العدد 639 - السبت 05 يونيو 2004م الموافق 16 ربيع الثاني 1425هـ

الدول العربية... وسي آيلاند

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

يوم الأربعاء المقبل تلتقي الدول الثماني الكبرى في قمة سي آيلاند في ولاية جورجيا، بحضور أربع دول عربية وهي الجزائر واليمن والأردن والبحرين اضافة إلى دولتين إسلاميتين (تركيا وأفغانستان) لمناقشة ما يسمى بالمشروع الإصلاحي لـ «الشرق الأوسط الكبير».

الملف كبير ليس في مساحته وانما في أوراقه الكثيرة التي تخلط عشوائيا مختلف الشئون في دائرة واحدة. قيل الكثير عن المشروع ووضعت عليه ملاحظات ووجهت ضده انتقادات. وحتى الآن لم تتراجع الولايات المتحدة عن فكرة مشروعها ولكنها ادخلت عليه تعديلات جوهرية آخذة في الاعتبار تلك الملاحظات والانتقادات التي وضعتها فرنسا وألمانيا وروسيا وبعض الدول العربية.

الآن أصبح المشروع أكثر تواضعا وأقل طموحا من السابق وبات بإمكان أميركا نيل موافقة الدول المعترضة عليه. فرنسا مثلا أعلنت تأييدها بعد اطلاعها على التعديلات. كذلك تبدو ألمانيا وروسيا وكندا اضافة إلى إيطاليا واليابان تسير كلها في اتجاه تأييد المشروع. وفي حال تمت الموافقة وأقر المشروع كخطة يعمل بها في السنوات المقبلة فعلى الدول العربية (المعنية في الدرجة الأولى بالمسألة) ان تعطي رأيها في موضوع يتعلق بسياستها وسلوكها. فالتجاهل ليس موقفا حكيما، وتسجيل الاعتراض ليس كافيا، وكذلك القبول الطوعي من دون ممانعة ليس هو الموقف المطلوب. المسألة لها علاقة بالحاجة وتتعلق أصلا بالاستعداد. فموضوع الإصلاح ليس جديدا وأميركا لم تكتشف هذه الضرورة. أميركا استغلت الموضوع وحاولت تجييره لمصلحة نفوذها في المنطقة بعد أن انكشفت أوراقها السياسية. فالإصلاح مطلب عربي قديم وهو اساسا له صلة بحاجات المنطقة الداخلية ورغبة شعوبها واستعدادها الدائم لطلب العلم والتقدم. واشنطن حاولت سرقة الأضواء مستفيدة من تلك الحاجة لكسر إرادة المنطقة ومصادرة مشروع شعوبها الخاص بالتطوير والتحديث. والمشكلة باتت في عملية الفصل بين الإصلاح العربي والاطماع الأميركية. فدخول واشنطن على الخط أربك العملية وعطل كثيرا من إمكانات تطورها الطبيعي من دون تدخلات أجنبية لا وظيفة لها سوى افساد حاجات الناس الفعلية نحو تثبيت التوازن بين الاستقلال والحرية، والسيادة والتقدم. فالتعادل بين ما يسمى بالمطالب «الديمقراطية» والحقوق الوطنية هو أساس المشروع العربي للإصلاح، وبالتالي لا يمكن الفصل بين المطلبين وتغليب العيش على الكرامة أو القبول بالاحتلال الأميركي مقابل إصدار صحيفة أو الحصول على وظيفة.

المشكلة في المشروع الأميركي أنه ظهر أحيانا وكأنه يشكل الوجه الآخر للأنظمة العربية. فالأنظمة قمعت الحرية باسم القضية الفلسطينية والآن تريد واشنطن قمع حقوق الشعب الفلسطيني واحتلال المنطقة ونهب ثرواتها والسيطرة على إرادتها باسم الحرية. فعدم التعادل (التوازن) بين المطالب شكل ثغرة سياسية في التطور العربي، وهذا ما تريد واشنطن تكراره الآن من طريق الاحتلال أو التهديد بزعزعة أمن المنطقة لمصلحة مشروع شارون الاسيتطاني. فالمسألة إذا ليست في الإصلاح وانما في شروطه ومقدماته السياسية ومقوماته الواقعية. فالإصلاح (أو التطوير والتحديث) مطلب قديم والأسلوب الأميركي في مصادرته ليس الطريق السليم لتحقيقه.

عانت المنطقة كثيرا من الانقلابات العسكرية ودفعت الثمن بسبب مصادرة حفنة من الضباط لحقوقها وحريتها وحقها في الاختيار. والآن تكرر واشنطن أسلوب الانقلابات ولكن من طريق الاجتياح الأجنبي والاحتلال الخارجي. وما حصل في العراق من فوضى وتفكك وما يمكن ان يحصل في المستقبل من مواجهات أهلية محتملة يؤكدان مجددا ان التغيير السريع (الانقلابي) يعطل إمكانات التطور ويدفع النمو إلى الوراء. فالتقدم والتطور والإصلاح لا يصنعه العسكر سواء جاء من الثكنات على ظهر دبابات أو جاء من وراء البحار على ظهر البوارج.

شروط الإصلاح ومقدماته ومقوماته تعتبر من النقاط المهمة التي ينبغي على الدول العربية المشاركة في قمة سي آيلاند طرحها. فالخلاف ليس على مبدأ الإصلاح وانما على كيفية الإصلاح، ولمصلحة من، ولخدمة من؟ فأميركا ليست جمعية خيرية ولا مؤسسة للبر والاحسان وانما هي دولة تمثل مجموع مصالح (لوبيات) واحتكارات وتكتلات اقتصادية (نفطية) وشركات تصنيع للاسلحة وغيرها. وبالتالي فالسؤال عن الكيفية والوظيفة والدور والغاية ليس معارضة للمبدأ وانما محاولة للاستفهام عن طبيعة المشروع وجوهره. تلتقي الأربعاء المقبل الدول الثماني في سي آيلاند لمناقشة مشروع «الشرق الأوسط الكبير» والدول العربية (والإسلامية) مطالبة قبل غيرها من الدول الأوروبية بوضع ثلاثة مستويات للمشروع الأميركي للإصلاح. الأول يتعلق بالمبدأ (التحديث والتطوير) وهذا لاخلاف عليه. والثاني يتعلق بالوسائل وهنا يبدأ الاختلاف. والثالث يتعلق بالغايات أو الأهداف المرجوة من كل تلك الكلمات الفضفاضة والهوائية عن الإصلاح

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 639 - السبت 05 يونيو 2004م الموافق 16 ربيع الثاني 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً