العدد 837 - الإثنين 20 ديسمبر 2004م الموافق 08 ذي القعدة 1425هـ

إلى أين تهربون؟

غسان الشهابي comments [at] alwasatnews.com

عندما استولى أتاتورك على الحكم في تركيا، حاول جاهداً أن «يعلمنها» ظناً منه أن هذا هو السبيل إلى قلب أوروبا لينسلخ بها عن بلاد المسلمين/ التخلف، ويقودها إلى ركاب الحضارة والتقدم العلماني الأوروبي، فأحدث تحولات في بعض شئون دينها، وحوّل حروفها إلى اللاتينية بدل العربية، وأبدل الإجازة الأسبوعية لتكون يوم الأحد بدلاً من الجمعة، وألغى التعليم الديني، وهو في كل خطوة ينظر إلى الغرب لعله يرضى، وحين لايجد قبولاً يزيد خطوة أخرى ويعيد النظر صوب الغرب، فلا يرى منه إلا ظهوراً قد ولوه إياها.

مات أتاتورك، الذئب الأغبر، أو «ذئب الأناضول» كما يطلق عليه، في العام 1938، ولم تتحول بلاده إلى دولة أوروبية، ومنذ 45 عاماً وتركيا تحاول جاهدة أن تكون جزءاً أو حتى ذيلاً في الفلك الأوروبي، ولكن هذا الفلك يفضل أن يدور ويتعملق ويكبر بعيداً عن تركيا، فأخذ يضم إليه دولاً قليلة الشأن عددياً وفكرياً وتاريخياً ولكن ليس تركيا، وتركيا تتناسى أن الغرب ليس علمانياً فقط، بل ومسيحي أيضاً، فهو يريد أن ينسجم مع نفسه ولن يقبل بدولة تغلب عليها روائح دين آخر، وخصوصاً الإسلام الذي خاض ضده حروباً طاحنة في الماضي، وحروباً جديدة اليوم.

حاولت تركيا - كما يحاول الكثير من «المستنيرين» - أن يسلخوا عن أنفسهم ما أمكن من طبقات تصل إلى النخاع من أفكار وعقائد وأمزجة وتكوينات، ولكنهم في كل ذلك لا يمكنهم أن يكونوا كما يريد «الآخر»، ولا هم يقبلون أن يعودوا إلى حيث ينتمون فقد قطعوا شوطاً في التنكر منه، فيبقون كمن يرفع رجلاً ليعبر حفرة، ولكنها تظل معلقة في الهواء، فلا رجله قادرة على الوصول إلى الطرف الآخر للحفرة، ولا هو يريد إرجاع رجله إلى حيث كانت، فتتجمد كل مشروعاته لعل الحفرة تصغر، أو تخونه قدمه التي في الأرض

إقرأ أيضا لـ "غسان الشهابي"

العدد 837 - الإثنين 20 ديسمبر 2004م الموافق 08 ذي القعدة 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً