العدد 768 - الثلثاء 12 أكتوبر 2004م الموافق 27 شعبان 1425هـ

الولايات المتحدة ستندم غداً أكثر لتورطها في العراق

أيام الندم... سنوات الكراهية!

صلاح الدين حافظ comments [at] alwasatnews.com

أيام الندم... تسمية ليست من عندي، ولكنها من اختراع شارون سفاح بني «إسرائيل»، أطلقها على حملته العسكرية العدوانية الأخيرة على غزة عموماً، وعلى معسكر جباليا للاجئين خصوصاً.

وأيام الندم، قصد منها شارون أن يندم الفلسطينيون، وينزفوا دماً، ثم يبكون ألماً، لأنهم أطلقوا صواريخ القسام «البدائية» على مستعمراته التي تحتل أرضهم، وهذا ندم عاجل، أما الندم الآجل وأيامه، فهو الذي يولد الكراهية والعنف، ويزرع العداوة والبغضاء في قلوب أولئك الأطفال الفلسطينيين الأبرياء، الذين تُهدم البيوت فوق رؤوسهم العارية، ويُقتل آباؤهم وإخوانهم، ويُغتال شبابهم، وتُنتهك حرمة أمهاتهم أمام عيونهم.

وحين تمارس «إسرائيل» إرهاب الدولة، بحجة مكافحة إرهاب الأفراد والجماعات، فإنها تغالط شعبها قبل أن تغالط التاريخ وتشوه الواقع وتختلق المبررات المفلسة، لتتوسع وتعتدي وتقتل، وهي في مأمن من أي عقاب، لأنها تحت مظلة الحماية الأميركية من ناحية، ولأنها تمتلك آلة عسكرية منفلتة يجب أن تمارس قوتها الشرسة ضد عدو ما، من ناحية ثانية، ثم لأنها تعرف حق المعرفة أن الرد العربي على غطرسة قوتها العدوانية، هو كما هو، لا يرد ولا يصد!

أيام الندم، ليست مجرد حملة عسكرية أخيرة على غزة وغيرها، لكنها حملة طويلة وحشية، تؤمن بأن القوة المطلقة، تكفل الحماية المطلقة للمشروع الصهيوني، استلهاماً للتاريخ القديم، حين أفرط ملوك بني إسرائيل قبل آلاف السنين، وعلى امتداد تاريخهم، في الولع بدماء «الأغيار» الآخرين تنزف أنهاراً، إيماناً بأن كل الأغيار يكرهون بني إسرائيل، ومن ثم وجب قتلهم جميعاً أطفالاً ونساء، قبل الشباب والشيوخ... اقرأوا تاريخهم تعرفون عقدة تاريخهم.

ولَّدت أيام الندم، سنوات الكراهية، وعقود العنف والتطرف، ما بين قبائل اليهود وغيرهم، وما فعلته أوروبا «المتحضرة» ضدهم على مدى قرون، وصولاً إلى محرقة النازي الشهيرة «الهولوكوست» ليس ببعيد عن الأذهان...

وها هي أيام الندم، وميراثها التاريخي لدى «إسرائيل»، تنفلت بآثارها السلبية ونتائجها المريرة، خارج جباليا، وخارج غزة، بل خارج فلسطين كلها، لتندلع ناراً حارقة في كل مكان، فلكل فعل رد فعل مساوٍ له في القوة ومضاد في الاتجاه، وبقدر ما ترتكب «إسرائيل» من مجازر وحشية دموية بحق الفلسطينيين، بقدر ما يجب أن تدرك أن الانتقام قادم، وطالما هناك احتلال، لابد أن تكون هناك مقاومة... حكمة لا تبلى ودرس تاريخي لا يزول!

وحين أفرطت «إسرائيل» في العنف الدموي والقتل العشوائي وسياسة الأرض المحروقة، اقتداء بما كانت تفعله القبائل الإسرائيلية القديمة، كما تروي التوراة، انفلتت طاقة الثأر والانتقام خارج الحدود، وبصرف النظر عن إدانتنا المطلقة للعملية الإرهابية التي استهدفت فندق طابا والمنتجعات السياحية بسيناء المصرية، وبصرف النظر عن اسم وعنوان المرتكب المباشر لها، فان القراءة الصحيحة تقول، إنها عملية انتقامية مرتبة، استهدفت السياح الإسرائيليين الكثر، الذين يتدفقون على هذه المنطقة بصورة منتظمة، لقربها الشديد من إيلات الإسرائيلية، ولرخص أسعارها مقارنة بالأسعار الأخرى، ولإحساسهم بأمان فيها، يفتقدونه داخل بلادهم!

لكن الخاسر الأكبر من هذا الهجوم، هو مصر واقتصادها وسياحتها وأمنها، فهذا أول هجوم إرهابي منذ مدة طويلة داخل الأرض المصرية، وتحديداً منذ العام 1997 حين وقعت العملية الإرهابية الشديدة، ضد السياح الأجانب في الأقصر وراح ضحيتها 85 سائحاً أجنبياً، ومنذ ذلك الوقت هبّت مصر كلها ضد الإرهاب، وتمكنت القبضة الأمنية من تصفية أو محاصرة جماعاته ومنظماته، وساد هدوء ملحوظ، حتى جاء هجوم طابا الأخير، ليثير أكثر من علامة استفهام، عن الفعل الإجرامي ومغزاه، والفاعل وأهدافه...

وثمة عدة احتمالات، أولها أن يكون مرتكبوه جماعات فدائية فلسطينية اشتد عليها حصار «إسرائيل» الدموي في الداخل، فاستسهلت العبور إلى سيناء واستهداف طابا تحديداً، لعلمها بكم السائحين الإسرائيليين هناك في هذا الوقت من السنة، رداً على استهداف جيش الاحتلال الإسرائيلي للمدنيين الفلسطينيين في قراهم ومدنهم ومخيماتهم البائسة، وهو رد - إن صدق الاحتمال - في غير موضعه تماماً.

والاحتمال الثاني، أن تكون جماعات أخرى ترتبط بـ «تنظيم القاعدة الدولي»، هي التي نفذته، على غرار ما فعلت من قبل، في منتجعات السياحة في بالي الإندونيسية شرقاً، حتى قلب مدريد غرباً، وذلك انتقاماً من «غطرسة القوة التي تمارسها أميركا و(إسرائيل)» جهاراً نهاراً، هيمنة واستكباراً.

والاحتمال الثالث، هو أن تكون أجهزة سرية إسرائيلية أو تنظيمات يهودية متطرفة، هي التي نفذت الهجوم، ولها مع مصر تحديداً سوابق كثيرة، لتضرب أكثر من عصفور بتفجير واحد، تضرب اقتصادها وسياحتها الواعدة، بعد أن بلغت ستة ملايين سائح في العام الأخير، وتوقف الزحف السياحي الأجنبي، بما فيه الإسرائيلي والأميركي، وخصوصاً الأوروبي الذي أحس بالأمان في مصر بعد سنوات العنف والإرهاب، وتوقع بين مصر والفلسطينيين، الذين تتحمس لهم مصر وتتبنى قضاياهم، وتضغط إقليمياً ودولياً من أجل إقامة دولة مستقلة لهم.

أما العصفور الأكبر، أو الهدف الأهم في زعمي، فهو ضرب هيبة مصر وعرقلة دورها الإقليمي وسمعتها الدولية، بعد إظهارها ببلد تفتقر إلى الأمن والاستقرار، وتعجز عن حماية زوارها، وتفشل في حرب الإرهاب!

ومن دون استباق للتحقيق الدقيق، فإن أياً من الاحتمالات الثلاثة قائم لا يمكن استبعاده لأسباب واضحة، وخصوصاً الاحتمال الأخير، الذي أعرف مقدماً أن إثارته، ستستثير غضب بعضهم، وخصوصاً أولئك الذين جندوا أنفسهم للدفاع عن السياسات الإسرائيلية، والأميركية، على رغم كل عدوانيتها ودمويتها وجرائمها.

وها نحن نرى ونقرأ لمن يجاهر بأن المقاومة العراقية، ليست من الشعب العراقي الذي يعاني ذل الاحتلال، لكنها جماعات إرهابية ومنظمات مرتزقة أجنبية وعربية وإسلامية، وكأنما الشعب العراقي المعروف بصلابته الوطنية أصبح خنوعاً إلى هذه الدرجة، ونقرأ أيضاً لمن يزعم أن المقاومة الفلسطينية مجرد عصابات إرهابية، وأن انتفاضة الأقصى التي دخلت قبل أيام، عامها الخامس، كانت وبالاً على الشعب الفلسطيني، وكأنما المطلوب أن يتحول الشعب الفلسطيني إلى حراس للمستعمرين الإسرائيليين، الذين يحتلون أرضه، ويقتلون شبابه ويغتالون فيه كل مظاهر الحياة.

المثير في كل ذلك أن بعض هؤلاء قد تطرف وغرز في وحل الباطل، ليقلب الحقائق، فيقول إن أميركا احتلت العراق لتحريره، وان «إسرائيل» تحتل ما تبقى من فلسطين لمحاربة الإرهاب، وبهذا انقلبت كل الحقائق والأوضاع رأساً على عقب، طالما أن أميركا تريد ذلك وترى ذلك، وطالما أن أميركا تحمي «إسرائيل» من العقاب أو حتى العتاب الدولي، مثلما سارعت باستخدام اليتو في مجلس الأمن الأسبوع الماضي، ضد مشرع قرار يطالب «إسرائيل» بوقف عدوانها على غزة المسمى حملة أيام الندم...

وللتذكرة فقط، هذا هو اليتو السابع في عهد الرئيس الحالي جورج بوش الابن، واليتو التاسع والعشرون، الذي استخدمته الولايات المتحدة الأميركية، خلال مناقشة الصراع العربي الإسرائيلي في مجلس الأمن... لفرض الحماية الأبدية على الهولوكوست الإسرائيلي ضد الفلسطينيين والعرب عموماً، وهو ما يشجع السفاحين على ارتكاب مزيد من المجازر، مثلما يشجع الآخرين على الانتقام والثأر، حتى لو أخذ شكل الإرهاب رداً على الإرهاب!

ولأن أيام الندم تلد سنوات الكراهية، فإن أميركا تندم الآن قليلاً، وستندم غداً كثيراً جداً على تورطها في العراق بهذا الشكل الدموي الصارخ، وهي التي كانت تحلم بأن جيوشها ذهبت في مارس/ آذار - ابريل/ نيسان من العام 2003 إلى نزهة على ضفاف دجلة والفرات، لتتلقى الزهور وتسمع الزغاريد والأهازيج، ترحيباً بمقدم نبي التحرير ورسول الخلاص!

وستندم «إسرائيل» أكثر وأكثر، بعد أن حوّلت كل طفل فلسطيني إلى «مشروع فدائي»، بل بعد أن حوّلت كل الفلسطينيين إلى قنابل عداء وكراهية متفجرة عبر التاريخ، وهل هناك ما تتوقعه غير ذلك، بعد أن ظلت على مدى خمسين عاماً تقريباً، هو عمرها، تمارس القتل الجماعي والتطهير العرقي والإبادة الكاملة لشعب تحاول اقتلاعه من أرضه ووطنه التاريخي.

فإن كانت قتلت مئات الآلاف من الفلسطينيين على مدى نصف قرن، فإنها في السنوات الأخيرة، زادت معدلات العنف وأسرعت بوتيرة القتل المنظم ومارست أشد وأقسى صنوف إرهاب الدولة، فإذا حصيلة ضحاياها على مدى سنوات الانتفاضة الأربع 2000 - 2004 تتضخم، لتضم قتل 3334 فلسطينياً، وجرح 53 ألفاً، واعتقال 28 ألفاً، وتدمير منشآت حيوية بنحو 20 مليار دولار، وتعطيل ما بين 53 في المئة إلى 70 في المئة من طاقة العمل الفلسطينية عن العمل بسبب سياسة الحصار العسكري.

أما إقامة جدار الفصل العنصري فحدِّث ولا حرج، لأنه يعبّر عن عقيدة قديمة مدفونة مخبوءة في قلب التاريخ اليهود، منذ بدايات القبائل اليهودية الاثنتي عشرة، ولذلك فإن خطورة هذا الجدار العالي المسلح لا تكمن فقط في ابتلاع الأراضي الفلسطينية وعزل مدنها وتقطيع أوصال الدولة المأمولة.

لكن الخطورة الحقيقية هي أن هذا الجدار يعيد «إسرائيل» القائمة الآن، إلى عقلية قلاع القبائل القديمة، حين كانت تتحصن داخل قراها ومدنها وراء أسوار مغلقة، لا تخرج منها إلا للغزو والسطو على القبائل غير اليهودية المجاورة، ثم تعود بالغنائم والسبايا إلى الداخل... عقلية الغيتو المعبأة بالعنف والكراهية للآخرين الأغيار.

أليست ما تفعله «إسرائيل» (الحديثة) بكل ترسانتها العسكرية والتكنولوجية مع الحماية الأميركية، هو الشيء نفسه، أسوار الحماية النووية وجدران الفصل العنصرية، وحملات الغزو للاستمتاع بدماء الآخرين، والسطو على أرضهم وأوطانهم، وتصدير الحرب والاستقرار والإرهاب إليهم، من حروب «إسرائيل» التوسعية العدوانية منذ العام 1948، إلى 1956، 1967، وغزو لبنان 1982، وإعادة احتلال الضفة والقطاع حديثاً، حتى

إقرأ أيضا لـ "صلاح الدين حافظ"

العدد 768 - الثلثاء 12 أكتوبر 2004م الموافق 27 شعبان 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً