العدد 705 - الثلثاء 10 أغسطس 2004م الموافق 23 جمادى الآخرة 1425هـ

«مربع» صدام

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

بدأ العراق وبعد سلسلة من الكوارث العسكرية والاقتصادية والسياسية العودة مجدداً إلى «مربع» صدام حسين. فذاك «المربع» رسم استراتيجيته التدميرية صدام حين تولى السلطة رئيساً للدولة في العام 1979. انذاك ارتسمت معالم «عراق صدام» من خلال الاستبداد والحروب وتفجير العداوات مع دول الجوار ليُعاد استغلالها داخلياً لترسيخ سلطة الفرد والأسرة.

دفع العراق غالياً ثمن تلك الاستراتيجية، واستُنزفت ثروات الأمة وهُدرت الدماء وقُوّضت الكثير من التقاليد والعادات الموروثة واستُبدلت بمفاهيم أسهمت في زيادة تفكيك النسيج الاجتماعي ووحدة الدولة الوطنية. فالاستراتيجية الصدامية كانت المثال الحي على سياسة خاطئة قلبت الموازين وعدّلت الأولويات وفرضت على دول الخليج سلسلة جداول من المهمات الإضافية دفعت قضية فلسطين إلى الوراء ورفعت مسألة الأمن إلى المقدمة.

منذ العام 1980 لم تعد فلسطين قضية العرب الأولى، وباتت مسألة إدارة الصراع مع «إسرائيل» ثانوية قياساً بالمخاطر الأمنية التي فتح صدام أبواب المنطقة عليها. فالحرب على إيران عدّلت الكثير من الاتجاهات، وأعادت بناء عقلية «قومية» جديدة لا صلة لها بتلك التي نشأت في ضوء نكبة فلسطين.

أسهمت الاستراتيجية الجديدة في تعديل صورة الموقف وفرضت على بعض دول المنطقة اتباع أساليب تتناسب مع تكتيكات غيّرت الكثير من المفاهيم ورسمت معالم أيديولوجية جديدة. فلم يعد المهم بعد اندلاع تلك الحرب تعزيز الجبهة الفلسطينية ودول الطوق (الجبهة الشرقية - الشمالية) وتمويلها وتسليحها لمواجهة تعاظم القوة الإسرائيلية. فالحرب الجديدة فتحت اعتمادات مختلفة لتمويل «البوابة الشرقية» لمواجهة إيران. فالاستراتيجية الصدامية غيّرت إلى حد كبير السياسة العربية وعدّلت أولوياتها وحوّلت الجهود من دعم «الجبهة الشرقية - الشمالية» لوقف الزحف الصهيوني إلى دعم «البوابة الشرقية» لمواجهة النظام الإيراني. وهكذا ضاعت الجهود والأموال والضحايا لخوض حرب صدامية وليست عربية، وانتهت في محطتها الأخيرة نحو الهباء. وما كاد الضياع يحط رحاله حتى استفاقت الأمة على حرب جديدة شرعت كل الأبواب والجبهات لدخول الجيوش الأجنبية وتمركزها الآن في طول بلاد الرافدين.

مضى الآن على الحرب واحتلال العراق 18 شهراً. صدام في السجن والسفير الأميركي في بغداد يدير اللعبة السياسية، بينما الاستراتيجية السابقة لاتزال سارية المفعول. فإسقاط صدام لم يغيّر في قواعد اللعبة ولاتزال الاستراتيجية الأميركية تدور في «المربع» الذي ارتسمت بداياته الأولى في العام 1980. أكثر من 24 سنة مضت والاستراتيجية السابقة لم تُستنزف أغراضها ولاتزال تُنتج قواها بوجوه جديدة وأقنعة مختلفة.

تغيّرت الكثير من الأشياء في العراق، إلا أن الاستراتيجية الصدامية لم تتغيّر، فهي تعيد إنتاج نفسها لتتكيّف مجدداً مع القوات المحتلة. فهناك سياسة أميركية تنفذ الآن بأدوات محلية، وهناك أيضاً أدوات أميركية تستخدم استراتيجية سابقة لاستكمال ما تبقى من مهمات لم تنفَّذ في حرب الخليج الأولى.

القوات الأميركية باقية الآن في العراق ووجودها ليس مؤقتاً. والانسحاب، الذي قيل إنه حصل، خدعة وليس انسحاباً. وما حصل هو إعادة انتشار للقوات وإعطاء فرصة للاحتلال لترتيب جدول أولوياته من خلال تنظيم وجوده تحت مظلتين: الأولى دولية تعطي شرعية للقوات الأميركية وتغطيها بقرار صادر عن مجلس الأمن وبتسمية جديدة أطلق عليها «القوات المتعددة الجنسية». والثانية محلية تقدم غطاء للاحتلال وتجيز له القيام بكل المحرمات بدعوى أنها جاءت «بناء على طلب الحكومة العراقية».

الاحتلال الآن ينفذ كل ما عجز عنه أو تردد في تنفيذه سابقاً بذريعة أنه «قوات متعددة الجنسية» يأتمر بالشرعية الدولية، أو بذريعة أنه يقوم بأعماله «بناء على طلب الحكومة العراقية». وبناء عليه شنت الطائرات الحربية طلعات جوية ضد المدنيين في الفلوجة وغيرها، وطوّقت النجف وتريد اقتحامها، وحرّضت الحكومة على مكافحة الصحافة وإغلاق مكاتب المراسلين والفضائيات، ودبّت الفوضى بين الوزراء، فكل وزير يغني على ليلاه، بينما السفير الأميركي يدير اللعبة من وراء الستار.

إعادة الانتشار رفعت درجة الغليان الشعبي وألحقت الفوضى السياسية بالفوضى الأمنية. فالمكلف بملاحقة صدام ومحاكمته بات ملاحقاً ومطلوباً للعدالة. والمشكلات التي تداعت بعد الاحتلال تم تجميعها ويُعاد تصديرها ضد إيران... ربما تمهيداً لمشروعات جديدة تطبخها «البنتاغون».

العراق الآن يشهد تحولات كثيرة ولكنها ليست باتجاه الديمقراطية و«النموذج الجديد»، وإنما نحو استنساخ استراتيجية صدام بأسماء تعمل واشنطن على تلميعها قبل إعادة استخدامها في «المربع» الذي تأسس في العام 1980

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 705 - الثلثاء 10 أغسطس 2004م الموافق 23 جمادى الآخرة 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً