العدد 670 - الثلثاء 06 يوليو 2004م الموافق 18 جمادى الأولى 1425هـ

هذيان في "الوهم" وأشياء أخرى "..."

أحمد البوسطة comments [at] alwasatnews.com

ما لي أرى الناس كالدود يركب بعضهم بعضا، وأرى تلك العيون تحلق في الفضاء بعيدا وكأنها تراقب شخصا، وتنتظر بشيرا منقذا يهبط من السماء يحمل "علامة" بمواصفات هي: "إذا ضربت عنقه بالسيف. .. لا يموت!"؟ ما لي أرى الأشياء تتراقص في الظلمة حولي؟ إذا، لست وحدي أرقص في هذه العتمة، هناك مهووسون يراقبون بصمت "نقض النقيض" وتغيير الأشياء، وبؤس الحياة، وشظف العيش وسادية التعذيب من النفس ومن الآخرين؛ ومع ذلك يسيرون نحو الطريق المؤدي إلى الموت، تستهويهم قصص وحكايات، وأبيات شعر "ثورية تمجد بطولة رجل بداخله غلالة من الحزن"، قال ذات مرة: سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى فأما حياة تسر الصديق وأما ممات يغيظ العدى إن أولئك الرجال الممتازين الحالمين، السذج، وما أكثرهم في بلادي؛ أولئك الرجال الطيبون الذين متى ما أحبوا أحدا "يعلم الله لماذا؟" منحوه الحب خالصا ونذروا أنفسهم له، ومضوا في تعلقهم به أحيانا إلى حد يبعث على الضحك؛ فكم خدع الناس بشخص "ظاهرة الاستقامة والصدق، وباطنه الخبث والمكر والوصولية؟!". ليس عبثا ما ترويه الأسطورة الروسية عن حكاية القبيلتين المتخاصمتين اللتين تعيشان على ضفتي نهر، ويجيء الساحر لشخص يعيش على الضفة اليمنى ويطلب منه أن ينفذ له طلب ما يريد بشرط؛ أن يعطي ضعف ما يطلبه لشخص يعيش على الضفة الأخرى، فقال الرجل للساحر بسرعة بديهة: "اخرم لي إحدى عينيي!"، فالنتيجة معروفة: لكي يخرم عينين لشخص في القبيلة المعادية على الضفة الأخرى.

قال فقير معدم يعمل في قطع الأشجار "حطاب" بفرح أثناء استراحة "محارب" مع صديقه وهما "يحتسيان حليب الناقة من خف الجمل!": "انتهى كل شيء، لقد رتبنا للزفاف بيني وبين الأميرة. وسأتزوجها قريبا جدا؛ لم يبق سوى "موافقة العروس ووالدتها ووالدها السلطان!"... بالمشمش. هذا الفقير "الواثق جدا" من زواجه بالأميرة، يحلم والحلم ليس بحرام، لكن الواقع شيء آخر... فقبل الوصول إلى قصر السلطان عليه عبور حواجز في الشارع، وقبل هذا وذاك "حجز موعد لقاء" بالهاتف مع ذكر الأسباب، ويحصل على موافقة، ثم انه لا يملك هاتفا في ذلك الزمان الغابر! وربما لم يكن بحوزته "حمار" ينقله من الغابة إلى القصر، وستنتهي حكايته مصدوما؛ إذا، فلابد، وفي هذا الزمن بالذات، من وضع تشريع دولي يعاقب الفقراء الذين يبالغون في أحلامهم. وقديما قال أجدادنا في مثلهم الشعبي: "مسكين يا طابخ الفأس يبغي "مرقة" من حديد!". يبدو أن، هذا الفقير حصل على مخطوطات "العنكبوت الأسود"، ذلك الراهب الغامض الذي عاش في القرن السادس عشر، واعتبرت مخطوطاته حتى بداية القرن التاسع عشر مفقودة، غير أنها عادت فوجدت قطعة قطعة، بحسب ماغي فرح في كتابها "0002 عام العبور الصعب"، حين قالت: "فقد اكتشفت صفحات في فرنسا، وأخرى في ألمانيا. وفي العام ،8391 بناء على أوامر هتلر تم بحث دقيق عنها. لماذا اهتمت النازية بعمل من هذا النوع؟ نحن نعلم أن الحكم المبني على العنف والترهيب هو مارد قدماه في طين وصلصال. لذلك، فقد كان دوما يفتش عن نقاط ارتكاز حيثما استطاع. وهكذا، فإن مفسري الريخ الثالث اجتهدوا لتمجيد الفوهرر، باعتباره متقمصا "النجم الجديد" الذي تنبأ العنكبوت الأسود بمجيئه". "ص01".

الحمقى والمجانين كثروا هذه الأيام والتفوا حول فتوى مسمومة تجيز "فرقعة" النفس بالمفرقعات على طريقة "علي وعلى أعدائي يا رب"، بهدم أعمدة المعبد وقتل المصلين والمارة، ومن جالسين على مكاتبهم، ومن في سياراتهم حتى الذين يتصفحون الصحف ويقرأون الكتب، أو الذين في مختبراتهم العلمية، ولا يستثني منهم، لا العلماء ولا المثقفين ولا الجامعيين، ولا المهمومين ولا الأطفال ولا الشيوخ ولا النساء، ولا بأس أن يكون من بينهم "لافوازييه" أبوعلم الكيمياء على مر العصور، وهو أحد الأركان الرئيسية في الحضارة البشرية، الذي "سقط رأسه أيضا تحت المقصلة"، لأن الجمهورية، كما قال أحد النباحين المنافقين: "ليست في حاجة إلى علماء". إن سياسة: احرق، اقتل، اختطف رهائن، اقطع رؤوس إلى آخر الفظاعات، تجد أيضا نباحين، مزايدين يسمونها "مقاومة"، تقنن وتشرعن القتل وتحول "الحرام إلى حلال" والمجرمين إلى أبطال من "عشاق الشهادة"... ألا يحق لنا أن نضرب رأسنا بالحائط خجلا لهؤلاء الذين يعتبرون "حب الحياة" كفرا، و"حب الموت" إيمانا؛ وأن الدنيا معركة دائمة بين "الهلال والصليب"؟

العدد 670 - الثلثاء 06 يوليو 2004م الموافق 18 جمادى الأولى 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً