العدد 637 - الخميس 03 يونيو 2004م الموافق 14 ربيع الثاني 1425هـ

الأخطبوط... المارد المعلوماتي القادم

حسن الصحاف comments [at] alwasatnews.com

«إن طريق المعلومات السريع سيوفر إمكانات تبدو سحرية عند وصفها، لكنها تمثل في واقع الأمر التكنولوجيا وهي تعمل لجعل حياتنا أسهل وأفضل»... بيل غيتس.

يمر عالم الاتصالات الآن في مرحلة متقدمة جدا من حراك مراحله ستجعل من الإنترنت والهاتف والفاكس والهاتف النقال شيئا ربما من الماضي. وهذا العالم الذي يتشكل بسرعة ربما لا نكون مبالغين فيها أسرع من البرق الآن ولا يمكن اللحاق به مطلقا، فهو زئبقي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، زئبقي شريف، معطاء، محب للإنسانية؛ وعلينا نحن العرب أن نركّز انتباهنا جيدا إلى النوافذ والأبواب التي سيدخل علينا منها هذا العالم الاخطبوطي المعلوماتي الجديد. فلم يعد هناك وقت للبكاء والنحيب على الإنترنت ومشكلاتها فهي في طريقها إلى الإندثار بالشكل الذي نعرفه به. فحريٌ بنا أن نقول هنا وقبل البدء في الحديث عن المستقبل في هذا المجال إنه يجب على العرب الكفّ عن مناهضة ومخاصمة ومشاكسة كل جديد من وسائل الاتصال، والتركيز على الكيفية التي يمكن الاستفادة منها بشكل ممتاز وليس جيدا، لأن مفردة جيد لا تكفي هنا على الاطلاق. فنحن العرب ليس في وسعنا اللحاق بالركب المعلوماتي من الناحية الصناعية، أي صناعة الاجهزة والمكونات التي من خلالها يمكننا تقديم المعلومات وصناعتها، لكن في مقدورنا وبشكل إبداعي اللحاق بالركب المعلوماتي إذا ما ركزنا انتباهنا على الطرق التي من الممكن توظيف هذا المنتج المعلوماتي بشكل فيه إبداع وتميز.

ما ماهية هذا العالم الاخطبوطي المعلوماتي الجديد؟ الحاسبات والهواتف تستخدم جزءا بسيطا من قدراتنا المعرفية والحسية: اللمس والشم والتذوق والبصر والسمع. إما في العالم الاخطبوطي المعلوماتي الجديد سنتمكن من توظيف جميع حواسنا الخمس إضافة إلى الحاسة السادسة. لنجعل الفكرة بسيطة نقول إن هذا العالم الجديد والجيد في آن هو على عكس الإنترنت، فالإنترنت عبارة عن شبكة كشبكة العنكبوت بالضبط، أي هي عبارة عن شبكة خطوط متصلة ببعضها بعضا موجودة في مكان ما، ثابتة لا تتحرك أبدا، الشيء الوحيد الذي يتحرك عليها هو العنكبوت. وفي مجال الإنترنت الشيء المتحرك هو المعلومات بمختلف صورها، إذ تتحرك من نقطة إلى أخرى بناء على طلب مقدم من نقطة النهاية لتوظيفهن أو هي كما قال بيل غيتس: «مجموعة من الكمبيوترات الموصلة معا، وتستخدم «بروتوكولات» قياسية لتبادل المعلومات» وقد تنبأ «غيتس» ذاته إلى أن «الطريق طويل» أمام الإنترنت «لتصبح طريق المعلومات السريعة».

في العالم الاخطبوطي المعلوماتي الجديد، الاخطبوط بأذرعه يتحرّك من مكانه في كل اتجاه بسرعةٍ فائقةٍ يأخذ ما يريد ويصل به إلى من يريد بسرعة فائقة جدا. إذا كانت الإنترنت شبكة عنكبوتية موجودة كما أسلفنا في مكان ما فإن العالم الجديد سيكون اخطبوطا يتحرك في كل مكان وزمان، ويستحصل على ما يريد من أي مكان من دون أن يقف في وجه شيء في أية لحظة ليصل بها إلى من يريدها في اللحظة ذاتها.

في عالم الحقيقة المتخيلة «فرتشول ريالتي» يوضع الناس داخل عالم الكمبيوتر، في عالم المعلومات الاخطبوطي الجديد يجبر الكمبيوتر على الحياة مع الناس في عالمهم كما هو بالضبط. وهو يعتمد على «ظاهرة السيكلوجيا المعرفية» pre-attentive processing ، في عالم الكمبيوتر المستخدم يختار المحتوى حسب رغبته وميوله الشخصي. في عالم الاتصال عبر الهاتف يمنح الهاتف الفرد اتصالا مباشرا للحصول على معلومات منتقاة حسب رغبة المشارك. في عالم المعلومات الاخطبوطي: المستخدم يجهز المحتوى. هذه التقنية الجديدة والتطور في عالم المعلومات جاء نتيجة لدراسات مستفيضة عن مستعمرات النمل والنحل وغيرها ممن تعتمد أسلوب التعاون نفسه.

سيكون في مقدور مستخدم العالم الاخطبوطي المعلوماتي الجديد أن يستخدم أي كمبيوتر في أي مكان أو زمان على أنه الجهاز نفسه الذي يملكه في منزله أو مكتبه، سيلاحقك نظامك الخاص في هذا العالم الاخطبوطي المعلوماتي الجديد إلى أي مكان تذهب إليه فيكون بإمكانك استخدام قاعدة المعلومات الخاصة بك وجميع ملفاتك وغيرها. سيكون هناك جهاز يسمى الآن بـ «الخفاش»، مهمته الأساسية إعطاء معلومات دقيقة عن تنقلاتك لحظة بلحظة. طبعا ليس في مقدور شخص آخر أن يعرف عن تنقلاتك شيئا يذكر.

ففي العالم الاخطبوطي المعلوماتي الجديد هذا سيقوم المجتمع بالضحك على الحكومات التي تتجسّس على الناس بأي شكل من أشكال التجسّس: تصنت على اتصالاتهم، رقابة دائمة على تحركاتهم (مثلا وضع جهاز متابعة في سياراتهم لمعرفة تحركاتهم)، اللعب بمعلوماتهم الشخصية، وغيرها من أدوات العسف والبطش، فهذه الادوات الجديدة تستعمل جميع حواس الانسان بما فيها الحاسة السادسة. سيتمكن المواطن من كشف وسائل التجسس الحكومية ويستطيع مقاضاتها في المحاكم لكل الجرائم التي ترتكبها في حقه وسيقدم هذا المواطن الاثباتات التي تدين الحكومات الى المحاكم بالصوت والصورة، وبأسماء الاشخاص الذين يمارسون عليه وعلى حريته كل صنوف التجسس والاهانة والاستهجان. سيتمكن الانسان أيضا من التعرف على من يفكر به إيجابا أو سلبا في أية لحظة من اللحظات التي يعيشها. سيعرف ماذا جهّز له زملاؤه من المقالب وسيعرف من من الاشخاص يكذب عليه ومن من الاشخاص يحبه أو يكرهه كره العمى. سيتمكن من الالتقاء بطبيبه من دون أن يذهب إليه، ومن معرفة تاريخ مرضه أو أمراضه وسيصف له الدواء وسيصله الدواء بعد أن يخصم المبلغ من شركة التأمين الصحي أو حسابه الخاص إلى منزله أو أي مكان يوجد فيه.

حقائب سفرك ستعلمك لحظة بلحظة عن موقعها، وإذا ما كان أحد ما يحاول العبث بها، وسوف لن ترى نقاط التفتيش في المطارات التي تفحص حقائبك بالأشعة الليزرية، ستقوم الحقيبة نفسها بإرسال معلومات عن كل ما في جوفها من أدوات وإذا ما كانت خطرة أم لا، وستكون سرية للغاية، بحيث لن ترى بشرا ينظر إلى ما في داخل حقائبك ما تخجل منه ولن يكون هناك رجال جمارك، إذ سيكون في كل مراكز الحدود أجهزة تعرف بدقة إذا ما كنت تحاول تهريب ما لا يسمح به أو بإدخال بضائع أو أغراض خاصة زيادة عن المسموح بها.

سوف لن يتمكن السياسيون من الضحك على ذقون الشعوب أبدا إذ المعلومة عن كل صغيرة أو كبيرة متاحة بالصوت والصورة والكلمة المقروءة. ستكون لعبة الأرقام والحقائق متاحة بشكل لا يمكن تصوره.

وسيتمكن المستثمرون من جني الارباح وتحاشي الخسائر خصوصا في المعاملات ذات العلاقة بالعملة والسلع والأسهم، سيتعرف في اللحظة على أي شيء من الممكن أن يؤثر على مركزه الاستثماري وإذا ما كانت أمواله في خطر أم لا.

ستتمكن الشركات من التوقع بالأشياء الذي يفكر بها المستهلك والزبون، وعليه ستعد له ما يحتاج في الوقت الذي يحتاجه، فلنعطي مثالا واحدا: كوني من محبي السمك رؤية وأكلا لنفترض أني اشتهي في يوم معين «مجبوس هامور». فسأحتاج إلى كيلوغرام هامور طازج من الخليج ونصف كيلو رز بسمتي وبعض البهارات وسمن بلدي ودقوس وخلافه. ستعرف الشركة أنني لابد سأشتري الكيلو الهامور ولن اشتري الرز البسمتي لأن ما يوجد في خزانة مطبخي يكفيني لمدة شهر، ولدي من البهارات ما يكفي لإعداد طبق المجبوس بالهامور غير أنه ينقصني السمن البلدي وستوفره لي لأنه على قائمة المشتريات التي كتبتها على سطح الثلاجة أو في مكان ما على الموقد أو المايكروويف. طبعا الشركات ستتنافس على ترغيبي في شراء الهامور من عندها وسأعرف أقل الأسعار وأكثر الهوامير لحما وطزاجة وحبولا.

ستتمكن الشركات من الاستعانة بمن تشاء وقت تشاء، ولربما استعانت بمئات من مختلف بلاد الله الواسعة لحل مشكلة من المشكلات التي تواجهها وتدفع لهذا الاتحاد المعرفي مرة واحدة من دون أن توظف وتجهز مكاتب وماشابه. سيعمل الناس في كل مكان في القهوة التي يحتسون فيها قهوتهم أو في مطعم أو في المستشفى أو في العربات الجماعية أو غيرها. هذا العالم متاح الآن في أماكن قليلة، غير أنه ينتشر بسرعة البرق كالعدوى وهو يقترب منا جدا.

هناك في احدى الصناعات التي تتعرض كثيرا الآن للتغير: صناعة المصارف، إذ في الولايات المتحدة الاميركية وحدها 15 ألف مصرف يستعدون لمواكبة هذا التغير ليصبحوا بشكل أكثر وضوحا مصارف «إلكترونية» لا يزورها الزبائن إلا من حيث مواقعهم في البيت أو أية بقعة أخرى.

في مجال الصناعات الأخرى سيتمكن كل فرد من ربط نفسه بأي مصنع يشاء ليصنع له ما يريد وبحسب ذوقه، ففي صناعة الملابس بدأت بعض المصانع في صناعة الملابس حسب رغبة الزبون وذوقه وعلى قياسه بالضبط. ويقال إن الزبون سيستطيع رؤية ذاته مرتديا تلك البدلة وعلى الشاشة أمامه وسيكون متأكدا جدا من مناسبتها له.

في عالم صاحبة الجلالة (الصحافة) الوضع بالنسبة إليها خطير للغاية وعليها أن تكون ذا «كفاءة عالية جدا»، وإن اعتمادها على الاعلانات بشكلها الحالي في طريقه إلى الزوال وعليها أن تكون «يقظة للتغير وأن تفيد من مزاياها المتفردة لكي تحقق النجاح» في العالم الاخطبوطي المعلوماتي الجديد.

في عالم التعلم والتعليم والمعرفة سيكون متاحا لبني الإنسان ما لا يمكن حصره من معلومات عن أية مسألة أو معضلة في أي مكان أو زمان وبأية لغة ومن أي مجتمع، ولن يجد طالب العلم أبدا نفسه في موقف محرج لمسألة لا يجد لها جوابا. سيتعاون الطلبة من مختلف الثقافات لحل المشكلات التي تواجههم وسيجدون الحلول بسرعة جدا ولن يخفق طالب أو طالبة في أي امتحان إذ سيجد كل الأجوبة مسطرة أمام ناظريه، «فسيتوفر له من دون انقطاع أفضل ما كتبه عدد لا يُحصى من المدرسين والمؤلفين». وستنتشر «الفرص التعليمية والشخصية، حتى بالنسبة الى الطلاب الذين لم يصادفهم الحظ الكافي للالتحاق بأفضل المدارس»، «وسيُشَجَّع الطفل على أن يفيد إلى أبعد حدود الإفادة من مواهبه (أو مواهبها) الفطرية».

في العالم الاخطبوطي المعلوماتي الجديد لن يبقى مواطن أو مواطنة صغير أو كبير رضيع أو عجوز إلا وهو على اتصال دائم بهذا العالم. فالطفل من أول ولادته سيكون له أداته التي تعرف عنه كل شيء من جميع معلومات ال «دي إن أيه» إلى وزنه ولون عينه ودرجة حرارة جسمه وعالم والديه ومنطقة ولادته وطوله وحدة ذكائه.

لن تحتاج إلى الاتصال بالإنترنت أبدا، فكل المعلومات تأتيك على الهواء مباشرة. ستكون المعلومات متوافرة لك تماما كما تنظر إلى الساعة على الحائط أو على ساعد يدك أو في ساعة جبيك. ومن دون أن يتحمل جيبك الكثير من العبء. وستستطيع أن تبقي المعلومات الأكثر أهمية لك أمامك دائما. وكل المعلومات بالمجان. على عكس المعلومات الهاتفية والمعلومات التلفازية أو غيرها. ولن تحتاج إلى كمبيوتر أو نقطة اتصال بالإنترنت وكل الرسائل التي تبعثها بالمجان مهما كان طول الرسالة. أن العالم الاخطبوطي المعلوماتي الجديد تماما كما بلورة الساحر أو مارد الفانوس: «شبيك ليبك أنا خادمك بين يديك».

وسينتهي المرح العربي الإنترنتي ليبدأ العرب بالمرح من جديد مع الجديد من دون الاستفادة منه الاستفادة الصحيحة. وسنسمع صيحات العرب تنتقد في كل صوب وحدب هذا العالم حتى يتخطاهم إلى عالم جديد آخر.

من المفردات الخاصة بالعالم الاخطبوطي المعلوماتي الجديد rfid و WiMax و Orb و EAmbient وغيرها. وهذه تستطيع أن تقوم بعدة مهمات مخصصة بالكامل لجميع اهتماماتك موجودة دائما كما الساحر لتقول لك: شبيك لبيك خادمك بين يديك.

وكما نعلم وتعلمون أن الإنترنت لا يملكها أحد فإن الاخطبوط لن يملكه أحد أيضا.

بدأت الإنترنت في العام 1969، أي قبل ما يقارب من خمس وثلاثين عاما وقد تقدمت وتوسعت بشكل رهيب، فهي الآن في طور الشيخوخة وعن قريب ستموت كما تموت الاشياء. هناك الآن ما يقارب من أربعة مليارات موقع على الشبكة العنكبوتية متاح غالبيتها لبني البشر من أي مكان، وهي ذات مردود كبير لأصحابها، أما تلك التي ليست متاحة للجميع فهي تستقطب الغبار الافتراضي ونعمة النسيان والاندثار. في العالم الاخطبوطي المعلوماتي الجديد كل شيء متاح ولكن البقاء للأكثر إبداعا والأكثر إنسانية

العدد 637 - الخميس 03 يونيو 2004م الموافق 14 ربيع الثاني 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً