العدد 644 - الخميس 10 يونيو 2004م الموافق 21 ربيع الثاني 1425هـ

حكومة «الإنزال» بين لبننة العراق وبلقنة المنطقة

محمد صادق الحسيني comments [at] alwasatnews.com

يقول المثل الشعبي الشهير: «كُلْ ما يُعجبك والبس ما يعجب الناس».

وطبقا لبعض القواعد الفقهية المعروفة أيضا يقال: «إن لباس الشهرة مكروه» وقد يكون حراما.

وفي الحالين يبدو أن المقصود هو احترام ورعاية حقوق ومشاعر الآخر أيا كان هذا الآخر وعدم استفزاز مشاعره وعلى مدى أوسع عدم الاعتداء على حقوقه، أي «حق الناس في أن يروك بما تمّ التعارف والتوافق عليه من أعراف وتقاليد وحتى لا تكون «نشازا» في المجتمع فتخلق نوعا من الاضطراب والتشويش وعدم الاستقرار.

وإذا كان هذا الآخر «جارك» فتصبح المراعاة واحترام وتقدير ظروفه مضاعفة كما هو معروف في تقاليدنا العربية والإسلامية، لا بل إن مثل هذه المراعاة والالتزام بها باتت أشبه ما تكون جزءا أساسيا من أجزاء مبادئ حقوق الإنسان الدولية المعروفة من مثل «حريتك تنتهي حيث تبدأ حرية الآخرين...» وسائر الأعراف والتقاليد والقوانين التي أصبحت مرعية في قواعد السلوك العام ليس فقط بين الأفراد وعلى الصعيد الاجتماعي بل على صعيد العلاقات بين الأمم والشعوب والبلدان.

وحدهم أشقاؤنا العراقيون من «الحكام» الجدد يريدون الخروج على كل الأعراف والتقاليد والقوانين الاجتماعية الضاربة جذورها عميقا في التاريخ والتراث الاجتماعي، وكذلك الأعراف والتقاليد والقوانين السياسية المرعية بين الدول حديثا، وذلك فقط وفقط من خلال الاستعانة بقوة الأمر الواقع الأميركي البريطاني في بلدهم، بعبارة أخرى الاستقواء بالخارج على الداخل الشعبي، وكذلك على الجيران تحت شعار ظاهره جذاب وحق: «العراق هو شأن العراقيين»، لكن باطنه في الوقت الراهن وما يراد منه في ظل اختلال الموازين العامة في العالم هو: استعماله سيفا مسلطا على كل من تسول له نفسه الخروج على إرادة الاحتلال والهيمنة والغطرسة والعنجهية النمرودية الأميركية.

بالأمس القريب من خلال استدعاء الغزو وإشاعة مقولة الإطاحة بالحكومات الدكتاتورية بالقوة العسكرية الضاربة، واليوم من خلال الترويج لمقولة: «لا أمن ولا استقرار من دون حماية قوات متعددة الجنسيات وبقيادة الحليف الأقوى في العالم لضمان سلاسة العملية الديمقراطية!». يحاول «أشقاؤنا» من حكام العراق الجدد المبهورين مرة بقوة المحافظين الأميركيين الجدد ومرة بحنكة واقتدار مخابرات و«دبلوماسية» القوة الأعظم في العالم، الترويج لنظام عالمي جديد تنتفي معه كل أشكال الحدود والأعراف والتقاليد التي تعارفت وتوافقت عليها الدول في العلاقات الدولية.

بالمقابل فإن أصحاب هذا المذهب السياسي الجديد - مذهب نزع سيادة الدول «المارقة» أو المتمردة بالقوة، أي المحافظون الأميركيون الجدد - يحاولون مصادرة كل شيء في الذاكرة حتى التاريخ المشترك للشعوب والأمم المناضلة ضد النازية والفاشية لصالح إشاعة ثقافة «الإنزال الخارجي» على مقاس إنزال النورماندي مثلا، وإظهاره بأنه الحل الأوحد المتبقي أمام الشعوب لنيل حرياتها واستقلالها بل وضمان «الانتقال السلس للديمقراطية من القوة العظمى الملهمة!».

كمواطن «شرق أوسطي كبير»! أيا كانت انتماءاتي السياسية أو العقائدية أو الفكرية أو الاجتماعية، أرى لزاما علي أن أعلن تضامني مع كل المقاومين الحقيقيين الرافضين لمشروع «الشرق الأوسط الكبير» الذي تريده القوة الأعظم في العالم حلا إجباريا لكل قضايا العالم انطلاقا من نموذجها الأعلى «إسرائيل»، وهي دولة ارهاب الدولة المنظم، وأن أسجل اعتراضي العلني والواضح والصريح ضد ما تقوم حكومة العراق الجديدة المعينة من قبل قوات الاحتلال في مجال استبقاء قوات الاحتلال والغزو على أرض العراق الحبيب، سواء تحت غطاء قواعد عسكرية أو اتفاقات أمنية أو أية تسمية أخرى، لأن ذلك يعني ببساطة مصادرة حقوق الجميع والاعتداء على حقوق الجميع، سواء عرفت بذلك حكومة «الانزال» العراقية الجديدة أم لم تعرف!

وسلفا نقول: ليست مهمة هنا كل النقاشات أو الاحتجاجات أو المبررات التي سيحاول المدافعون عن حكومة بغداد الجديدة أن يأتوا بها في سياق دفاعهم عن سياسة تكريس الاحتلال وإشاعة الفوضى في العلاقات الدولية، كأن يربطوا مثل هذا الاحتجاج بالصراعات الإقليمية مرة! أو بالحسد من «العراق الديمقراطي الفيدرالي المتعدد الجديد»! مرة أخرى أو أي منطق! سيحاولون اللجوء إليه.

وبعيدا عن كل الكلام المعروف الذي سيقال عن كون الاحتجاج في الأصل احتجاج «القومويين أو الإسلامويين» أو ما شابه، نقول ونثبت هنا إن ما يتم العمل به في «العراق الجديد» إذا ما تكرس ومنح «المشروعية» من قبل حكام الدول المجاورة إنما سيشكل سابقة خطيرة تعني فيما تعني انقلابا فاضحا على كل الأعراف والتقاليد والقوانين المرعية في مجال السيادة الوطنية للدول ووحدة أراضيها وكل مفاهيم الأمن الوطني والقومي المعروفة للدول، ولن يلومن أحد بعد ذلك إلا نفسه إذا ما جاء الدور على بلاده لتصبح في مهب الريح في المستقبل القريب، سواء بحجة ضرورات الإصلاح والديمقراطية أو الدفاع عن حقوق الإنسان والخصوصيات العرفية والثقافية والقومية... إلخ.

نقول ذلك بصراحة ليس دفاعا عن هذا الحاكم أو ذاك من حكام المنطقة، بل نقولها لأن مقدرات هذه البلاد والأمة تعنينا نحن كشعوب وقوى حية قبل أن تعني الحاكم.

وأما «لأشقائنا» العراقيين من الحكام الجدد فنقول إن من حقكم المشروع أن ترتبوا أوضاع بيتكم الداخلي بالطريقة التي تعجبكم وبالديمقراطية التي تختارون و«بالأكل» الذي تفضلون، لكن (وألف لكن) ليس من حق أحد أن يعتدي على جيرانه من خلال تجييش الجيوش الأجنبية أولا، ومن ثم تكريس وجود الأجنبي الغازي هذا على حدود كل الجيران بحجة الدفاع عن «الأمن القطري» الخاص «وليأت الطوفان من بعد ذلك» فهذا ليس شأننا!

إنها ثقافة أنانية خطيرة فيها كسر لكل الأعراف والتقاليد ولن يقبل بها الشعب العراقي الحبيب حتى قبل شعوب دولة العراق الجديد. إن خيارا «داخليا» فيه رائحة «اللبننة» قد يكون من حق العراقيين المشروع، ولكن بشرط أن يبقى داخليا فعلا، لا أن يقام من خلال الاتفاقات الأمنية والقواعد العسكرية الدائمة التي تمهّد لبلقنة المنطقة. لأنه عند ذلك تكون قد تجاوزت «مطبخك اللبناني الخاص» لتهدد المنطقة كلها «بالبلقنة». وهذا ليس فقط مكروها بل حرام وألف حرام

إقرأ أيضا لـ "محمد صادق الحسيني"

العدد 644 - الخميس 10 يونيو 2004م الموافق 21 ربيع الثاني 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً