العدد 677 - الثلثاء 13 يوليو 2004م الموافق 25 جمادى الأولى 1425هـ

من الجدار العنصري إلى الغموض النووي!

صلاح الدين حافظ comments [at] alwasatnews.com

ما بين الهروب من الاحراج، والاقدام على التحدي، عاش السفاح شارون أياما عصيبة، تصور البعض انها قد تضعه في مأزق جديد. وما بين الغموض النووي الذي تمارسه «إسرائيل» وحدها في عالم اليوم، وبين الرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية، بابطال شرعية الجدار العنصري الاسرائيلي فوق أرض فلسطين، ظل شارون وعصابته المتطرفة على الموقف ذاته، هروبا من الاحراجات، وتهربا من المسئوليات، ثم اعلان التحدي في وجه الجميع، ولا بأس بعد ذلك وقبله من تصيد المذابح والاغتيالات والتدمير والابادة ضد الشعب الفلسطيني!

في الأسبوع الماضي، ذهب المدير العام للوكالة الدولية للطاقة النووية محمد البرادعي إلى «إسرائيل» واجتمع بقياداتها وعلى رأسهم شارون، وأخذوه في جولة شبه سياحية بطائرة فوق «إسرائيل» ليثبتوا له مخاوفهم الأمنية بسبب «ضيق خاصرة الدولة» ثم اختتم الرجل زيارته ومشاوراته، بالتعبير عن «تفهمه للقلق والمخاوف الأمنية الاسرائيلية»!

والحقيقة ان نتائج زيارة البرادعي لـ «إسرائيل» لم تكن مفاجئة لي أو لغيري، فقد أكد له كل المسئولين هناك، موقفهم السابق تجاه امتلاكهم ترسانة السلاح النووي، من دون اعلان رسمي حتى الآن، في ظل السياسة التي يسيرون عليها منذ منتصف الخمسينات وهي سياسة الغموض النووي.

ولم يكن أحد يتوقع ان تنجح زيارة البرادعي في اقناع «إسرائيل» بممارسة الشفافية والعلانية في هذا الصدد، ولا في قبولهم الانضمام الى المعاهدة الدولية لحظر الانتشار النووي، التي وقعتها معظم دول العالم، والعرب من أوائل الموقعين، ولا في موافقتهم على فتح منشآتهم النووية أمام التفتيش الدولي كما تفعل باقي الدول.

لكن الذي فاجأني حقا هو تصريحات البرادعي بعد الزيارة وخصوصا «تفهمه لدواعي القلق والمخاوف الأمنية الاسرائيلية» أي التي تدفعها الى ضرورة امتلاك الترسانة النووية، وكنت بالتالي انتظر ان يعلن الرجل ايضا تفهمه لدواعي المخاوف العربية، أمنيا وسياسيا وعسكريا وحياتيا من امتلاك «إسرائيل» وحدها في المنطقة أضخم وأخطر ترسانة أسلحة نووية تضم ما بين 200 و300 قنبلة نووية جاهزة، وتضم مفاعل «ديمونة» في صحراء النقب وقرب حدود مصر الشرقية، ومفاعل ومركز ابحاث «غال سوريك» ومنظومة اقمار اصطناعية وطائرات حديثة وصواريخ بعيدة وقصيرة المدى، تطول أبعد بلد عربي على الخريطة، ثم بعد ذلك، بل من أجل ذلك، ترفض حكومات «إسرائيل» بمختلف ألوانها توقيع معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية!

تتحدى العالم كله، ليس فقط لأنها أصبحت القوة النووية الخامسة ولكن اساسا لأنها مسنودة ومدعومة من بواشنطن، اذ الفيتو الأميركي في مجلس الأمن، جنبا الى جنب، مع الالتزام الأميركي الثابت بحماية «إسرائيل» وضمان تفوقها العسكري على كل الدول العربية برا وبحرا وجوا، تقليديا ونوويا.

ولذلك فان عقلي لا يلوم البرادعي كثيرا، لكن قلبي وعقلي لا يقبلان تصريحه. صحيح انه موظف دولي يدير هيئة دولية، ترتبط بقوانين وقواعد معروفة، وتدعي الحيادية والمساواة بين دولها الأعضاء وتخضع لضغوط عاتية من القوى المؤثرة، لكنه في الوقت نفسه عربي مصري محنك ليس فقط في تخصصه وطبيعة عمله، بل كذلك يعي جيدا الاوضاع المضطربة في وطنه المصري وأمته العربية، ومصر هي أول القلقين الحاملين جبالا من المخاوف، جراء الترسانة النووية الاسرائيلية قرب حدودها الشرقية.

ومن الطبيعي ان يشطر العقل وينفطر القلب حين يقارن بين الموقف الحاد مثلا الذي تتخذه الوكالة الدولية للطاقة النووية، من الجهود الايرانية المعلنة لاستكمال برنامجها النووي، الذي لم يصل بعد بشهادة الوكالة نفسها إلى مرحلة تصنيع السلاح النووي، وبين الموقف المائع المتساهل الذي تتخذه الوكالة الدولية، والمجتمع الدولي كله، تجاه الترسانة الاسرائيلية الرهيبة، التي تضم هذه الكمية الضخمة من السلاح النووي الذي يكفي لتدمير العالم كله.

وتلفت النظر هنا الضجة الاميركية الاسرائيلية الهائلة لوقف وتدمير البرنامج الايراني - ما بالكم لو كان عربيا - الآن وفورا، التي سبقت زيارة البرادعي لـ «إسرائيل» ورافقتها، بهدف التعمية العالمية، بينما يثير الاهتمام تلك الرسالة المفتوحة التي وجهها إلى البرادعي خلال زيارته لـ «إسرائيل» الخبير الفني الاسرائيلي الشهير «مردخاي فانونو» طالبا منه ضرورة زيارة مفاعل ديمونة، ليرى بنفسه حجم وخطورة الترسانة الاسرائيلية التي تشتمل على ثلاثة أنواع من القنابل المدمرة، نووية وهيدروجينية ونيتروجينية، ما يجعلها قوة خطيرة على أمم العالم، وسلامة شعبها نفسه والشعوب المجاورة.

انها مرة أخرى قضية ازدواج المعايير التي تحكم سياسات العالم الآن، في ظل الهيمنة الاميركية المنحازة والمتغطرسة وانظر الى ما جرى للعراق على مدى سنوات، قبل غزوه واحتلاله حين اتهمته أميركا بامتلاك وتطوير أسلحة دمار شامل، وقامت الدنيا ولم تقعد، حتى بعد ان ذهبت وعادت عشرات من فرق التفتيش الدولية، من دون العثور على «جسم الجريمة» لكن الاصرار الأميركي والتحريض الصهيوني وبعض التواطؤ الدولي والعربي دفع الجيوش الانجلو أميركية لغزو العراق واحتلاله حتى الآن، على رغم اسقاط لجان الكونغرس الأميركي لمبرر أسلحة الدمار الشامل عند العراق، الذي اتخذت منه الإدارة الاميركية سببا رئيسيا للحرب.

والمسألة هنا ليست حماية البشرية من وقوع الأسلحة النووية أو باقي أسلحة الدمار الشامل في ايدي الارهابيين والجماعات المتطرفة، او في حوزة «الدول المارقة» مثل ايران وعراق صدام فضلا عن كوريا الشمالية، لكن المسألة الأصلية هي حماية أمن وتفوق وتوسع «إسرائيل» ومن ثم توفير شبكة أمان وضمان أميركية لها، سواء بانفرادها بامتلاك الترسانة النووية أو برفضها توقيع اتفاق حظر انتشار الأسلحة النووية، بينما مارست أميركا ضغوطا رهيبة على الدول الأخرى، وخصوصا الدول العربية وأولها مصر، لتوقيع الاتفاق، بل ان السياسة الاميركية المتحالفة مع الاسرائيلية، هي التي أجهضت المبادرة المصرية باخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل التي اعلنتها العام 1990.

واستمرارا للسياسة ذاتها، تخضع سورية الآن لابتزاز هائل لأسباب اميركية وإسرائيلية متعددة، في مقدمتها حكاية «تطوير أسلحة دمار شامل» مرة أخرى، وهي السياسة نفسها التي بسببها سارعت ليبيا قبل شهور متطوعة إلى تسليم أميركا كل ما لديها قبل ان يأتيها الطوفان الذي أغرق العراق، بل ان دولة صديقة لأميركا هي مصر، لا تكاد تنجو من مثل هذه الاتهامات بين وقت وآخر، وخصوصا ما أثير في بعض لجان الكونغرس أخيرا عن تطوير منظومة صواريخ جديدة!

والهدف من كل ذلك واضح، وهو تنظيف المنطقة بما في ذلك ايران، من كل انواع القوة أو أسلحة الردع، التي يمكن ان تواجه، أو حتى تردع القوة العسكرية النووية والتقليدية الاسرائيلية لتبقى «إسرائيل» وحدها سائدة مهيمنة قائدة على المنطقة، وكيلة لأعمال أميركا في تنفيذ المشروع الأميركي الاستراتيجي والكوني للهيمنة واحتكار النفط، وحماية التوسع العدواني الاسرائيلي المنفلت بلا قيود أو حدود!

ساعتها يمكن لـ «إسرائيل» ابتلاع ما تبقى من فلسطين وإنهاء القضية وفرض التسوية التي تناسبها وترضيها سواء على الفلسطينيين، أو السوريين واللبنانيين وباقي العرب... وبالموازاة يمكن لأميركا ان تفرض على الدول العربية رؤاها وسياساتها بلا قيود أو حدود - سواء فيما يتعلق بالنفط والمواقع الاستراتيجية، أو فيما يتعلق بتغيير النظم السياسية والاقتصادية والثقافية، و«تسميه الاصلاح الديمقراطي» وصولا طبعا إلى تغيير الحكام وتبديل الوجوه، وفرض جماعتها الموثوق بها من تحالف المتأمركين العرب الذين يتكاثرون هذه الأيام كالنمل!

وما فعلته ازدواجية المعايير التي تمارسها السياسة الاميركية لحماية «الغموض النووي الاسرائيلي» المتبعة منذ ان انشأت «إسرائيل» من عهد بن غوريون مفاعل ديمونة في الخمسينات بمساعدة فرنسا، اساسا وكان مهندس الصفقة التاريخية هذه، رئيس حزب العمل الحالي شمعون بيريز، مازالت تفعله حتى الآن مسلحة بالفيتو مرة وبالضغوط والابتزاز مرات في أكثر من مجال.

وها نحن امام أحدث المواقف التي لا تحتاج الى دليل، اذ فور ان أصدرت محكمة العدل الدولية يوم الجمعة الماضي 9 يوليو/ تموز الجاري قرارها «الاستشاري غير الملزم» بناء على طلب الجمعية العامة للأمم المتحدة، واعتبرت فيه الجدار العنصري الفاصل، الذي تبنيه «إسرائيل» ليبتلع 58 في المئة من الأراضي الفلسطينية بالضفة الغربية غير شرعي ويجب ازالته وتعويض الفلسطينيين، سارعت «إسرائيل» بالرفض والشجب واعلان التحدي باستكمال الجدار، احتقارا للمحكمة الدولية وللجمعية العامة للأمم المتحدة والمجتمع الدولي كله.

ثم على الفور سارعت واشنطن الى دعم «إسرائيل» فاعتبرت «ان المحكمة الدولية ليست المنتدى الملائم لمناقشة مثل هذه القضايا السياسية»... وغدا سنرى ونسمع ما هو أكثر، وأوضح وأفصح عن الاساليب الاميركية لعرقلة دور الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، في اجبار «إسرائيل» على الامتثال للقانون الدولي ولحكم محكمة العدل الدولية، ولايقاف تحديها وصلافتها في التعامل مع الشرعية الدولية، ومن ثم ايقاف عدوانها على الفلسطينيين وتهديدها لكل العرب.

انها الحماية الاميركية لـ «إسرائيل» تفقأ بها عيوننا صباح مساء، لكن قبل وبعد ان نلوم أميركا وندين «إسرائيل» علينا ان نلوم حكوماتنا وندين تقصيرنا... فقد أضعنا الكثير على مدى العقود والسنوات الأخيرة، حين كان بناء القوة الذاتية متاحا وأكثر يسرا.

خير الكلام

يقول أبوالعتاهية:

إني رأيت عواقب الدنيا

فتركت ما أهوى لِما أخشى

مدير تحرير صحيفة «الأهرام

إقرأ أيضا لـ "صلاح الدين حافظ"

العدد 677 - الثلثاء 13 يوليو 2004م الموافق 25 جمادى الأولى 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً