العدد 822 - الأحد 05 ديسمبر 2004م الموافق 22 شوال 1425هـ

«الدكتاتورية» الأميركية

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

الانتقادات التي صدرت عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن السياسة الأميركية الدولية واتهامه إدارة واشنطن بممارسة نوع من «الدكتاتورية» أو التفرد بالخطوات من دون تشاور مع الآخرين... يشير إلى وجود قلق في موسكو من تلك التدخلات السافرة في مختلف الشئون من دون اكتراث للمخاطر أو السلبيات التي يمكن تعرض أمن الدول الأخرى للاضطراب.

رد الإدارة الأميركية على تصريحات الرئيس بوتين ونفي واشنطن تهمة «الدكتاتورية» لا يقلل من أهمية الكلام. فالكلام الروسي بشأن السياسة الأميركية أكثر من صحيح وهو يضع النقاط على الحروف بعد أن تمادت واشنطن في سياسات التحرش وصولاً إلى ممارسة نوع من الهيمنة لتغيير المعادلات أو الضغط بأساليب مختلفة للتأثير على خيارات الناس كما حصل حديثاً في الانتخابات الأوكرانية.

الانتخابات الأوكرانية ليست السبب الوحيد الذي دفع الرئيس الروسي إلى اطلاق مثل هذا الكلام. وانما هي من الأسباب الأخيرة التي كشفت عن وجود سياسة تهدف في النهاية إلى محاصرة روسيا وتطويق نفوذ موسكو في مناطق تقع تقليدياً في دائرتها الجغرافية. فأوكرانيا كانت السبب المباشر إلا أن هناك عشرات الأسباب غير المباشرة تجمعت خلال سنوات لتصب كلها في دائرة محددة لا تستبعد وجود مخطط بعيد المدى يريد ضرب ستار من الحديد يلف روسيا شرقاً وغرباً وجنوباً لعزلها عن دائرة التأثير في السياسة الدولية.

الرئيس الروسي لم يفتعل الكلام. فالكلام جاء في سياق تفسير يحاول شرح أبعاد الاستراتيجية الأميركية ومدى تأثيرها السلبي على الانفراج الدولي. والكلام ليس رداً وإنما محاولة توضيح للمخاطر الناجمة عن سلوك واشنطن الدولي الذي يشجع على الاضطراب وعدم الاستقرار ولا يكترث كثيراً بمصالح الدول الكبرى وأمنها القومي الاستراتيجي والجغرافي والسياسي والعسكري.

تهمة «الدكتاتورية» هي الكلمة المناسبة لوصف تلك السياسات الأميركية. فواشنطن تنفرد بقراراتها وتحاول فرضها على القوى الدولية الأخرى. وحين تفاوض أو تتشاور فإنها تنطلق من نزعة انعزالية تعتد بقوتها مستخدمة رأيها كوجهة نظر نهائية غير قابلة للنقاش أو التعديل. وهذا النوع من التعاطي مع الآخر في السياسة الدولية لا يمكن وصفه إلا بمفردة «الدكتاتورية» أو الاستبداد بالرأي الدولي. وهذا النوع من الاستبداد على النطاق العالمي يشبه إلى حد كبير تلك الأنظمة الدكتاتورية التي تستبد برأيها على الناس في إطار محلي أو دائرة إقليمية.

وصف الرئيس بوتين للسياسة الخارجية الأميركية بـ «الدكتاتورية» لم يكن رد فعل على التدخل في الانتخابات الأوكرانية بل هو نتاج مراقبة امتدت على السنوات الأربع الماضية وتجمعت كلها في خلاصة واحدة وكلمة واحدة. فالدكتاتورية الأميركية أو الاستبداد الدولي في العلاقات مع الأمم والدول يعطيان فكرة موجزة عن مسار العلاقات الثنائية بين موسكو وواشنطن راعت روسيا خلالها المصالح الأميركية والتزمت بكل تعهداتها ومواثيقها واتفاقاتها معها مقابل عدم مراعاة وأحياناً عدم اكتراث من واشنطن بالمصالح الروسية وما ينتج عن التدخلات السياسية والعسكرية المباشرة على الحدود الجنوبية والغربية من مخاطر تهدد أمن موسكو القومي ودورها الحيوي والتقليدي في مناطق آسيا الوسطى وشرق أوروبا وقزوين والبحر الأسود.

هذا النوع من الاستهتار بمصالح الآخرين وعدم الاعتبار لتوازن القوى وعدم الانتباه للحساسيات التي يمكن ان تنجم عنها وما تشكله من مخاطر على الأمدين القريب والبعيد دفع الرئيس بوتين إلى نعت السياسة الأميركية الدولية بـ «الدكتاتورية».

نفي واشنطن للوصف ورد التهمة وتجاهل المنطق الذي جاء في كلام الرئيس بوتين لا يساعد كثيراً في تفهم الأهداف الواقعية التي أرادت موسكو توجيهها إلى الإدارة الأميركية. فالرئيس الروسي لم يعترض خلال فترة حكمه على حاجات أميركا واندفاعها الأهوج في توجيه «ضربات» عسكرية في المناطق المجاورة للحدود الجنوبية للدولة. حتى ان الرئيس الروسي هو من الزعماء القلائل في العالم الذي لم يعترض على إعادة انتخاب الرئيس جورج بوش بل انه أحياناً رحب بالتجديد له لولاية ثانية... ومع ذلك ردت إدارة البيت الأبيض بسلبية على كل تلك الإشارات الإيجابية واتجهت نحو تشكيل إدارة جديدة أكثر تطرفاً ومعادية لروسيا ومصالحها في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى وقزوين والأسود.

الانتخابات الأوكرانية ربما تكون مناسبة لإطلاق هذا التوصيف للسياسة الأميركية إلا أنها ليست السبب الوحيد، فهناك مجموعة خطوات أضرت بالأمن القومي الروسي وكلها انتظمت لتصيغ تلك الكلمة الدقيقة في أبعادها: الدكتاتورية

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 822 - الأحد 05 ديسمبر 2004م الموافق 22 شوال 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً