العدد 803 - الثلثاء 16 نوفمبر 2004م الموافق 03 شوال 1425هـ

نصرالله ووضع النقاط على الحروف

«هل يُحرق الوطن بخردلة؟»

قاسم حسين Kassim.Hussain [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

لم تكن كلمة السيدحسن نصرالله في مناسبة «يوم القدس العالمي» بالكلمة الانشائية أو الحماسية، وانما كان يتناول قضايا الأمة وهمومها الكبرى بمنظور رفيع. وإذا كان يتحدث من لبنان فلم يكن يتحدث عن قِطر واحد أو بقعة جغرافية محدودة وهمومها الضيقة، وإنما كان يغطي هذه المساحة النائمة من المحيط إلى الخليج.

ولابد من التوقف أمام هذه الخطبة البليغة التي وضعت النقاط على الحروف، لكي نتبين موضع أقدامنا في هذا الليل الدامس المريع، وخصوصاً بعد أن حاول البعض في مجلس النواب جرجرة الشعب واستدراجه إلى مستنقع آسن وبيل، مقابل بيانٍ لن يغني أهل العراق ولن يسمن أهل الفلوجة من جوع.

من يراقب الوضع العراقي من الخارج يعيش على تصورات أقرب للأوهام، وتلك خلاصة متابعة امتدت ثلاثة عقود، ورثناها من أيام الطاغية السابق صدام حسين. فهذا المستبد استطاع «إقناع» الكثيرين بانه فارس الأمة، وطالبها بالسير وراءه حتى ولو قادها إلى الجحيم. من هنا وجدنا الكثير من شعوب الدول القريبة والبعيدة تتظاهر مؤيدة له يوم ارتكب جريمة احتلال الكويت الشقيق. وإذا كان الكثيرون ممن رقصوا في الشوارع ابتهاجاً في تلك الليلة المشؤومة مجاناً، فإن هناك من رقصوا مقابل عملة مدفوعة بالبراميل! وهي التي صنعت له هالةً لم يفلح في تقويضها لدى البعض، حتى العثور عليه مختبئاً في جحره تحت الأرض كالفأر المصعوق.

هذا على مستوى الهالة الخارجية، أما من عاش في العراق أو اعتاد زيارته بين فترة وأخرى، فإنه لم يكن لتخدعه تلك الاستعراضات العسكرية التي تساق فيها الآلاف المؤلفة من الشباب والشيوخ والنساء، في فيالق وكتائب راجلة تمتد عبر الأفق.

هذا الميراث الكاذب الذي ورثه الشارع العربي من العهد السابق مازال يعطي مفعوله المخدر، وتسهم تغطية الإعلام العربي للموضوع العراقي في ترسيخ الصورة النمطية الموروثة. ففي الوقت الذي كان العراقيون ينتظرون الخلاص من نير النظام حتى ولو على يد الشيطان الرجيم، فإن المناحات العربية كانت تعقد لها السرادق والخيام لتبكي عليه. وما يزيد تشويش الصورة ذلك الاختلاط بين خيوط المقاومة والارهاب، الذي أوقع الناس في بلبلة دائمة بين مؤيد ومعارض لما يجري من تقتيل للمدنيين، وذبح للرهائن وتفجيرات للمدراس والمستشفيات، تختلط كلها بأعمال المقاومة المشروعة في كل الأعراف.

ولعل أخطر ما جاء في كلمة نصرالله، اتهامه أجهزة المخابرات الأميركية والإسرائيلية ومخابرات حكومة علاوي، بالتورط في عمليات تفجير السيارات.

المنطق لا يستبعد هذا الطرح على الإطلاق، فشخصٌ مثل اياد علاوي جاء وهو يمنّي نفسه بالبقاء أطول مما بقي صدام حسين في السلطة، وبالتالي لن يتورع عن استخدام هذه الأساليب القذرة، فهو طالما كان يتباهى بعلاقاته بـأكثر من 23 من أجهزة المخابرات الأجنبية.

الجانب الآخر الذي ينبغي التنبه له هو دور الأجهزة الأمنية في العراق، فنحن نعلم أن الـ «سي آي ايه» بعثت برجالها إلى العراق قبل أشهر من سقوط النظام، وهو ما أسهم ربما في انهيار النظام بهذه السرعة بعد المواجهة الأولى، وسمعنا بعدها عن عمليات شراء واسعة للذمم «البعثية» العريقة.

كما سمع الجميع عن الدور «الغامض» الذي يلعبه الموساد الاسرائيلي المستقر في شمال العراق. بل ان هناك معلومات صحافية مؤكدة عن المخططات الهادفة لإيقاع الفتنة بين الطوائف الكبرى في العراق، من أجل استتباب الوضع وتمهيد الأرضية اللازمة للبقاء الأميركي الطويل في أرض الرافدين. وتنقل هذه المصادر عن جنرال أميركي قوله: «كنا نتوقع حدوث ردود فعل من الجانب المستهدَف بعد كل عملية ننفذها ضد طرف من الأطراف، ونحن في دهشة تامة لعدم حدوث ذلك». فالمخطط مرسوم، تنفّذه بعض الخطوط والخيوط، مباشرة أو بالوكالة، بوعي أو من دون وعي، والنتيجة صب المزيد من الزيت على النار.

وفي أزمنة الفتن، ولكي تعرف الفاعل الحقيقي وتكشف الخيوط السوداء، عليك أن تبحث عن المستفيد: الأميركان، «إسرائيل»، والحكومة التي ترغب في البقاء أطول مما بقي صدام في السلطة.

وإذا كان نصرالله دعا الشعب العراقي إلى التدقيق في الجهات التي تقف وراء هذه العمليات والتي تهدف إلى إيقاع الفتنة وتأجيجها بين السنة والشيعة، وبين المسلمين والمسيحيين، وبين العرب والأكراد والأتراك، فإننا نحذر من يحاول أن «يستورد» إلى هذا الوطن بعض الشرر من تلك النار، حتى لو كان نائباً في البرلمان، وخصوصاً إذا كان المقابل بياناً إنشائياً لا يساوي خردلة، هل تعرفون قيمة الخردلة؟ حذار... حذار، فالوطن بأقوالكم الطائشة إنما تضعونه على برميل من البارود

إقرأ أيضا لـ "قاسم حسين"

العدد 803 - الثلثاء 16 نوفمبر 2004م الموافق 03 شوال 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً