العدد 2788 - السبت 24 أبريل 2010م الموافق 09 جمادى الأولى 1431هـ

الصداقة التاريخية والعلاقات الدبلوماسية بين بريطانيا والبحرين (1)

comments [at] alwasatnews.com

عندما كنت أعمل في البحرين نائباً للسفير البريطاني بين 2001 و2005 وجدت أن هناك كثيراً من الالتباس حول طبيعة العلاقة التاريخية بين بريطانيا والبحرين، وسأحاول أن أوضح موقع البحرين ودول الخليج الأخرى في التاريخ البريطاني ضمن الحقبة الاستعمارية الخاصة بهذه المنطقة.

وسوف أتطرق إلى ثلاث حقب، الأولى تتعلق بترتيبات ومعاهدات وقعت بين بريطانيا والبحرين في القرن التاسع عشر ضمن نظام الوكالة البريطانية السياسية. والحقبة الثانية تتعلق بدور المستشار تشارلز بليغريف بين الأعوام 1926 و1957، والثالثة تتعلق بانسحاب القوات البريطانية من الخليج في العام 1971، واستقلال البحرين.

إن النشاط البريطاني في الخليج يعود إلى فترة نشاط شركة الهند الشرقية في القرن السابع عشر عندما نمت الروابط التجارية، وكانت بريطانيا حريصة على إبعاد الدولة العثمانية وكذلك الروسية والفرنسية عن توسيع نشاطاتهم أو التأثير على المناطق التي من شأنها أن تهدد الهند.

لقد أشار أحد قادة محمد علي باشا في القرن التاسع عشر الميلادي إلى توجه السياسة البريطانية في المنطقة وفي البحرين عندما قال «منذ 50 أو 60 عاماً والدولة الإنجليزية تحاول السيطرة على المناطق الساحلية للخليج في محاولة لدرء الشر القادم من الدولة الروسية، ولقد تحول انتباه بريطانيا إلى سواحل عمان والبحرين والإحساء والقطيف والكويت والبصرة، وإذا ما نجحوا فإن شبه الجزيرة العربية وبغداد لن يعود لهما وجود... أما بالنسبة للبحرين التي تعتبر المفتاح، وإذا تمكن من احتلالها الإنجليز فسوف تصبح البحرين في غضون 15 عاماً مثل جزيرة مالطا كبيرة في قوتها وذات كثافة سكانية عالية».

العلاقات المباشرة بين بريطانيا والبحرين تعود إلى حوالي 1814 م عندما منحت بريطانيا وعوداً لعائلة آل خليفة بأن بريطانيا سوف تظل على الحياد في النزاعات القائمة آنذاك بين البحرين وعمان، وكان العمانيون قد بذلوا محاولات مختلفة للاستيلاء على البحرين، واستمرت محاولاتهم حتى 1828 م. بريطانيا كانت متحالفة مع عمان، ووقوفها على الحياد يعتبر أمراً إيجابياً بالنسبة للبحرين آنذاك.

انسحبت القوات المصرية من المنطقة العام 1819، وهذا مهد الطريق لبريطانيا لملء الفراغ عبر توقيع «معاهدة السلام العامة» مع المشيخات الخليجية في العام 1820 وقد وقع حاكم البحرين على هذه الاتفاقية التي ركزت على منع القرصنة المتزايدة آنذاك في الخليج، وكانت بريطانيا تسعى لتأمين وحماية الطرق والخطوط البحرينية وتدخلت لفرض السلام.

لاحقاً وضعت العديد من الهدنات وتولى الأسطول البحري الهندي - البريطاني فرض النظام «المتصالح» مع المشيخات الجنوبية التي تسمى حالياً بدولة الإمارات العربية المتحدة، وكان اسمها بعد توقيع الاتفاقيات وحتى مطلع السبعينيات «الإمارات المتصالحة».

لقد بلغت المعاهدات ذروتها مع التوقيع على «معاهدة السلام الدائمة» في العام 1853 (والتي وقعتها البحرين رسمياً في العام 1861)، وهذا وضع البحرين رسمياً تحت الحماية البريطانية التي كانت تمثلها حكومة الهند التابعة للتاج البريطاني. وكما نعلم فإنه بعد العصيان الهندي العام 1857 لم تعد شركة الهند الشرقية هي المسئولة عن الوجود البريطاني، وانتقلت إدارة الهند إلى حاكم الهند في كلكتا (قبل الانتقال لاحقا إلى دلهي في 1911)، والحاكم كان يتبع «وزارة الهند في لندن»، وكانت الشئون الخارجية والدفاع للبحرين تدار من كلكتا.

أدت هذه الترتيبات إلى انتشار السلام النسبي وسيطرة بريطانيا على المنطقة وانطلاق حركة تجارية كبيرة بين الهند والبحرين، وقد لاحظ المقيم البريطاني في بوشهر في العام 1899: «على مدى العقدين الماضيين ازدهرت التجارة البريطانية في البحرين والمزيد من الشركات البريطانية انتقلت إلى البحرين، وفي الواقع فإن البحرين أصبحت الركيزة الأساسية التي تقوم عليها استراتيجية حكومة الهند البريطانية في منطقة الخليج».

لقد أشرت إلى منصب «المقيم البريطاني في بوشهر»، واسمحوا لي أن أشرح الهيكل السياسي الذي تم إنشاؤه من قبل بريطانيا للحفاظ على سيطرتها على المنطقة آنذاك.

لقد أنشئ نظام المقيم السياسي للمناطق الجغرافية التي أصبحت تحت سيطرة الحاكم العام في الهند (وهذه مناطق كانت قبل ذلك مواقع نفوذ لشركة الهند الشرقية). واستند المقيم السياسي في البلدة الرئيسية في المنطقة آنذاك (بوشهر) وكان لديه شبكة من صغار الضباط أو التجار المحليين في المناطق المجاورة يعملون كوكلاء للمصالح البريطانية.

منطقة الخليج كان لديها «المقيم السياسي» في بوشهر (فارس)، ومنذ العام 1816 عينت بريطانيا تجاراً محليين في البحرين لتمثيل مصالح شركة الهند الشرقية، وفي وقت لاحق تحول هؤلاء إلى «الوكالة البريطانية» التي أبقت على استخدام المحليين لفترة من الزمن، وذلك قبل أن تتحول الوكالة التجارية إلى «وكالة سياسية بريطانية». وفي مطلع القرن العشرين كان التاجر آغا محمد رحيم آل صفر آخر وكيل محلي، إذ عين في العام 1893 وظل يشغل هذا المنصب لمدة 7 سنوات حتى العام 1900.

وفي 1900 بني مقر الوكالة السياسية في البحرين، والمقر هو ذاته موقع السفارة البريطانية الحالية، وفي تلك الأيام كانت الوكالة على الشاطئ بمحاذاة البحر.

لقد زار نائب الملك (حاكم الهند آنذاك) اللورد كرزون البحرين في العام 1903 ونقل من سفينته إلى الشاطئ باستخدام «مقعد سيار» من النوع الموجود كقطعة تراثية داخل السفارة البريطانية حالياً.

وكانت زيارة كرزون للبحرين ضمن جولة له في 1903 في الخليج، وقال حينها «هناك من يسأل: لماذا لاتزال بريطانيا العظمى تمارس سلطتها في هذه المنطقة، والجواب هو تاريخ هذه الدول وتاريخ عائلاتها، والحالة الراهنة في الخليج هي الجواب. لقد كانت أمكنتكم مهددة وتجارتنا مهددة وكنا هنا قبل أية قوة أخرى تظهر وجهها في هذه المياه في العصر الحديث، ولقد ازدهرت تجارتنا بفضل تحقيقنا للأمن، ولقد كان الأمن مهدداً مما دعانا إلى فرض الحماية، فالسلام في هذه المياه يجب أن يحافظ عليه، ونفوذ الحكومة البريطانية يجب أن يبقى صاحب السلطة العليا».

ولقد وافق كرزون على تعيين أول وكيل سياسي بريطاني كامل الصلاحيات في البحرين، إذ تم تعيين الكابتن بريدو (Prideaux)، الذي جاء من الدائرة السياسية في الهند، وكان يمثل بصورة فعلية وزير الخارجية ووزير الدفاع للبحرين، وكان يقدم تقاريره إلى المقيم البريطاني في بوشهر، والذي بدوره يرفعها إلى نائب الملك في كلكتا (ثم إلى دلهي العاصمة الجديدة للهند بعد العام 1911).

ومع استقلال الهند في العام 1947 انتقلت المسئولية عن دول الخليج إلى وزارة الخارجية البريطانية في لندن. ولكن قبل ذلك بعام (1946) قررت بريطانيا نقل مقر المقيم البريطاني من بوشهر إلى البحرين، مما يؤكد مكانة البحرين باعتبارها أهم مشيخة خليجية وكان أول مقيم بريطاني يتخذ من البحرين مقراً له السير روبرت هاي، وكان مكتبه ومقر إقامته في الجفير (أعتقد أنه حالياً يقع وراء مقهى سينابون)، وآثاره موجودة لحد الآن ولكن وضعه محزن، ويمكن رؤية حجر الأساس وهي تحمل اسمه إذ لاتزال موجودة.

وكانت هذه المنطقة في تلك الأيام عند البحر، وقد أخبرني تجار من الطاعنين في السن عن زياراتهم إلى مقر المقيم آنذاك، وكيف أن حاكم البحرين آنذاك كان يحضر لشرب فنجان من الشاي في يوم عيد الميلاد مع المقيم السياسي

إقرأ أيضا لـ " "

العدد 2788 - السبت 24 أبريل 2010م الموافق 09 جمادى الأولى 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً