العدد 2802 - السبت 08 مايو 2010م الموافق 23 جمادى الأولى 1431هـ

حقل ألغام العمل في منظمات حقوق الإنسان العربية (1)

عبيدلي العبيدلي Ubaydli.Alubaydli [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

أعلنت عشر من كبريات المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان في العالم عن منح المحامي السوري المعتقل مهند الحسني جائزة مارتن اينالز للدفاع عن حقوق الإنسان للعام 2010.

وجاء في بيان أصدرته الهيئة المشرفة على منح الجائرة، والتي تضم بين صفوفها أعضاء مثل منظمة العفو الدولية وهيومان رايتس ووتش، «أن الحسني الذي يترأس المنظمة السورية لحقوق الإنسان (سواسية)، عمل بشجاعة للدفاع عن حقوق الإنسان في سورية متحديا القوانين القمعية المفروضة على سورية». وتعتبر جائزة مارتن اينالز، التي انطلقت في العام 1993، إحدى أبرز الجوائز الدولية للمدافعين عن حقوق الإنسان، ويصفها البعض بأنها «نوبل حقوق الإنسان». وقد سبق أن ذهبت الجائزة في الأعوام الماضية إلى ناشطين من مختلف دول العالم، بينهم عماد باقي من إيران ومعتبر طاجيباييفا من أوزبكستان وأكبر غانجي من إيران وأرنولد تسونغا من زيمبابوي، والمعارض السوري أكثم نعيسة، وإياد السرَّاج من الأراضي الفلسطينية.

وكانت السلطات السورية قد ألقت القبض على الحسني في يوليو/ تموز من العام 2009 بتهمة «النيل من هيبة الدولة وإضعاف الشعور القومي، ونشر أنباء كاذبة من شأنها أن توهن نفسية الأمة». ولمن لا يعرف الحسني، فهو، كما تتحدث عنه الكثير من مواقع الإنترنت، من مواليد دمشق العام 1966، وتخرج من كلية الحقوق بجامعة دمشق بداية التسعينيات، وعمل بمهنة المحاماة منذ بداية التسعينيات، وهو عضو بنقابة المحامين السوريين منذ أكثر من 15 سنة، وكان أحد المدافعين عن معتقلي ربيع دمشق جميعاً منذ العام 2001. وقد منع من السفر خارج سورية في العام 2006 إثر تأسيسه مع مجموعة مفكرين سوريين للمنظمة السورية لحقوق الإنسان (سواسية).

تثير قضية الحسني الكثير من الحوارات بشأن الموقف من منظمات حقوق الإنسان العربية، وعلى وجه الخصوص تلك التي تتشكل، كما في مملكة البحرين، بقرار من الدولة، أو بمباركة من السلطة التنفيذية، دون أن يكون للمعارضة، بمختلف أطيافها أي قول في ذلك التعيين. ويشكل تحديد الموقف من القبول بالمشاركة في عضويتها أو مقاطعتها تحديا حقيقيا أمام قوى المعارضة، وعلى وجه الخصوص تلك الأكثر راديكالية بين صفوفها.

إذ تقف المعارضة أمام خيارين صعبين ومعقدين في آن، هل من حقها أو من الأفضل لها أن تقبل بالتعيينات الفوقية، ومن ثم تكون لها كلمة في صنع أي قرار يصدر عن تلك المنظمات؟ أم تقاطعها وتدعو الجميع للامتناع عن المشاركة فيها كي تفوت، كما تعتقد أطراف المعارضة تلك، على تلك المنظمات المعينة بشكل فوقي من اكتساب الشرعية الكاملة التي تحلم بها؟

قد يبدو التساؤل ساذجا أو بسيطا، لكن تشكيل منظمة حقوق الإنسان البحرينية والحوارات التي أثارتها في أكثر من محفل، وعلى أكثر من صعيد، يكفي كي يثبت أن الإجابة عليه، وبشكل مسئول معقدة، وبحاجة إلى تبصر سياسي راق، وبصيرة استراتيجية حيوية.

تحاول الناشطة اليسارية المستقلة والمعتقلة السياسية في الفترة من منتصف العام 1987 ولغاية أواخر1991 بتهمة الانتماء لحزب العمل الشيوعي في سورية سحر حويجة في مقال نشرته على الإنترنت، عنوانه «صفات الناشط بحقوق الإنسان»، أن تسلط الضوء على طبيعة المشاكل التي تعاني منها منظمات حقوق الإنسان في المنطقة العربية، وتسرد أسبابها، بعد أن تشخص مواطن الضعف التي تعاني منها، والتي ترى، حويجة، أن أهمها «الطابع النخبوي (العائد) إلى محاولة القيادة توظيف المنظمة لبعض الامتيازات الخاصة مثل الدعوات والتمثيل، الذي ساهم في تفريخ الكثير من المنظمات ذات الأهداف الواحدة، وانشقاقات متتالية».

ثم تنتقل حويجة بعد ذلك كي تطالب الناشط في مجال حقوق الإنسان بأن «يتحلى بالجرأة وأن يكون من أصحاب المبادرة ولا يساوم على حق من الحقوق التي يدعو لها. عليه أن يكون قدوة في احترام حقوق الآخرين سواء الذين يتعامل معهم داخل منظمته أو في حياته الخاصة وعلاقاته الاجتماعية».

في ذلك المقال المكثف، تحاول حويجة أن ترسل رسالتين في غاية الأهمية إلى المعارضة السياسية، الأولى: من الخطأ القاتل أن تحمل تلك المعارضة أية أوهام حول قوة وقدرات أي من منظمات حقوق الإنسان العربية القائمة حاليا، لكن لا ينبغي أن يكون ذلك مبررا لمقاطعتها أو الامتناع عن الانضمام لعضويتها، رغم معرفتها، أي تلك المعارضة، المسبقة بكل الأمراض التي تعاني منها تلك المؤسسات، وأوجه الضعف التي توهنها، وعلى وجه الخصوص تلك التي يعين أفرادها بقرارات فوقية.

الرسالة الثانية، إن من يمتلك الشجاعة، وينبري بين صفوف المعارضة ويقبل بتلك العضوية، عليه، ومن منطلق المسئولية المهنية والأخلاقية أن يضع نصب عينيه أهمية تطوير تلك المؤسسات، وبشكل تدريجي، دون أن يفقد تمسكه بالصفات الشخصية والمهنية التي تمكنه من أداء تلك المهمة، ودون إعطاء نفسه الحق في المساومة على أي من تلك الصفات.

وتشارك حويجة فيما ذهبت إليه، الناطقة باسم الاتحاد التونسي للنساء الديمقراطيات آسيا بلحسن، فنجدها تقول، متحدثة عن الحالة التونسية، «يوجد بين المنظمات غير الحكومية الموجودة رسميا في تونس والبالغ مجموعها أكثر من 9400 منظمة سبع منظمات مستقلة حقيقة فقط، وان كافة المنظمات الأخرى أنشأتها السلطات نفسها ولا تملك قواعد شعبية، أما المنظمات المستقلة فإنها تواجه صعوبات جمة وبعضها لا يسمح لها حتى في عقد اجتماعها السنوي، كما أن كلها عرضة لاستراتيجية التغلغل من قبل الحزب الحاكم الذي بقي حتى اليوم يملك نفوذا شبه مطلق».

ويلخص نائب رئيس مركز البحوث العربية والافريقية بالقاهرة، عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني التقدمي عبدالغفار شكر أوضاع منظمات المجتمع المدني العربية، التي لا تختلف عن تلك التونسية التي تحدثت عنها بلحسن، قائلا إنه وبرغم «تفاوت الأوضاع السياسية في الأقطار العربية، واختلاف نظم الحكم العربية بين ملكية وجمهورية، عسكرية ومدنية، شمولية وتعددية، إلا أنها تتسم جميعاَ بقدر عال من التسلط وتمركز السلطة، وبضعف شديد في المشاركة الشعبية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولا تتوافر فيها سمات الدولة الديمقراطية التي تقوم على احترام مبدأ سيادة القانون وإعلاء شأن دولة المؤسسات والتعددية السياسية وتداول السلطة من خلال انتخابات دورية حرة ونزيهة».

هذا يعني أن التعامل الإيجابي مع تلك المنظمات شبيه إلى حد بعيد بالسير في حقل ألغام قابلة للانفجار في أية لحظة، ولأبسط خطأ يمكن أن يرتكبه من قرر عبور ذلك الحقل من أجل تحقيق أهداف نبيلة قد يكون هو واحدا من قلة استطاعت أن ترى تلك الأهداف، وتدرك أهميتها في وقت أبكر من غيرها

إقرأ أيضا لـ "عبيدلي العبيدلي"

العدد 2802 - السبت 08 مايو 2010م الموافق 23 جمادى الأولى 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً