العدد 952 - الخميس 14 أبريل 2005م الموافق 05 ربيع الاول 1426هـ

شخصية مركبة كقبيلته التنوخية

المعري. .. الفلسفة شعرا "2"

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

كيف يمكن قراءة هذا الطفل الذي ولد في العام 362هـ "973م" في معرة النعمان؟ هل هو شاعر قال الفلسفة شعرا أم هو فيلسوف قال الشعر فلسفة؟

حين ولد هذا الطفل في تلك القرية كانت بلاد الشام على عادتها تعيش حالات ذعر ورعب وسلسلة انقسامات. فقدر هذه البقعة من الديار الإسلامية أن تعيش حالات التغير الدائم. وقدر هذا الطفل أن يدرك تلك الحالات ويعيشها من دون أن يتعايش معها.

ولد أحمد بن عبدالله بن سليمان بن محمد التنوخي في بيت عرف عنه اهتمامه بالعلم والأدب. فجده كان قاضي المعرة ووالده صنف من الأدباء والشعراء. وعصره شهد ذاك الاصطراع السياسي في بلاد الشام بين الدويلات. فهناك الحمدانية والفاطمية ودولة بني مرداس "شمال سورية" ودولة الروم التي نظمت حملات وغارات على ثغور الشام. كذلك شهد عصره في النصف الثاني من العهد العباسي انشطار مظلة الخلافة وتبعثرها إلى دويلات تعتاش وتتنافس على زعامة تريد انتزاع المركز من عاصمة الخلافة. وعلى ضفاف بغداد ازدهرت العلوم المنقولة "الترجمات" واصطرعت التيارات المذهبية، واشتد نقد الدين، وبرزت الفلسفة وكثر الفلاسفة. ففي عصر المعري "التنوخي" امتزجت التناقضات واصطفت في معسكرات تتقاتل. ففي وقته نشط العلماء السلفيون وتعاظم تأثيرهم في لحظة اشتدت فيها شوكة الحركة الاسماعيلية وانتشرت فروعها في الشام والعراق وصولا إلى بلاد فارس.

يشبه عصر المعري المجبول بالمتناقضات السياسية والفكرية والثقافية إلى حد كبير تكوين قبيلته وتطورها التاريخي وتركيبها الاجتماعي. فتنوخ يقال إنها قبيلة عربية مسيحية انتقلت من الحيرة إلى بلاد الشام وسكنت منطقة واقعة بين حلب وحماة. ويقال إنها اعتنقت الإسلام في عهد الخليفة العباسي المهدي الذي عرف عنه تشدده في محاربة الزنادقة.

هذه رواية عن التنوخيين. وهناك رواية أخرى تقول إن تنوخ ليست قبيلة واحدة ولا تنتمي إلى أصل عصبي مشترك. وتذهب هذه الرواية إلى القول إن مفردة تنوخ جاءت من "تتنخ" في معنى تجمع، أي أن التنوخيين هم اجتماع قبائل متفرقة وغير متصلة الحسب والنسب اتفقت على الوحدة واتحدت على أمر ما. وهذا الأمر غير معروف ولكنه نجح في ضبط تماسكهم فانسجموا على رغم اختلاف منابتهم الاجتماعية والقبلية. وبقي أمر التنوخيين على حالهم إلى مطلع عهد الدولة العباسية، فاحتاج اليهم مؤسس بغداد الخليفة المنصور "أبوجعفر والد المهدي" فأسلموا في عهده وانتظموا في عهدته. وأرسل بعضهم إلى جبال لبنان للدفاع عن الثغور وحماية بلاد الشام.

المعري ينتمي إلى فروع من التنوخيين لم تصعد إلى جبال لبنان، ولكنها على الأرجح استمرت على اتصال بها بعد اعتناقها الإسلام في فترة تقع بين وفاة المنصور في سنة 158 هـ "775م" ووفاة ابنه المهدي سنة 169 هـ "785م". وطرأت على هذه الفروع تغيرات كثيرة نظرا لتنوع أصولها القبلية وتبدل الاتجاهات المذهبية في بلاد الشام وخصوصا حين انقسم الشيعة بعد وفاة الإمام جعفر الصادق إلى تيارين رئيسيين. وليس مستبعدا أن تكون بعض فروع القبائل التنوخية قد انحازت إلى الإسماعيلية التي شهدت حالات نمو في مناطق انتشارها. ولعل هذا الأمر يفسر إلى حد كبير غموض مذهب المعري الذي اتهم بالزندقة أحيانا.

يشبه المعري كثيرا عصره المجبول بالتناقضات، كذلك يشبه تركيبه الفكري - النفسي تكوين قبيلته التاريخي وتركيبها الاجتماعي. ففي عهد المعري انتشرت كتب الفلسفة ورسائل اخوان الصفا، كذلك وزعت رسائل الحاكم الفاطمي ودعوته إلى تأسيس مذهب توحيدي جديد "عرف بالمذهب الدرزي في جبال لبنان". وهو المذهب الذي انتشر في وسط فروع القبائل التنوخية التي نزحت إلى جبال لبنان بطلب من الخليفة المنصور وابنه المهدي.

المعري إذا هو نتاج أصول قبلية واجتماعية وثقافية وفكرية وربما مذهبية متفرقة على أكثر من انتماء. فهو عاصر فترة مضطربة شهدت الكثير من التقلبات والتغييرات التي عصفت بأبناء عمومته في جبال لبنان. فمن هؤلاء ظهرت لاحقا إمارة تنوخية كانت على مذهب الحاكم الفاطمي عرفت بأمراء الغرب "البحتريون".

لا يعرف اذا كان المعري تأثر بنهج هؤلاء الا أنه عاش في مناخات مشابهة في دائرة معرة النعمان. فهذه الدائرة عرفت الكثير من الخصومات العقائدية والصراعات السياسية. ففي السنة التي ولد فيها المعري تجدد الصراع الفاطمي - القرمطي واشتد في العام 363هـ "974م". وفي العام 364 هـ "975م" تشجع البيزنطيون - بعد نجاحهم في دخول انطاكيا - فشنوا غارات منظمة على حدود العراق وثغور الشام وصولا إلى بعض مناطق فلسطين.

كان عصر المعري عصر ضعف الخلافة العباسية، وفي ظلها نشأت مراكز قوى سياسية أخذت تتنافس مستفيدة من كل ما يتوافر لديها من معدات وأسلحة وأدوات ومنها ابتكار أساليب جديدة في التفكير والتفاسير والاجتهادات. وليس مستبعدا ان يكون المعري تأثر بكل هذه الفضاءات السياسية والفكرية والعقائدية وأعاد إنتاجها في سياق شعري اختلط فيه عالمه الداخلي بأحاسيسه، والصور المظلمة عن الخارج بمخيلة عرفت بقوتها وحدتها.

وبسبب تداخل عوالم المعري "الطفل الضرير" وكثرة تناقضاتها احتار المؤرخون في أمره. واحتاروا أيضا في تصنيفه. هو شاعر قال فلسفة أم فيلسوف قال شعرا أم هو مزيج من مدرستين؟ هناك صعوبة في تصنيف المعري. فشعره حالات منفعلة وانفعالية تقترب من الحكمة ولكنها ليست فلسفة. فهناك مبالغة في وضعه ضمن لائحة الفلاسفة. فالفلسفة في النهاية هي أنظمة فكرية تعتمد منهجية في التحليل والتركيب وتؤسس لرؤية عامة عن الحياة والاجتماع والإنسان. والمعري يملك تلك الأفكار وفي الآن يفتقد في رؤيته العامة ذاك النظام المنهجي الذي يرتب نظرته ضمن نسق فلسفي.

إنه حكيم ينظر الى الخارج من عالمه الداخلي. فهو يتنصت على الخارج ويعجز عن مشاهدته. وهو يملك قدرة خارقة على التنصت "الاستماع" وقراءة المشهد بالأحاسيس والانفعالات الممزقة بظلام يحجب النظر ولا يمنع الرؤية. فمن هو هذا الطفل الضرير؟ وكيف تكونت شخصيته التي تركبت من قبيلة متنوعة المصادر "التنوخيين" وعصر تداخلت فيه التيارات المذهبية وانقسمت بين سلفية "صاعدة" وحداثية "هابطة"؟

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 952 - الخميس 14 أبريل 2005م الموافق 05 ربيع الاول 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً