العدد 2388 - الجمعة 20 مارس 2009م الموافق 23 ربيع الاول 1430هـ

من حق «الوفاق» أن تراسل «جنيف» بشأن حقوق الإنسان

هادي الموسوي hadi.ebrahim [at] alwasatnews.com

رياضة

مسألة حقوق الإنسان، تتضمن معادلة معقدة وصعبة تتداخل فيها شتى جوانب حياة الإنسان الذي يعيش في ظل أي نظام سياسي، فهي تعنى بقضايا الإنسان السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمعيشية والتربوية والحقوقية والبيئية والقانونية والدستورية والأخلاقية والدينية، وتتعلق بكرامة وحرية وسلامة وصحة الإنسان ولا تنفصل عن شئونه التعليمية والوظيفية والسكنية وتتعلق بالرجل والمرأة والصغير والكبير والسليم والمعوق، والأبيض والأسود والغني والفقير والحاكم والمحكوم و... و... و... نعم هذا هو الإطار الكبير والشامل والمعقد جدّا لمسألة حقوق الإنسان.

وعندما تم تدشين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العاشر من ديسمبر/ كانون الأول من العام 1948 والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في العام 1966 كان ذلك فعلا حضاريا تمخض عن تجربة بشرية عريقة، استهدف كل الأنظمة السياسية القائمة منذ ذلك التاريخ، والأنظمة التي تشكلت بعده إلى يومنا هذا، وخلق بذلك آلية أو أداة أو لنقل منهج عالمي للتعاطي الحضاري الراقي بين عنصري الدولة المتخاصمين أو الخصمين على أحسن الحالات، السلطة والشعب. وقد لوحظ في الأسبوع قبل الماضي خطابين رسميين أخذا مكانهما في الصحافة والإعلام، خطاب رسمي من الخارج وخطاب رسمي من الداخل، ولكن بينهما بون شاسع في التعاطي مع مفاهيم حقوق الإنسان التي يجب علينا جميعا احترامها والعمل على حمايتها.

وبهدف تطوير الحوار والتفاهم الموضوعي، وليس الجدال والمناكفة، فإنني أود الوقوف عند تصريح مدير الإدارة القانونية بوزارة الخارجية يوسف عبدالكريم محمد، والذي أبدى فيه احتجاجا رسميا على الرسالة التي بعثها أعضاء كتلة الوفاق النيابية (17 نائبا) إلى مجلس حقوق الإنسان وإلى المفوضية العليا لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، والتي تضمنت رؤيتهم للحال التي عليها واقع حقوق الإنسان في جوانب التراجعات الحقوقية وممارسة التعذيب والعقاب الجماعي وغيرها.

إن الاحتجاج الوارد في تصريح المسئول في وزارة الخارجية يتناقض مع التزامات حكومة مملكة البحرين أمام مجلس حقوق الإنسان في جنيف، إذ أكد وفد المملكة في جنيف على أن البحرين تسعى بكل جدٍّ ومثابرة لنشر ثقافة حقوق الإنسان والتعريف بالضمانات القانونية والعملية لهذه الحقوق في المجتمع، في حين جاء تصريح المسئول في وزارة الخارجية في اتجاه معاكس، إذ إنه لم يقتصر على نفي صحة المعلومات التي وردت في الخطاب المرسل من «الوفاق»، شأنه شأن السلطات الرسمية في المملكة في التزامها التام والوثيق بمبدأ النفي القاطع في كل حدث وواقعة تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان، وإنما أشار إلى ما يخالف خطاب وفد البحرين في جنيف بأن الدولة تتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني في هذا العمل، حيث أشار عبدالكريم في تصريحه: «ومن ثمّ فإن هذا التوجه خاطئ ليس فقط من حيث الأسلوب بل والمضمون أيضا» في إشارة كما أفهم إلى أن الأسلوب وهو مخاطبة مجلس حقوق الإنسان والمفوضية العليا، توجه خاطئ.

كلمة وفد البحرين في جنيف التي ألقيت بتاريخ 3 مارس/ آذار 2009 تضمنت إشارة إلى: «ومن هنا تأتي أهمية مشاركة مملكة البحرين في هذا الاجتماع، فهي مناسبة لتؤكد الدول المجتمعة على التزاماتها واحترامها لما تضمنه قرار إنشاء مجلس حقوق الإنسان وهي في الوقت ذاته تمثل وقفة صادقة لتقييم جهودنا جميعا من أجل تحقيق ما استهدفه إنشاء المجلس. ونحن في مملكة البحرين نسعى بكل جدٍّ ومثابرة لنشر ثقافة حقوق الإنسان والتعريف بالضمانات القانونية والعملية لهذه الحقوق في المجتمع، وذلك بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني والجهات المختصة بالدولة».

ومؤسسات المجتمع المدني التي ذكرها الوفد في خطابه لم يتسع لها صدر السلطة رغم إنها تتمسك بحكم القانون. فالبحرين اعتمدت اتفاقية مناهضة التعذيب بحسب مرسوم رقم (4) لسنة 1998، وتحفظت حينها على المادة 20 من تلك الاتفاقية، ولكن هذا التحفظ تمت إزالته من خلال مرسوم بقانون رقم (34) لسنة 1999.

أما المادة 20 من الاتفاقية فتنص على «إذا تلقت اللجنة معلومات موثوقا بها يبدو لها أنها تتضمن دلائل لها أساس قوي تشير إلى أن تعذيبا يمارس على نحو منظم في أراضي دولة طرف، تدعو اللجنة الدولة الطرف المعنية إلى التعاون في دراسة هذه المعلومات، وتحقيقا لهذه الغاية إلى تقديم ملاحظات بصدد تلك المعلومات. وللجنة بعد أن تأخذ في اعتبارها أية ملاحظات تكون قد قدمتها الدولة الطرف المعنية وأية معلومات ذات صلة متاحة لها، أن تُعَيِّنَ، إذا قررت أن هنالك ما يبرر ذلك، عضوا أو أكثر من أعضائها لإجراء تحقيق سرّي وتقديم تقرير بهذا الشأن إلى اللجنة بصورة مستعجلة. وفي حال إجراء تحقيق بمقتضى الفقرة 2 من هذه المادة، تلتمس اللجنة تعاون الدولة الطرف المعنية. وقد يشمل التحقيق، بالاتفاق مع الدولة الطرف، القيام بزيارة أراضي الدولة المعنية. وعلى اللجنة، بعد فحص النتائج التي يتوصل إليها عضوها أو أعضاؤها وفقا للفقرة 2 من هذه المادة أن تحيل إلى الدولة الطرف المعنية هذه النتائج مع أي تعليقات واقتراحات قد تبدو ملائمة بسبب الوضع القائم. تكون جميع إجراءات اللجنة المشار إليها في الفقرات 1 إلى 4 من هذه المادة سرّية، وفى جميع مراحل الإجراءات يلتمس تعاون الدولة الطرف. ويجوز للجنة وبعد استكمال هذه الإجراءات المتعلقة بأي تحقيق يتم وفقا للفقرة 2، أن تقرر بعد إجراء مشاورات مع الدولة الطرف المعنية إدراج بيان موجز بنتائج الإجراءات في تقريرها السنوي المعد وفقا للمادة 24».

ويلاحظ من المادة أعلاه، والتي هي جزء من القانون البحريني بحسب المرسومين 4 لسنة 1998 و34 لسنة 1999، أن اللجنة المعنية بمراقبة تنفيذ اتفاقية مناهضة التعذيب (مقرها في جنيف) يجب أن تتلقى «المعلومات الموثوق بها»، وأن هذه المعلومات ربما يكون مصدرها أي جهة، وبما أن أعضاء كتلة الوفاق جهة معنية بما يجري على أرض البحرين بصفتهم ممثلين للشعب فإن عليهم إيصال المعلومات المتوافرة لديهم إلى اللجنة المتخصصة بمراقبة تنفيذ الاتفاقية وذلك عملا بنص القانون البحريني.

جمعية الوفاق الوطني الإسلامية تمارس حقها في العمل السياسي وفق المعطيات الاجتماعية والسياسية القائمة، وهي لا تستهدف الإساءة لمملكة البحرين لأنها جمعية وطنية تؤمن بحق البحرين في أن تكون في مصاف الدول المتقدمة التي تحترم حقوق الإنسان فعلا وعملا، ولذلك بادرت بالانخراط في العمل السياسي وفق الآليات والوسائل المتعددة التي أتاحها وكفلها لها الدستور، وهي مفتوحة للمواطنين وتتلقى تقارير عن معاناتهم وشكاواهم وقضاياهم وشئونهم، وعندما تقوم جمعية الوفاق أو أي جمعية أخرى، بنشاط سياسي، أو حقوقي، أو بيئي، أو خدماتي أو غيرها من النشاطات التي تعتبر من صلب أهداف الجمعية ولا تتعارض مع نظامها الأساسي ولا تتعارض مع الدستور ولا القانون. فإنه من غير المقبول أن يزايد عليها أحد رسمي أو شعبي، في وطنيتها وولائها لشعبها ووطنها وسيادته.

مخاطبة الأمم المتحدة من خلال مجلس حقوق الإنسان أو المفوضية العليا بخصوص مشكلة أو قضية أو انتهاك في البحرين، تُعَدُّ واحدة من الأدوات التي تمتلكها الجمعيات السياسية، بحسب الدستور والمعاهدات الدولية التي صدّقت عليها مملكة البحرين وأصبحت جزءا من قوانين المملكة، وهي ملزمة باحترامها والعمل وفقها. كان الخطاب الذي أرسلته «الوفاق» يمثل سلوكا حضاريا وفعلا مسئولا وممارسة حرفية منطلقها الغيرة على الوطن والمواطن.

«الوفاق» لم تخاطب دولة أجنبية، ولم تخاطب طالبان في أفغانستان، ولم تخاطب نمور التاميل، ولم تخاطب الجناح العسكري المنشق للجيش الايرلندي، ولم تخاطب تنظيم القاعدة، ولم تخاطب حركة شاس في الكيان الصهيوني، ولم تخاطب حركة حماس ولم تخاطب حزب الله اللبناني... وإذا كانت مخاطبة «الوفاق» للأمم المتحدة تُعتبَر جريمة، وخطابها في الداخل لا يلقى صدا رسميّا من السلطة التنفيذية والأجهزة الأمنية للإقلاع عن الانتهاكات المتكررة والخطيرة، فمَنْ تخاطب إذن؟

لا يحق لأحد أن يتسبب في إزكام الأنوف ثم يلوم الآخرين إذا كثر منهم العطيس، كما لا يحق للسلطة أن تمارس انتهاكات مخالفة للقانون والدستور والأعراف الدولية والمعاهدات الإنسانية ثم تمنع الآخرين من حقهم في العمل الوطني والدفاع عن حقوق الإنسان.

فلتتوقف السلطة عن الانتهاكات ولتحترم حياة الناس وتكفل لهم العدل والاحترام والأمن، وستكون خطابات «الوفاق» شهادات تقديرية للسلطة في الأمم المتحدة وسيكون لزاما عليها أن تنقل تجربة مملكة البحرين للمجتمع الدولي بكل فخر واعتزاز.

إقرأ أيضا لـ "هادي الموسوي"

العدد 2388 - الجمعة 20 مارس 2009م الموافق 23 ربيع الاول 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً