العدد 700 - الخميس 05 أغسطس 2004م الموافق 18 جمادى الآخرة 1425هـ

ظاهرة لعينة (...)

أحمد البوسطة comments [at] alwasatnews.com

يعبرون بطريقة مختلفة، ملتوية، مغلوطة ضمن حساب المتغيرات، ويحلمون ولم لا، مادام الحلم ليس حراماً، فهذا زمن به «عقول متحجرة لا تعرف قواعد العلاقة بالبشر» ترتاد الكهوف وتوجه سهاماً قاتلة عبر تفخيخ السيارات بالمتفجرات وتفخيخ بشر لتفرقعهم وتقتل من يعترض طريقهم حتى لو كان في دور العبادة، كما حدث لكنائس ومساجد العراق، أو في المقاهي الشعبية أثناء احتساء «استكانة الشاي»، أو قتل طابور من العاطلين يبحثون عن عمل في الصباح الباكر للمساهمة في حفظ أمن بلادهم؛ زمن به حروب يومية، وممارسات عنف ورعب دموي، وذبح بالسيوف وتفجيرات تطول رموز الثقافة والحضارة بمعالمها الإنسانية (...).

كنا نحلم بنص جميلٍ مغالٍ في التمنيات: «يرعى فيه الحمل آمناً بجوار الذئب، ويلعب الصبي كرة الماء مع التمساح!» كما في «موسم الهجرة إلى الشمال»، وهذا الحلم جاء متأخراً، ولن يتحقق مستقبلاً، إذ زماننا، يحتضن الإرهاب الأعمى، الذي يجرد المرء من كل شيء، من إنسانيته ورومانسيته وعقليته، ليس بوجود تلك العقول الظلامية المتحجرة فحسب، بل بعشعشته في أدمغة «مثقفين نبّاحين»، أبطال «وكالات الكلام» في الراديوات والفضائيات، الذين يبررون أفعالاً وحشية بطريقة مقززة ضمن قوالب جمل جاهزة تخرج من أفواههم «بشطارة» يمتاز بها العرب وحدهم من دون سواهم في خلق الذرائع، إلى حد يعتبرون التفجيرات الانتحارية التي تستهدف مراكز الشرطة ومدارس الأطفال وكنائس ومساجد العراق صناعة «أميركية صهيونية»، مع اننا لم نسمع في يوم من الأيام قيام صهيوني أو أميركي أو غربي بعمل انتحاري واحد لا في فلسطين ولا في غير فلسطين، فكيف بالعراق؟!

هذه الأعمال الإرهابية تقدم خدمة مجانية للعدو الصهيوني وللإدارة الأميركية، هذا صحيح، غير انه كان الأجدى من هؤلاء الحمقى الذين يفجرون في كل مكان ألا يتم استخدامهم من قبل الصهيونية أو «الامبريالية» كحصان طروادة، والأصح أن يفكروا ألف مرة قبل اقتراف اعتداءات من هذا النوع تحصد الأبرياء وتغتال العلماء وأساتذة الجامعات وتخرب الاقتصاد وتنشر الرعب الدموي بين العراقيين، والأكثر صحة وعقلانية أن يكف «النباحون» الذين يخرجون علينا في وسائل الإعلام يهللون ويكبرون للنصر المبين الآتي من العراقيين، ومن اعتبار هذه الأعمال الوحشية بمثابة «مقاومة مشروعة» ضد المحتل، بينما في الحقيقة يصعب على هؤلاء «المثقفين» التفكير بأن العراقيين هم الذين يدفعون الثمن لصراخهم الذي لانزال نسمعه مميزاً بقولهم إلى يومنا هذا: «إن العدو لم يحقق أهدافه، وإنه قد دخل المستنقع ولن يخرج منه إلا بفناء أميركا من الخريطة !».

حقيقة، ومن دون مزايدة على نضال العراقيين، فإن ما يجري في العراق هو «ظاهرة لعينة» ونبتة شيطانية إرهابية حقيقية بدأت «بجمل مسمومة» أطلقها بعض المشايخ الذين برعوا في تقديم أنفسهم «كمسالمين معتدلين»، غير انهم غير ذلك، فهم يستخدمون تعبيرات ملغومة نشرت الإرهاب وأدلجة تكفير المجتمع والتحقير بالنساء في الألفية الثالثة، وفي طاحونة الكلام الذي يكاد يطحننا بالكذب والضجيج مازال هذا البعض يخفي في رأسه السموم بخطابات بعيدة عن الواقع، وممارسات أبعد منه، ويجاهد بجمل مدسوسة في المحاضرات ومناهج التعليم وبالمفرقعات أيضاً، من أجل «تقصير الثوب وتطويل اللحى وتحريم فرشاة الأسنان» ومن ثم اغتيال المختلفين معه أو مطاردتهم من بلد إلى آخر، والأمر لا يحتاج إلى كثير من الذكاء وأدلة إثبات، كما أن العراق ليس استثناء في أجندتهم.

وليس غريباً أن هذه الجماعات بعد «التفتيش عن المصالح»، تهدف إلى تعطيل إعادة الحياة للعراق الجريح وتفتيت نسيجه الاجتماعي وخلق فوضى عارمة لوقف العملية السياسية الكبيرة هناك لبناء العراق الحر الديمقراطي الجديد بالطرق السلمية، لأنها تتنفس في الظلام بعد تلثيم الوجوه فقط، وليس كما يشاع عنها بأنها مقاومة تملك استراتيجية محددة الأهداف والمعالم.

خيارات العرب لا ينبغي أن تنحصر في إدارة بوش أو طالبان أو بن لادن أو الدكتاتور المخلوع صدام حسين ونعتبرها «قدراً نسلم به» ... الخيارات: هي المشاركة في صنع القرار المصيري لأوطاننا، والناس في حينها ستدافع عن خيار شاركت فيه لا عن خيارات هي في الأصل كانت وبالاً عليها، كما حصل في العراق في العهد البائد بتاريخه القمعي الأسود وحروبه وكوارثه، وكما يحدث في دول عربية عدة مازالت لم تستفد من الدروس. وللمخرج السوري المعروف هيثم حقي مقولة ذات دلالة سياسية بليغة، حين كتب في إحدى مقالاته في صحيفة «الحياة» العام الماضي قائلاً: «الديمقراطية الامبريالية قادمة لا ريب فيها، وثرواتنا، التي هي رأس مال بناء عالم حديث، نهبت وستنهب. وسيمر وقت طويل حتى نستطيع استعادتها. لكن درب هذه الاستعادة الطويل يبدأ بخطوة: حرية الإنسان. وعلينا أن ننتزعها»

العدد 700 - الخميس 05 أغسطس 2004م الموافق 18 جمادى الآخرة 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً