته ناقصة ومبتورة، على الأقل النية صالحة بيضاء لأنها ترتكز على أساس استخدام «النباهة» من أجل محاولة تطوير المجلس الطلابي.

والآن نطرق الباب على المقاطعة ونتعرف على أنواعها المختلفة:

ثانيا: المقاطعة:

النوع الأول: المقاطعة الاستحمارية (عقيمة):

وهذا القرار أيضا سيئ للغاية، لأن هدفه الاستراتيجي فقط المقاطعة من أجل المقاطعة. فيكون تعصبا لفكرة المجلس وكأنه «رجسٌ» من عمل الشيطان من دون مناقشة الفكرة في الأساس أو محاولة التعرف على واقع وصلاحيات المجلس نفسه. أو قد يكون اتخاذ هذا القرار بسبب أن الناخب ليس لديه المزاج و لا يريد أن «يعور» رأسه و«يخرّب» مزاجه في الذهاب إلى قاعات الاقتراع من أجل وضع ورقة الترشيح داخل الصندوق فيستشعر بالإجهاد النفسي وإن مشكلات الكون من إرهاب دولي ومعسكر القاعدة سيعكران مزاجه أو يتعبان قدميه إن حاول مجرد التفكير قبل الذهاب للتصويت. ومثل هذا القرار يؤسس مؤسسة «اللاوعي» و«اللاشعور» و«اللاإكتراث» بالشأن العام والمدار الذي يحوط الفرد من حواليه.

النوع الثاني: النباهة في المقاطعة (وسيلة ضغط سلمية):

وهذه الأخيرة، هي استخدام قرار المقاطعة كوسيلة ضغط سلمية راقية تعبيرا عن رفض المجتمع لواقع معين والمطالبة بتحسينه وتطويره وزيادة صلاحياته. وهذا أسلوب إيجابي متحضر متبع حتى في أرقى الإمبراطوريات الديمقراطية من هذا الكون. وهو أساس جيد جدا لما للفكرة من هدف صريح وهو إيصال رسالة واضحة للسلطة وذوي الاختصاص بعدم صلاحية أو قانونية شيء والمطالبة بزيادة صلاحياته أو تغييره.

لا للاستحمار في المقاطعة والمشاركة:

من هنا، نحذر إخواننا الطلبة والطالبات من اتخاذ أي من القرارين مستقبلا، سواء المشاركة أو المقاطعة على أساس عاطفي أو طائفي. فلا تصوت أيها الناخب للمرشح فقط لأنه من طائفتك نفسها أو من عرقك نفسه. ولا تصوت للمرشح لأنه فقط زميلك أو صديقك. ولا تصوت للمرشح الذي يستغل ترشيحه لأهداف ومصالح شخصية، منها الوجاهة وحب الظهور وعرض العضلات وغيرها من الأسباب التافهة التي يريد إدراجها في سيرته الذاتية متناسية خدمة الطالب التي من أجلها أسس المجلس أولا وآخرا.

ولا تقاطعوا يا شباب في المرات المقبلة المجلس الطلابي فقط من أجل عدم المشاركة. ورجاء لا تستخدموا أعذار التعب والإجهاد مخرجا لعدم الذهاب لقاعات الاقتراع. فالاستحمار هنا يقتل المجلس ويطمسه في بحر الظلمات!

نعم للنباهة في المشاركة والمقاطعة

في المقابل ندعو ونشجع، ونقدم كل الدعم للطلاب الذين سجلوا موقفهم من المجلس وانتخاباته على أساس عقلاني غير عاطفي وغير طائفي. فنعم للمشاركة من أجل التغيير، ونعم للتصويت من أجل غد أفضل، ونعم لانتخاب المرشح الكفؤ القادر أو على الأقل صاحب النية الصالحة. والشيء نفسه بالنسبة إلى المقاطعة الفعالة التي تهدف إلى إيصال رسالة احتجاجية بصورة حضارية راقية وسلمية، ونية هؤلاء الشباب بضرورة توسعة صلاحيات المجلس وعدم قبولهم بالصلاحيات الحالية.

الاختيار رائع

في أحد الإعلانات المنتشرة تستخدم إحدى الشركات عبارة جميلة في تسويق منتجاتها، وهي عبارة (الاختيار رائع)، ولكم يا طلبة أحد الخيارين بشرط أن تكون «النباهة» هي المسيطرة وليس «الاستحمار»، فالاختيار رائع

العدد 633 - الأحد 30 مايو 2004م الموافق 10 ربيع الثاني 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً