العدد 857 - الأحد 09 يناير 2005م الموافق 28 ذي القعدة 1425هـ

العام ... موسم الانتخابات في العالم العربي

حسن أحمد عبدالله comments [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

ستجرى في العام أكثر من انتخابات في العالم العربي، ومعظم الدول التي ستجرى فيها الانتخابات تعاني من ازمات عدة، بعضها يمس جوهر بنية الدولة وبعضها الآخر يؤذن بمشكلات عميقة لا يمكن معالجتها كما كانت تعالج في السابق بصفقات او تسويات بين النخب السياسية في هذه الدولة أو تلك. وأكثر ما يشغل المواطن العربي في هذه المرحلة ليس من يصل الى البرلمان أو من يتولى سدة الرئاسة، أو من يمسك بزمام القرار أو من يتولى السلطة الانتقالية، تمهيداً لوضع دستور دائم يرث الدستور الذي كانت تعمل به مؤسسات الدولة في هذا البلد أو ذاك في السابق، بل ان ما يهم المواطن العربي الآن المستقبل والاطمئنان اليه والتخلص من الفاقة والفقر وتخفيف عبء الضرائب وتخفيف القيود على حرية الرأي والتعبير وممارسة حقوقه السياسية بالكامل من دون خوف من تقرير يطير من هذا او ذاك الى اجهزة الاستخبارات. وأكثر ما يهم المواطن العربي الآن أن يحصد ثمار صبره التاريخي في سبيل ما كانت تعده به الانظمة على مدار عقود.

ففي لبنان يحتدم النقاش بشأن قانون الانتخابات الجديد. وفي مصر يطرح اكثر من رأي مسألة تعددية المرشحين لرئاسة الجمهورية. وفي فلسطين معركة الانتخابات حسمت لصالح شخص واحد منذ بداية المعركة. وفي العراق يزداد الامر تعقيداً مع كل شروق شمس، ويكاد هذا البلد يذهب ضحية لصراعات على مناصب وحصص هي في واقع الامر لا تغني ولا تسمن طالما ان القرار العراقي ينوء تحت حمل العنف اليومي والاحتلال وغياب المشروع الوطني الكامل القادر على جمع العراقيين تحت راية وطنية واحدة تسمح بانهاء آثار الحقبة السوداء الماضية من تاريخ هذا البلد، وتسمح بالتنوع في إطار الدولة الواحدة الموحدة القادرة على ممارسة دورها السيادي من دون أية تدخلات او إملاءات من الخارج.

واذا كان العراق على هذه الحال، فان الدول العربية الاخرى ليست بأحسن حالاً منه، فالخلاف اللبناني ليس فقط على الدوائر الانتخابية بقدر ما هو على طبيعة الدولة وفلسفة وجودها بعدما وصلت تسوية الطائف الى مرحلة الشيخوخة من دون ان تتحقق كاملة. وهذه الفلسفة مرهونة في واقع الامر بالمدى الذي يمكن من خلاله ان توفق أضلاع الحركة السياسية اللبنانية بين الرؤية الخاصة وبين المصلحة الاستراتيجية. بمعنى آخر مدى قدرة الاطراف اللبنانية على الاقتناع بان الدولة الحقيقية القادرة على ممارسة سيادتها هي تلك التي تكون قادرة على صناعة قرارها من دون املاءات من احد، أي ان الاطراف في لبنان مطالبون بحسم خياراتهم والتخلص من آثار مرحلة التجاذب السياسي التي رافقت إعلان لبنان الكبير في عشرينات القرن الماضي، أي التخلص من عقدة الاستناد الى طرف من خارج الحدود اللبنانية في تحقيق مكاسب داخلية. فالتجربة تاريخيا تثبت ان كل القوى التي عملت على مساندة اطراف لبنانية منذ القرن الثامن عشر لغاية اليوم، انما كانت تفعل ذلك من اجل مصالحها الخاصة، ولم تكن المصلحة اللبنانية في حسبانها ابداً، وأقرب الادلة على ذلك ما حصل بين عامي و عندما ادى الاستنجاد بـ «اسرائيل» من قبل أحد أطراف الحرب اللبنانية الى رمي البلد كاملاً في المجهول. لا بل ان تقسيما تجريبيا استتبع ذلك عندما رمى رئيس الجمهورية السابق امين الجميل البلد في اتون حكومتين في نهاية عهده العام عندما لم توافق سورية على أن يجدد لولاية أخرى، وعندما فرضت واشنطن مرشحا وحيدا هو مخايل الضاهر، ويومذاك قال الدبلوماسي الاميركي ريتشارد مورفي جملته الشهيرة: «مخايل الضاهر أو الفوضى».

والوضع اللبناني الآن ليس أفضل مما كان عليه قبل عشرين عاماً، لأن تدخلاً من اكثر من طرف يفرض ذاته على الوضع اللبناني ويتحكم الى حد كبير بالحركة السياسية من الالف الى الياء. وها هو مصطلح جديد يولد في الحياة السياسية اللبنانية «بين عوكر وعنجر»، الاولى حيث مقر السفارة الاميركية التي لاينفك سفيرها عن اطلاق العظات بمناسبة ومن دون مناسبة، والثانية حيث مقر رئيس جهاز الأمن والاستطلاع في القوات السورية العاملة في لبنان الذي يتمتع بنفوذ سياسي كبير في هذا البلد. وهو تكرار للعبة العام لكن بفارق ان بعض الاطراف يستقوي بقرار دولي أقل ما يمكن ان يقال فيه هو محاولة لتفكيك الدولة وبناء دولة أخرى، والبعض الآخر يستقوي بلاعب اقليمي لم يعد له غير لبنان منفذاً بعدما استحكم إقفال المنافذ الاخرى من حوله.

أما في فلسطين، فالأمر ليس أفضل من لبنان، فلقد رأينا كيف ان أبومازن تقلب في مواقفه في غضون أيام أثناء حملته الانتخابية، وكاد يكفّر المقاومة الفلسطينية لولا ان الفصائل كافة اقامت الدنيا ولم تقعدها إلاّ بعد أن تراجع قليلاً عن مواقفه. والوضع الفلسطيني الآن على مفترق تاريخي، فأما ان تتحقق الدولة القابلة للحياة، وان كان ذلك عبر الحاضنة، أو أن تتحول السلطة إلى سلطة بلدية تحت وصاية اسرائيلية كاملة، على رغم ان «اسرائيل» تمر في هذه المرحلة بواحدة من اكثر الازمات خطورة عليها منذ وجدت في العام ، ذلك لان الاستعداد للتسوية أو مجرد الحديث عنها يعني بطريقة غير مباشرة التخلي عن فلسفة الوهم بشأن الحق الديني والتاريخي التي اعتمدتها في خطابها التبريري لعدوانها على الحقوق التاريخية الثابتة للفلسطينيين والعرب طوال سنوات. والمأزق الاسرائيلي يحتاج الآن إلى مخرج، ولن يكون ذلك إلاّ من خلال تنازلات موجعة من قبل الفلسطينيين، لذلك كنا نرى طوال الحملات الانتخابية الفلسطينية في الاسابيع الماضية مضايقات لاطراف عدة من قبل الاسرائيليين وتسهيلات لاطراف اخرى، كاعتقال هذا المرشح أو ذاك، وتوفير كل السبل والتسهيلات لمرشحين آخرين، أو بالاحرى لمرشح واحد لانه في نهاية المطاف هو القادر على توفير المخرج لـ «إسرائيل» من مأزقها.

يقول المفكر العربي الكبير ناصيف نصار في كتابه «منطق السلطة... مدخل الى فلسفة الأمر»: «ان الشعب ليس مجرد كتلة منفعلة. فالطاعة الواجبة على الشعب ليست طاعة عمياء. ولذلك عندما يتقيد الشعب بأوامر الحاكم، يستطيع ان يبين محاسنها ومساوءها، وان يبدي اعتراضا على ما هو سيئ فيها، وان يقترح بدلا منه». ولأن الانتخابات هي المناسبة التي يستطيع فيها الشعب ممارسة ما يقوله نصار نرى هذه المعارضة الشرسة التي يبديها بعض الاطراف والذين يمثلون شريحة لا بأس بها من الشعب في هذه الدولة أو تلك، وفي المقابل نرى السلطة التي لا تتمتع بالاهلية الكافية لممارسة دورها على اكمل وجه تعمل على سن قوانين تتناسب مع مصالحها وتكون عبرها قادرة على افراغ الانتخابات من محتواها، وقادرة أيضاً على بناء منظومة متكاملة من الموالاة التي لا تنتج إلاّ أدوات لمساعدة السلطة على الاستمرار على ما هي عليه وبالتركيبة التي وجدت عليها منذ زمن.

ان ما يجري الآن في العالم العربي ليس أكثر من الهم الوحيد لكل الدوائر التي تعمل الآن على انتاج قوانين انتخابية أو توجيه انتخابات او احتكار الترشيح وحصره باشخاص معينين، ولا يعنيها لا من قريب أو بعيد المواطن ولا ما تحدّث عنه ناصيف نصار. وفي خضم ذلك يغيب المواطن وتغيب التنمية ويغيب المستقبل وتحضر فقط المصالح الخاصة للذين يعملون على تشكيل السلطة كما يريدون. ولهذا نرى أيضاً ان تقارير التنمية العربية ستبقى تتحدث عن تخلفنا لاننا لم نستطع بناء آلية سياسية قادرة على انتاج مشروع حقيقي لدولة حقيقية... دولة مؤسسات فاعلة بكل ما تحمل الكلمة من معنى.

شاعر وصحافي لبناني مقيم في الكويت

العدد 857 - الأحد 09 يناير 2005م الموافق 28 ذي القعدة 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً