العدد 973 - الخميس 05 مايو 2005م الموافق 26 ربيع الاول 1426هـ

أموال السوريين في الخارج من يعيدها إلى سورية؟

فايز سارة comments [at] alwasatnews.com

.

طرحت تطورات الأزمة اللبنانية في علاقتها مع سورية في أحد نتائجها موضوع الأموال السورية في الخارج، وذلك عندما جرى الحديث عن وجود ما يقدر بعشرة مليارات دولار من أموال السوريين في المصارف اللبنانية، وتم التداول في سحبها من تلك المصارف في سياق تداعيات ما ظهر في العلاقات السورية - اللبنانية.

والكلام عن أموال السوريين في لبنان، جر كلاما أبعد منه يتصل بأموال السوريين في الخارج، والتي تتفاوت التقديرات بشأنها. إذ قدرها وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية السوري غسان الرفاعي بما يتراوح بين 120 و180 مليار دولار، فيما تميل تقديرات أخرى إلى القول بانها تتراوح ما بين 80 و100 مليار دولار، والمتوسط في التقديرات 100 مليار دولار، وهو يمثل رقما مهما بالنسبة إلى سورية واقتصادها، إذ لا يزيد حجم الودائع في المصارف السورية عن 11 مليار دولار طبقا لأرقام العام .2002

وتتوزع أموال السوريين في الخارج على بلدان عربية وأوروبية وأميركية، من دون أن يكون بالمستطاع معرفة الأرقام الحقيقية ونسب توزعها نتيجة مبدأ السرية المصرفية المعمول به، الأمر الذي يدفع إلى تقديرات، الأهم فيها وجود الكتلة الأساسية لأموال السوريين في الخارج في البلدان العربية، وخصوصا في لبنان والأردن والمملكة العربية السعودية، إضافة إلى الإمارات العربية المتحدة والكويت ومصر، وطبقا للتقديرات فإن جزءا من أموال السوريين في الخارج مودعة في تركيا جار سورية في الشمال، التي ترتبط بعلاقات تجارية نشطة مع سورية يتجه حجمها نحو مليار دولار في العام.

والنسبة الثانية من أموال السوريين في الخارج تتوزع على البلدان الاوروبية، وفي هذا التوزع تتضارب التقديرات، لكن غالبيتها يشير إلى وجود قسم مهم من هذه الأموال في المصارف السويسرية وفي مصارف ايطاليا وفرنسا وبريطانيا، والنسبة الثالثة والأقل من هذه الأموال موجودة في المصارف الأميركية.

ومصدر هذه الأموال، يعود بشكل أساسي إلى ثلاثة أصول، أولها، أموال مستثمرين سوريين، تم إخراجها من سورية باصول محدودة في ستينات وسبعينات القرن الماضي في ضوء التغييرات الطارئة على السياسة والاقتصاد في سورية، والتي بدأت في عهد الوحدة السورية - المصرية "1958 - 1961" مع التأميم والإصلاح الزراعي، ثم امتدت بعد استيلاء حزب البعث العربي الاشتراكي على السلطة في مارس/ آذار 1963 وقيامه بخطوات كانت منها تأميمات ومصادرات لملكيات مؤسسات صناعية وتجارية ومالية، وفرض سيطرة الدولة الواسعة على الاقتصاد في قطاعات المصارف والصناعة والتجارة الخارجية والداخلية والزراعة والخدمات الرئيسية، وهو أمر أدى إلى خروج مبالغ كبير من رؤوس الأموال السورية.

والأصل الثاني ناتج عن نشاط فعاليات سورية في السوق الإقليمية والدولية، وجزء من تلك الفعاليات نشط في بلدان الخليج العربية والعراق، وراكم رؤوس أموال عززت حضوره ومنها أنشطة في تجارة النفط والمواد الغذائية والاستهلاكية.

والأصل الثالث في أموال السوريين المودعة في الخارج أساسه أموال سوداء، تمت مراكمتها عبر سياسات منها النهب والفساد والرشوة، قام بها مسئولون سوريون على مدار عقود مستغلين مناصبهم الرسمية ونفوذهم، ثم غسلوا هذه الأموال أو بعضها ونقلوها إلى الخارج، واستخدموها في استثمارات ومشروعات مختلفة، وبعضها تم إيداعه في المصارف العربية والأجنبية، وأعيد قسم من هذه الأموال إلى سورية للاستثمار فيها عند بداية التسعينات مع بدء سياسة الانفتاح الاقتصادية مع صدور القانون 10 الذي اعطى تسهيلات استثمارية واسعة جرى الاستفادة منها من جانب أصحاب الأموال العائدة.

لقد تواصلت في السنوات الأخيرة دعوات الحكومة السورية من أجل عودة أموال السوريين في الخارج، وانخراطها في عملية التنمية والتطوير الاقتصادي، غير ان النتائج العملية لهذه الدعوات كانت محدودة للغاية، والسبب الأساسي ان جملة التطورات القانونية والإدارية في سورية، لم تصبح كافية أو مناسبة، وهذا الواقع هو انعكاس مباشر للعقلية التي مازالت تتحكم بالقرار السياسي - الاقتصادي في سورية، والتي يمكن الاستدلال على قصورها وتقصيرها في جملة حقائق من بينها حقيقة وجود أكثر من 11 مليار دولار من الودائع في المصارف السورية "2002"، بينما لم يصل مجموع الاستثمارات المنفذة عمليا في سورية المليار دولار منذ العام 1991 وحتى العام .2002

وهناك حقيقة أخرى، وهي سعي جهات رسمية سورية للبحث في امكان استثمار أموال سورية في الخارج في وقت تحتاج سورية وتسعى إلى جلب استثمارات خارجية وفق شروط تفضيلية. والحق فإن عقلية كهذه تعجز عن استثمار المال المحلي، لن تتمكن من جلب أموال خارجية، وخصوصا إذا كانت هذه الأموال لسوريين سبق ان خرجت أصولها من سورية، قبل ان تنمو في الخارج، ما يتطلب قدرا أكبر من الضمانات والتطمينات، تترافق واستكمال الإصلاحات الاقتصادية، في إطار سياسة جديدة ومختلفة، سياسة تقوم على تحقيق إصلاح قانوني وإداري بالتوازي مع توفير مستويات عالية من الشفافية وتوفير الفرص المتكافئة، وكلها تتطلب إصلاحا عاما شاملا بطول بنية النظام السياسي القائم، لأن النظام بطبيعته الحالية، على رغم كل الشعارات التي أطلقها والإجراءات التي قام بها، لم يحقق الا القليل من التبدلات، التي لم تغير بعد من بنية النظام ولا طبيعته، وبالتالي، لم تدفع احدا للاطمئنان إلى ما يجري وخصوصا أصحاب الأموال السورية في الخارج

العدد 973 - الخميس 05 مايو 2005م الموافق 26 ربيع الاول 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً